|
شر حركة القوميين العرب
النهــب العالــمي
محمد علي الحلبي
25/9/2006
من يدع لشراع زورقه أن يبحر به في بحار اللغة العربية،تأخذه طلاوة نسائمها وروعة آفاقها وشفافية مياهها،فيرى كنوزها العميقة وجواهرها الثمينة،ويستبد به الحب ليكون بحّاراً مغرماً توقه للموج يلازم حياته فينسيه العودة والشواطىء والرمال الذهبية،ويتملكه عشق دفين بأروع صورة.
أردت بهذه المقدمة تأكيد جمالية اللغة العربية وتفردها عن جميع لغات العالم بتوسعها في الاشتقاق واستبدال الأحرف وتحريكها،فكلمة هبًّ تعني الحركة،ومنها يقال:هبّ النائم لكن لنسكن الباء (هبْ) فنجد تغييراً في المعنى فيصبح العطاء أمراً ملازماً للفظها وأحياناً الافتراض،ولنضف إلى أولها حرف الواو فتصبح فعلا ً إرادياً ذاتياً بلفظه وهب،والهبة أن تجعل ملكك لغيرك دون عوض،والواهب:المعطي،ويقال:كثرت المواهب في الأرض أي ماء السماء وللمولود شكرت الواهب وبورك لك بالموهوب،والموهبة:غدير ماء صغير،ويتوج المعاني الله جلت قدرته فمن أسمائه الحسنى الوهاب وهو الكثير النعم،وعندما نستبدل الواو بحرف النون نجد فعل نهب وهو نقيض الهبة وعلى الطرف المضاد لها،ومصدر الفعل الإنهاب وهو الإباحة لمن شاء والإغارة والسلب،وفي المعنيين تتبدى حكمة من حكم الوجود فالوهاب الكثير العطاء ولا حدود لعطائه،وهو مطلق الخير وعنده خير وخبرات أدركنا بعضها ويصعب علينا معرفة وكنه خيراته الهائلة لأنها صعبة على إدراكاتنا وأسمى من تطلعاتنا،ونقيض الخير الإلهي والجزء منه الخير والعطاء الإنساني هو السطو فهو مخالف لتعاليم الله والقيم الإنسانية،والنهب يتدرج كبراً من الفرد إلى المجموعة إلى الشعوب،والنهب الفردي هو أدناها وقد وضعت شرائع وقوانين للحد منه ومعاقبة مرتكبيه،لكن النهب الجماعي بل الأممي تركا أحياناً بل دائماً بدون روادع ولا عقوبات والتاريخ بمختلف أزمنته كان مرتعاً خصباً للنهاب،والمسيئين للقيم والوجود والإنسانية،والشواهد كثيرة......غزوات وحروب ومعارك ومن ثم غنائم توزع.
هي قصة أبدية للبشرية عندما تفقد اعتناقها لقيم المطلق الله جل جلاله،وللروح الإنسانية فالقوة هي المحركة لها وغالباً ما تثير نزعات استبدادية وتحكم بمصير الأفراد وممتلكاتهم،فالقوي يفرض سلطانه وجبروته والضعيف يعاني الضيم والمذلة والهوان بجميع صنوفهم وأنواعهم،والثقافة الدرع الواقي المعارض أبداً للمادية الجشعة تتوج الحضارة لأنها مجموع السمات المميزة للأمة من مادية وروحية وفكرية وفنية ووجدانية،وتشمل مجموعة المعارف والقيم والالتزامات الأخلاقية المستقرة فيها وطرائق التفكير والإبداع وسبل السلوك والتصرف،وتطلعات الإنسان للمثل العليا والبحث الدائم عن مدلولات جديرة لحياته وقيمه ومستقبله،والثقافة تردف الحضارة الشاملة بمؤسساتها المادية والمعنوية والغريب إدعاء من ناقضت أفعالهم وسلوكياتهم هذا التعريف والنمط بإدعاء الحضارة واتخاذ مواقع النصحاء والوعاظ ولبسوهم لباس الرهبان،وهم في حقيقتهم مجرد لصوص أباحوا القتل الجماعي لغاياتهم المادية.
وعودة لبدايات التراجعات الأخلاقية والتي ظهرت منذ القرن السادس عشر عندما بدت أزمة حضارية رافقت نظام الاقتصاد الرأسمالي من خلال النمط المهيمن والذي يسعى إلى توحيد العالم في إطار دائرته رافضا الحريات والخصوصيات الذاتية للشعوب،ورافق التوجهات الرأسمالية أزمات اقتصادية وأريد تحويل الإنسان إلى أداة استهلاكية تمتص فوائض الإنتاج المتزايد بدون النظر إلى الانعكاسات الاجتماعية على هؤلاء المستهلكين،ولقد عبر كتاب"ريح الشرق"لأنور عبد الملك عن الواقع الذي نشأ ففي رأيه:"أن المركزية الأوروبية كانت صيحة حرب على الثقافات والحضارات الأخرى،وهي أيضاً دعوة إلى تدمير العالم ونهبه وفرض الحصار عليه"،وعندما تتهاوى القيم وتنحدر الغايات لتصبح لاحقة في البحث عن المصالح يبتكر مبدعوها لمرافقتها التعابير التي تغلف قبحها،فالقتل بالآلاف من أجل الحرية،وتدمير العباد والبلاد من أجل التنمية،وبناء المعتقلات والسجون ورمي أصحاب الرأي في غياهبها هو من أجل الحفاظ على الآخرين لكن بعد تجريدهم من كل ما يملكونه من منعة وعزة ليصبحوا عبيداً وقد أنسوهم وبالتالي نسوا حرياتهم ومعناها.
ومستويات النهب تتعدد فهي فردية وجماعية بل وحتى أممية،والفردية منها وعلى سبيل المثال المليارديرية اليهود في روسيا فميخائيل خودوروفