|
نظرية الصراع البشري والغرائز البهيمية
بقلم: غازي ابوفرحة
أسباب الصراع والحروب
الغرائز البهيمية الثلاث
التي تحكم البشر وكافة الكائنات الحية
1 - غريزة البقاء (الحياة) 2 - غريزة استمرار البقاء (التناسل)
3 - غريزة البقاء للأصلح (الانتخاب الطبيعي)
إن هذه الغرائز موجودة أو مغروزة في نواة كل خلية من خلايا جسم في الجينات (الكرموزومات) المركبة من الحمض النووي (DNA) وتتحكم هذه الغرائز في حياة الإنسان وسلوكه بطريقة لا إرادية تلقائية.
إن هذه الغرائز مسئولة عن بحث الإنسان عن الطعام والتنافس عليه مع الآخرين والدفاع عن النفس في مواجهة الخطر الذي يتهددها أو يلحق بها الأذى.
كما أنها مسئولة عن التناسل وتقديم الطعام للذرية وحمايتها من الخطر كما أنها مسئولة عن الانتخاب الطبيعي فيبقى الذي هو الأصلح للبقاء وينقرض الضعيف غير الصالح للبقاء والذي لا يصمد أمام التنافس الطبيعي.
1 - غريزة البقاء ( الحياة ):
وغرضها المحافظة على الحياة أ - تامين الطعام ب - الحماية من الأخطار والدفاع عن النفس.
الجوانب السلبية لهذه الغريزة والتي تؤدي للصراع مع الآخرين:
أ - التنافس على الطعام مع الآخرين فيؤدي للسرقة والتي تؤدي بالتالي للصراع.
ب - الطمع في سلب طعام الآخرين، إن الطمع يحدث عند الإنسان الذي يوجد لديه طعام ولكن الطمع يدفعه إلى سلب طعام الآخرين مثل الاستعمار الإنجليزي والفرنسي والأسباني والبرتغالي وأخيراً الاستعمار الأمريكي للبلاد المختلفة والضعيفة والتي تحتوى على ثروات خام في أراضيها.
2 - غريزة استمرار البقاء ( التناسل ):
وغرضها استمرار بقاء الإنسان بالزواج بين الذكر والأنثى لإنتاج ذرية وتامين الطعام للذرية وحمايتها من الأخطار ويتفرع عنها غريزة الأمومة التي تدفع الأم لإرضاع طفلها والعناية بنظافته وصحته وحمايته من الأخطار الخارجية ورعايته حتى يكبر ويعتمد على نفسه.
وغريزة الأبوة التي تدفع الأب للعمل والإنتاج للحصول على كل ما يلزم أطفاله من طعام وكساء وتعليم ورعاية حتى يكبروا ويعتمدوا على أنفسهم.
كما تشمل غريزة التهجين ( الزواج من غريب أو غريبة ) لتحسين النسل كما في التلقيح الخلطي في النبات للحصول على قوة الهجين. وعند مربي الحيوان فإن استعمال ذكر غريب ( من قطيع أخر ) يهيج الحيوانات للتلقيح ( بحكم الغريزة ) بالإضافة إلى أنه يحسن من صفات المواليد التي تتمتع بقوة الهجين ومن حسنات غريزة التهجين عند الإنسان فإنها تجعله يعف عن التناسل مع محارمه ( الأخت وبنتها والأم والجدة والعمة والخالة) والتي أضاف إليها الألمان (1930) إلى المحارم كل من:( بنت العم وبنت الخال وبنت العمة وبنت الخالة ).
الجوانب السلبية للغريزة والتي تؤدي للصراع مع الآخرين :
1 - التنافس - تنافس الرجال على الأنثى، وتنافس الإناث على الرجل.
2 - الطمع - طمع الرجال في الزواج بأكثر من أنثى مما يؤدي إلى الصراع بينهن وقد يتجه الطمع اتجاهاً غير شرعي أي إلى الزنا فالرجل قد يتزوج واحدة ويزني بالكثير من النساء وكذلك المرآة تتزوج واحد وتزني مع كثير من الرجال.
3 - غريزة البقاء للأصلح ( غريزة الانتخاب الطبيعي ) وهي أكثر الغرائز إثارة للصراع بين الأفراد والجماعات وتتجلى في الحيوانات عندما ترى الثيران ثوراً مجروحاً يسيل منه الدم ( الأحمر ) فتظل تنطحه كل الثيران حتى يموت كي لا ينجب ( يخلف ) ثيران ضعاف مثله لأنه غير صالح للبقاء بحكم الغريزة.
وتتجلى في الإنسان في النظرة الفطرية السيئة لذوي العاهات من البشر إن هذه الغريزة تجعل الإنسان يسفه آراء الآخرين ويبحث عن العيوب لدى الشخص الأخر كي يثبت أنه أصلح منه للبقاء.
إلا أن لهذه الغريزة حسنةً وهي إنها تجعلنا نحب ( نعشق ) الجمال
( في كل شيء ) على اعتبار أن الجمال هو الأصلح.
إن الذين يتمتعون بصفات جسمية أو عقلية جيدة تكرمهم الجماعة وتسهل طريقهم كي يبقوا لأنهم هم الصالحون للبقاء كما توحي الغريزة الفطرية.
إن كل شخص يعتبر نفسه الأصلح فيجب أن يبقى ويعتبر الأخر غير صالح للبقاء ويجب أن يفنى إن هذه الغريزة هي التي جعلت الرجل الغربي الأبيض يعتبر نفسه انه هو الأصلح للبقاء وأقام التفرقة العنصرية ضد الملونين ( الأفارقة السود والعرب والهنود السمر والصينيون الصفر ) في الولايات المتحدة الأمريكية فكان يكتب في بعض المطاعم " ممنوع دخول الملونين والكلاب ". وكذلك في جنوب أفريقيا. وقد قام الملونون بمقاومة هذه الظاهرة ( التفرقة العنصرية ) في أمريكا وجنوب أفريقيا إلى إن ألغيت على الصعيد العملي لكنها بقيت في النفوس كغريزة فطرية.
وتتجلى أيضاً في الصراع على الزعامة سواء كان صراعا عقليا أو جسدياً بحيث يُفني الإنسان منافسيه ويتربع على كرسي الزعامة أو كان صراعا عقليا كالانتخاب فيفوز بالانتخاب ويتربع على الكرسي أيضاً وتبذل له الجماعة التسهيلات في المعاش ويسوده إحساس بأنه هو الأصلح فيتشبث في الكرسي لأنه يريد أن يكون الأصلح على طول الزمن فلا يعترف بتطور المجتمع وأن المجتمع ولاّد كما ولده المجتمع ممكن أن يلد غيره.
إن المسابقات والمباريات هي صراع سلمي على الأصلح. وقد كانت المبارزات في السابق صراعاً على الأصلح بشكل بدائي قريب إلى صراع الثيران أو صراع الديوك على الأصلح.
إن الإنسان برقية عن الحيوان يستطيع كبت غرائزه البهيمية وتنظيمها بحيث لا تؤدي للصراع مع الآخرين وإن والأديان والشرائع وجدت لتنظيم وكبح الغرائز الفطرية.
يقول البرت شفتسلر في كتابة " فلسفة الحضارة ":
"الحضارة هي الأخلاق"
والأخلاق هي كبت وتنظيم الغرائز البهيمية ( الثلاث ) في النفس البشرية.
ويقول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم:
إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق.
وتنحدر الأخلاق لدى البشر في الأجيال الطفيلية خصوصاً قرب نهاية الجيل الطفيلي وتسود لديها الغرائز البهيمية ( الثلاث ) بكل تجلياتها فتؤجج الصراع بينهم والذي يؤدي إلى السلب والنهب والتطفل والزنا وقتل الأنفس.
الصراع الداخلي والصراع الخارجي
يتعرض العرب والمسلمون لنوعين من الصراع يجري الخلط بينهما بصورة متعمدة سواءً من الطرف الخارجي أو من الطرف الداخلي.
الطرف الداخلي: هو التنافس بين أفراد المجتمع بحكم الغرائز البهيمية الثلاث خصوصاً غريزة الانتخاب الطبيعي أو البقاء للأصلح وهذا يقود للصراع الشديد بين أفراد المجتمع حيث أن كل واحد يعتبر نفسه الأصلح ويريد إلغاء غيره بشتى الطرق والتنافس يبدأ من الأخوة إلى أصحاب المهن المتشابهة إلى أصحاب المصالح المتشابهة إلى الصراع بين أصحاب الأوضاع المتناقضة إلى كل أفراد المجتمع.
الطرف الخارجي:
الاستعمار ـ أمريكا وأذيالها الخارجية كبريطانية وأدواتها: إسرائيل، والحكام الخونة، وقواعد أمريكا داخل المجتمع من عملاء المخابرات الأمريكية وعملاء السلطات( الحكومات ) العميلة للعدو الخارجي الطامع بثروات المنطقة ( أمريكا ).
إن المتصارعين الداخليين يركزون على الصراع الخارجي ويجعلون من الاستعمار شمّاعة ( علاّقة ) يريدون تعليق كل مشاكل الأمة عليه ليبعدوا نظر أفراد الأمة عن أطماعهم الشخصية ونواياهم الخبيثة وصراعاتهم التنافسية؛ في الوقت الذي لا يقومون بأي عمل لصد الصراع الخارجي بل قد يتحالفون معه ضد مصلحة الأمة.
وإن الطرف الخارجي ( الاستعمار ) يحاول بشتى الطرق لفت النظر إلى الصراع الداخلي والتركيز عليه ليخدع الناس بأن المشكلة ليست في الاستعمار بل إن المشكلة هي في الصراع الداخلي وأن الاستعمار يريد تحديث المجتمع وانتشاله من التخلف؛ ويقومن بإرسال بعثات المبشرين والمستشرقين الذين يدرسون عادات الأمم المستهدفة في ما سُمِّيَ بعلم الإنسانيات ( الأنثروبيولوجيا ) ويبحثون عن نقاط الضعف ونقاط الصراع والنقاط الحساسة في تركيب المجتمع المستهدف؛ فتراهم يعزفون على اسطوانات مثل:
الاسطوانة الأولى: أن المجتمعات العربية والمسلمة هي مجتمعات ذكورية وأن العرب والمسلمون يحتقرون المرأة ويظلمونها مع أن العرب والمسلمين يعزون المرأة ويحترمونها وإن الغرب هو الذي يحتقرها بأن جعلها سلعة إباحية رخيصة ويريدون إغراق العرب والمسلمين في مستنقعهم.
والاسطوانة الثانية: التي يعزفون عليها هي: غياب الحرية والديمقراطية مع أنهم هم الذين يغيبونها بتسليط جواسيسهم لحكم الأمة بديمقراطية مزورة أو بديمقراطية ديكور أو بدون ديمقراطية بالمرة وباستبداد سافر؛ وعندما انتخب الجزائريون حركتهم الإسلامية عام 1991 تعاون المتصارعون الداخليين والخارجيين على قمعهم مما أدى لحرب أهلية كلفت الجزائريين ربع مليون ضحية. إن الاستعمار عندما يطالب بالديمقراطية للشعوب المستضعفة فذلك كي يدخل جواسيسه للحكم الذين يغريهم بفتات المال وبالجاه المزيف وهو كرسي الحكم والسلطة والذي يضع الاستعمار عليه كافة أنواع الخوازيق.
والأسطوانة الثالثة التي يعزفون عليها هي: التدين أو ارتباط العرب والمسلمين بالدين وأن الدين ضرب من التخلف وهو يدعو للقدرية ( بمفهومهم ) ويؤمن بالغيبيات غير المحسوسة والتي لا يستطيعون فهمها بالعلوم الماديّة ويريدونهم مثلهم لادينيين مع أنهم كانوا يشجعون المتدينين أيام كان الدين مُدَجَّناً لمصلحتهم أمّا بعد أن فلت الزمام من أيديهم في موضوع الدين فكرهوا الدين والمتدينين وجاهروا بذلك علناً بل وحاربوا المتدينين وسموا الجهاد إرهاباً وسموا المجاهدين بالإرهابيين مع أنهم كانوا أول من شجع عليه لمحاربة السوفييت في أفغانستان.
والمواطن المستضعف يقف بين الصراعين كحبة القمح بين شقي الرحى فيطحنه هذا الصراع تارة ويطحنه ذاك الصراع تارة أخرى؛ ويخدعه الصراع الداخلي تارة فيوهمه بأن كل مشاكله من الصراع الخارجي كما ويخدعه الصراع الخارجي فيوهمه بأن كل مشاكله من الصراع الداخلي.
الصراع الداخلي
يوجد شكلان للصراع الداخلي وهما: الصراع السلمي ومنشأه التنافس الغريزي، والصراع العدواني ومنشأه شدة التنافس الغريزي لدرجة الطمع مع التخلف الأخلاقي الذي يقوي الغرائز لدرجة البهيمية كما نشاهد في تصارع الديوك وتصارع الثيران.
ومنشأ الصراع عموماً هو التنافس بين الأفراد بحكم الغرائز البهيمية الثلاث
وإن الأخلاق تضبط الصراع فتمنعه من التحول من صراع سلمي إلى صراع عدواني والأخلاق الرفيعة والأخلاق الدينية تحول الصراع التنافسي إلى تعاون وتكافل؛ ولكن الغرائز البهيمية تلتف على الأخلاق وتحتال عليها بشتى الطرق لتحول التنافس السلمي إلى تنافس عدواني.
إن الأخلاق ضرورية لحياة الإنسان الاجتماعية فكما قال الخليفة العادل عمر بن الخطاب:"متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا". وفي هذا نهيٌ عن أنه إذا تمكن فرد من صرع فرد آخر كما تفعل البهائم أن لا يصرعه؛ وإن المجتمع المحكوم بالقوة الروحية العقائدية ( الإسلام) والذي يمثل عمر بن الخطاب رأس هرمه في ذلك الوقت سوف يمنعه من ذلك بل ينصر المصروع (المستعبد) ويعاقب الصارع.
إن تشابك المصالح بين أفراد المجتمع يتطلب وجود معايير أخلاقية لضبط هذا التشابك.
إن النحل والنمل رغم أنهما من البهائم إلاّ أنهما قد تنازلتا عن بهيميتهما عندما عاشتا معيشةً اجتماعية؛ وقسمتا الأعمال والمنافع بين الأفراد بطريقة سلمية تعاونية مدهشة للإنسان لدرجة أن الإنسان أصبح يطمح إلى هذه المعيشة كما في جمهورية أفلاطون الخيالية.
ونرى كيف حولت الألعاب الأولمبية التنافس بين بني البشر على من هو الأقوى إلى صراع رياضي سلمي فيتبين للناس من هو الأقوى بطريقة سلمية بدلاً من الطريقة البدائية البهيمية كتصارع البهائم من الثيران والكباش.
وفي التراث الشعبي كان الشباب يتصارعون سلمياً في مواسم الحصاد ودراس القمح على البيادر (في مصر الأجران) حيث يمنع القش الطري حدوث الأذى للمتصارعين الذين كانوا يتصارعون في ما يسمى بالمباطحة أي أن الذي يطرح (يبطح) الآخر أرضاً يفوز عليه؛ وكان الذي يفوز في النهاية على كل شباب القرية كان يسمى: شيخ الشباب.
ونجد كيف حوّل سيدنا محمد الصراع الدامي بين القبائل العربية في الجاهلية إلى سلام ومحبة وتعاون وتكافل بالدعوة الإسلامية التي أتته بالوحي الإلهي بواسطة الملاك جبريل عليه السلام.
وقال سيدنا محمد:"إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق". فتمم مكارم أخلاق العرب والشعوب الأخرى التي آمنت بدعوته إلى الإسلام المشتق لغوياً من السلام الذي هو عكس الصراع.
أشكال الصراع الداخلي بين أفراد المجتمع:
1: الصراع بين الأخوة فينقلب التعاون فيما بينهم وهم صغاراُ ضعافاً إلى صراع بعد أن يكبروا ويستقووا ويشتد الصراع فيما بينهم عندما يتنافسون على منفعة هامة مثل ما تنافس وتصارع على الملك أبناء أورخان وكذلك أبناء بايزيد حيث وصل بهم التنافس والتصارع إلى درجة القتل فقتل الأخ أخاه وذلك في تحليل تاريخ الدولة العثمانية، والأمثلة كثيرة في التاريخ على صراع الأخوة لعل أولها هو صراع قابيل وهابيل أبناء سيدنا آدم عليه السلام.
2: الصراع بين الأقارب:
إن الصراع بين الأقارب أقل حدة من الصراع بين الأخوة ولكن الصراع بين الأقارب يشتد في الأمور الكبيرة مثل الصراع على الزعامة مثل ما حصل مع ابن العلقمي الذي كان يتصارع مع أقاربه على الملك فلما سمع بقدوم غزوة (صراع) خارجية بقيادة هولاكو التتار فلاقاه عند حدود الدولة العباسية ودل هولاكو على نقاط الضعف في الدولة مما مكنه من احتلالها وتدمير وتخريب بغداد عام 1250م في كارثة بشرية وحضارية ودينية وإنسانية فظيعة؛ وما كان من هولاكو إلا أن شنقه في بغداد وقال له: أنت لم تنفع قومك فلا يمكن أن تنفعني بعد الآن.
ولكن يوجد هتاك جانب آخر للعلاقة بين الأقارب غير الصراع وهذا الجانب هو : التعاون والتكافل وقد عبر عنه الشاعر العربي : أبو فراس الحمداني ( 950 م ـ الموصل ـ حلب )
عندما يقول:
إن الذي بيني وبين بني أبي وبين بني عمي لمختلفٌ جدا
فإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم وإن هدما مجدي بنيت لهم مجدا
3: الصراع بين أصحاب المهن المتشابهة:
إن التنافس بين أصحاب المهن المتشابهة يتحول إلى صراع عندما يشتد التنافس وتضعف الاعتبارات الأخلاقية والمهن المتشابهة مثل الأطباء والمحامين والمهندسين وأصحاب الوظائف المتشابهة والباعة والتجار؛ وإن أشد الصراع يكون كلما علت المهنة مثل كبار التجار حيث يؤدي الصراع إلى خسائر كبيرة وإفلاس التاجر المصروع وخروجه من السوق، وكذلك السياسيين حيث يفضي الصراع فيما بينهم إلى القتل والموت.
الجانب الآخر للعلاقة بين أصحاب المهن المتشابهة عكس الصراع حسب القانون الثالث لنيوتن ( لكل فعل رد فعل مساوٍ له في المقدار ومضادٍ له في الاتجاه ) وهو التعاون فيشكلون النقابات المهنية والاتحادات والجمعيات.
4: الصراع بين الأوضاع المتناقضة: كالصراع بين البائع والشاري، وبين العامل وصاحب العمل، وبين المسجون والسجان، وبين الحاكم والمحكوم، وبين الغني والفقير، وبين القاتل والضحية.
الصراع الخارجي
المستضعَفون في الأرض
الاستضعاف من الضعف والإنسان الضعيف يستضعفه الإنسان القوي المستضعِف أو المستكبِر.
وعوامل استضعاف الإنسان هي (3+1) ثلاث أساسية وهي: الفقر والجهل والمرض زائدا الغربة والغربة من الغرابة أي اختلاف الإنسان المستضعف أو الجماعة المستضعفة عن المحيط أو الجماعة الرئيسية أو الأمة التي يعيش فيها بالشكل أو المظهر أو بالعقيدة أو بالأصل أو اللسان أو بغربة الأهل والوطن.
إن مثلث المستضعَفين له ثلاثة رؤوس وهي: الفقر والجهل والمرض؛ فإن هذه العوامل الثلاثة تتكاتف على المستضعَف وتشله ليأتي المستكِبر المستضعِف المدفوع بغرائزه البهيمية فيستضعفه ويكرس استضعافه ويحاول أن يبقيه في حالة الاستضعاف هذه حتى تقوم ناقة صالح.
فالمتقدم حضاريا يستضعف المتخلف حضاريا (الجاهل) ويستغل جهله ليمعن في استضعافه؛ خصوصا إذا كان هذا المستضعف يملك من المواد الأولية الأساسية (النفط، المعادن،السكر، البن، المطاط،الكاكاو، وغيرها ) الشيء الكثير فتجتمع عليه كل ذئاب الأرض لافتراسه. كما استضعفت شعوب أوروبا وأمريكا الشعوب العربية والإسلامية وأفريقيا وجنوب آسيا وجنوب أمريكا.
وقد رأينا بالأمس القريب مزارعي ساحل العاج وهم يفتحون أكياس حبوب الكاكاو ويلقون بها في الشوارع تحت عجلات السيارات المارة بالشوارع؛ إنهم يلقون بتعبهم ورزقهم ومعاش عيالهم وما يملكون حنقا من فرنسة (الدولة الاستعمارية) التي تريد أن تبخس بسعر الكاكاو لدرجة العدم حتى تكرس استضعافها لشعب ساحل العاج الأفريقي الفقير؛ مع أن الكاكاو سلعة استراتيجية هامة وأن ساحل العاج تنتج نصف الإنتاج الأفريقي من هذه المادة الهامة التي يستهلكها كل بيت في العالم يوميا فيستهلكها الصغار والكبار على هيئة شيكولاتة؛ وأكثر من ذلك فقد حاربت فرنسة أهل ساحل العاج بواسطة الجيش الفرنسي المتواجد هناك لحماية الاحتكارات؛ وقس على ذلك استضعاف الشعوب العربية والإسلامية لأجل النفط (المادة الأولية الأولى للبشرية حاليا ) والتحكم بأسعاره فأمعن المستكبرون القتل والتنكيل بالعرب والمسلمين مباشرة أو بطرق غير مباشرة عن طريق تسليط الحكام الجواسيس وأعوانهم من الطفيليين من بني جلدتهم لحكمهم والتنكيل بهم لحساب أسيادهم الذين سلطوهم، وزرع إسرائيل كمشروع نفطي بعد أن شحن المستكبرون اليهود بالترهات عن أرض الميعاد كي يقوم اليهود بالمذابح للعرب والمسلمين نيابة عن المستكبرين الذين نصبوا أنفسهم قضاة وحكام على العالم وأقاموا عدة للنصب على رأسها مجلس الأمن الإرهابي الذي أصبح سوطا للمستكبرين الأغنياء يجلدون به المستضعفين الفقراء؛ ـ راجع المؤامرة النفطية في هذا الكتاب ـ، وكذلك استضعاف الشعوب الهندية لأجل التوابل، واستضعاف شعوب الهند الصينية لأجل المطاط، واستضعاف شعوب أمريكا الجنوبية لأجل البن والسكر وغيرها.
والتاريخ مليء بالاستضعاف الخارجي مثل استضعاف الأوروبيين الذين هاجروا واستوطنوا أمريكا لما سمي بالهنود الحمر وهم سكان أمريكا الأصليين استضعافا وصل إلى درجة الإبادة؛ فجرت إبادة شعب كامل والسيطرة على أراضيه فيما سمي
بالمستوطنات المتحدة الأمريكية United Settlement of America USA والتي جرى تعديل اسمها ليصبح:
الولايات المتحدة الأمريكية United States of America USA ولم يبق من شعب أمريكا الأصلي والذي سمي بالهنود الحمر أقل من 5% بقوا كي يضحك المستكبرون عليهم في أفلام رعاة البقر (الكاوبوي) بسادية وقحة تتجلى فيها الغرائز البهيمية بأبشع صورها.
الاستضعاف الداخلي:
1ـ استضعاف المرض: ( الاستضعاف الصحي): يجري استضعاف المصاب بمرض يؤدي به إلى ضعف أو عجز أو تخلف في قواه الجسمية أو العقلية من قبل المحيطين به من البشر وذلك بسبب غريزة الانتخاب الطبيعي البهيمية (غريزة البقاء للأصلح) مع أن الأخلاق الإنسانية التي تنادي بها كافة الأديان والشرائع البشرية.
ولقد عرف التاريخ العربي الكثير من المستضعفين بسبب المرض نذكر منهم اثنان شهيران وهما: طه حسين بمصر (القرن العشرين) والذي كان كف البصر حافزا له ليكون عميد الأدب العربي والذي دافع عن المستضعفين بسبب الجهل فأقر عندما كان وزيرا للمعارف بمصر أن التعليم يجب أن يقدمه المجتمع للفرد مثل الماء والهواء.
وأبو العلاء المعري (القرن العاشر) من معرة النعمان قرب حلب والذي كان أكبر فلاسفة عصره ونقل عنه دانتي الإيطالي (القرن 13) ملحمة الكوميديا الإلهية الشعرية (3 آلاف بيت) والتي تعد للآن درة الأدب الإيطالي، كما نقل عنه غالبية فلاسفة النهضة الأوروبية.
عندما مرض أبو العلاء المعري وصفوا له فروجا (فرخ الدجاج) وطبخوه وقدموه له كي يأكل؛ فقال للفروج: استضعفوك فوصفوك لي؛ ليتهم وصفوا لي شبل الأسد؛ ورفض أن يأكل منه لأنه يكره الاستضعاف حتى للبهائم.
2: استضعاف الجهل (استضعاف التخلف): إن الجهل يؤدي إلى التخلف المعرفي والحضاري؛ فيجري استغلال المتخلف الجاهل من قبل المتعلمين المتقدمين من أفراد المجتمع إلى درجة الاستعباد؛ ولقد عرفت البشرية في تاريخها قرونا من استعباد الإنسان لأخيه الإنسان ولم ينته الرق من البشرية إلا في القرنين الماضيين؛ إلا أن الرق تبدل تبديلا بالوظائف والأجور التي كانت تدفع للعمال "بحد الكفاف" حسب نظرية آدم سميث (القرن 18) مدير شركة الهند الشرقية الإمبراطورية البريطانية.
ومن الأمثلة على استضعاف الجهل أن المستوطنين الأوروبيين (إنجليز، فرنسيين، أسبان، برتغاليين) الذين استوطنوا القارة الأمريكية (القرون من 15ـ20) كانوا يستبدلون الذهب من الهنود الحمر بحبات الخرز الملونة والتي كانت تصنع من الزجاج الملون؛ فكانوا يستبدلون حبة الخرز بحبتي ذهب مع أن حبة الذهب في الواقع (ولغاية الآن ) تساوي أكثر من ألف (بل ألوف) حبة خرز.
3: استضعاف الفقر (الاستضعاف المالي): وهو أهم عامل من عوامل الاستضعاف؛ فقد يتعاضد استضعافا المرض والجهل ليصنعا استضعاف الفقر ؛ كما أن استضعاف الفقر قد يصنع الاستضعافين السابقين .
إن المال ذو أهمية كبيرة في حياة الإنسان كما عبر عنه الشاعر:
هي اللسان لمن أراد فصاحة وهي اللسان لمن أراد قتالا
فإن من يملك الفلوس (المال) وإن كان أخرس أبكم فإنه يستطيع أن يؤجر أكفأ المحامين للدفاع عنه، كما أنه لو كان عاجز الجسم ويتحرك بواسطة عربة فإنه يستطيع بماله استئجار الأقوياء والمسلحين لحمايته والدفاع عنه بل للاعتداء على أقوياء الجسم إذا أراد.
وقال الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه:" لو كان الفقر رجلاً لقتلته". حيث أن الإمام علي أدرك أهمية الفقر في استضعاف الإنسان لأخيه الإنسان ولذي وصل بالإنسان إلى أن يستعبد أخاه الإنسان.
ويقول المثل " الفقير من لا حيلة له". والحيلة تأتي من العقل والتفكير والتدبير؛ فالإنسان الذي يستعمل عقله وفكره اللذان وهبهما الله له ويحتال على رزقه فإن الله يرزقه. إن الرزق بحسب المثل المذكور أعلاه هو كالغزال الشارد يجب أن تستعمل له الحيلة من فخ أو شبك بعد أن تدرس مكان رعيه ومكان استراحته وتنصب له الشرك وتراقبه بعد أن يقع في الشرك فتسرع إليه وتأخذه كي لا يسبقك غيرك إليه ويأخذ تعبك؛ ولا بأس فأول أرزاق البشر كان الصيد.
إن سبب استضعاف الغريزة البهيمية (غريزة البقاء للأصلح) أن هؤلاء الفقراء (بعرف الغريزة البهيمية) لا يصلحون للبقاء ولذلك يجب أن يسحقوا كي لا يخلفوا أناسا ضعفاء مثلهم؛ تماما كما تنطح الثيران القوية الثور الضعيف الذي نهشه الوحش وسال دمه فتتكالب عليه باقي الثيران وتقتله كي لا يتناسل ويخلف ثيرانا ضعيفة يأكلها الوحش.
ولكن في الإنسان يختلف الوضع لمكانة العقل والروح في الإنسان أهم بكثير من مكانة الجسم والمادة. فإن الطاقة الروحية الهائلة التي منحها الله للإنسان (قال تعالى:"ونفخنا فيه من روحنا") إذا استعملها الإنسان بشكل سليم فإنها توصله للأعلى من القوة والخير؛ ولكنها مدمرة إذا استعملها بشكل معكوس تماما كالتيار الكهربائي إذا سرى في الآلة الكهربائية بشكل سليم يستفاد منه فوائد عظيمة في الصناعة والمنزل؛ ولكن إذا عكس هذا التيار فإنه يحرق الأسلاك والآلات ويصعق الإنسان ويقتله.
إن المال إذا نظر إليه بعين العقل والروح فإنه كما عبر عنه أبو طالب عم النبي محمد صلى الله عليه وسلم الذي قال في كلمته عند خطبة سيدنا محمد من السيدة خديجة بنت خويلد؛ فقد قال:"فالمال ظل زائل وعارية مستردة". فإن المال يتحرك مثل الظل الذي يتحرك تبعا لحركة الشمس ومعاكس لاتجاه الشمس؛ أي أنه لا ثبات له ويزول كزوال الظل عند الظهيرة عندما تتعامد أشعة الشمس مع الأرض؛ كما أن المال عارية مستردة يعيرها الله لعباده ثم يستردها منهم؛ فأين خزائن كسرى ؟ ومفاتيح فرعون ؟ التي تنوء بها العصمة كما ذكر في القرآن الكريم.
والفقر ثقافة (راجع التلوث الثقافي) يبرمج بها العقل الباطن للفقير كي يظل فقيرا ؛ أما إذا انعتق من ثقافة الفقر وبدأ يبني نفسه وينظم نفسه بعزم وتصميم وإرادة قوية فإنه بالتأكيد ومع توفيق الله (إن توفيق الله معناه العملي: الحلال والعدالة) سوف يخرج من عنق زجاجة الفقر.توجد تعابير عامية كثيرة تعبر عن الفقر مثل: شقيان، وغلبان؛ وقول آخر: "هو يركض والكردوش بركض". والكردوش هو خبز الشعير أو الذرة البيضاء؛ أي أن هذه الخبزة التعيسة الرديئة لا تتوقف كي يلحقها الفقير الذي يلسعه الجوع ويأكلها بل إنها مستمرة في الركض أمامه.
وإن من أحسن الذين عبروا عن المستضعفين الفقراء كان الممثل المصري عادل إمام في مسرحيته الشهيرة:"شاهد ما شافش حاجة". عندما كان يخاطب حاجب المحكمة المسمى:"برعي" الذي كان مرتبه سبع جنيهات شهريا وعنده سبع عيال (أولاد) ويسكن في بيت هو عبارة عن غرفة واحدة هو وزوجته وعياله السبعة وحماته المسنة؛ وكان يحلم بشرب شراب الكوكاكولا (المتوفر بالسوق بكثرة ورخيص ) والتي كان يشرب منها عادل إمام وكلما قرب الزجاجة جهة الحاجب كان يحاول الحاجب الإمساك بها كي يتذوق طعمها.
كما أن الممثل السوري دريد لحام في إحدى مسرحياته كان فقيرا ولشدة فقره أراد أن يبيع أطفاله فاختلف مع إحدى الغنيات التي حضرت لشراء أحدهم ولم يعجبها السعر وقالت له:"أنتم الفقراء طماعون". فقال لها:"سوف نبلع الدنيا". إن هذا المشهد فيه نوع من المبالغة لأنه لا يوجد إنسان مهما بلغت به شدة الفقر يبيع أطفاله؛ ولكن المبالغ تمت بقصد إيصال الفكرة للمتلقي والفكرة هي: هذا هو حال الفقير يبيع أعز ما لديه بأبخس الأثمان والغني يتطمع عليه ويريد أن يمعن في سحقه.
4: استضعاف الغربة: ولا تقتصر على الغربة عن الأهل والأوطان فقط بل تشمل غربة الشكل والمظهر وغربة المعتقد وغربة اللسان (اللغة) وغربة الأصل في نشوء ما يسمى بالأقليات التي يجري استضعافها وإن كان أفرادها ذووا مال وصحة وتقدم.
إن استضعاف الغربة تمتد لتشمل كل ما هو غريب عن المحيط الإنسان أو المخلوق؛ لأن الغريزة البهيمية تتدخل في ذلك أيضا؛ فقد راقبت قطيعا من الدجاج لونه أبيض عدده ألف دجاجة وبه دجاجة لونها أسود؛ فقد كان الدجاج يظل ينقرها ويمنعها عن العلف والشرب إلى أن نزل دمها فهجم عليها الكثير من الدجاج وظل ينقرها إلى أن ماتت وتجانس القطيع باللون الأب |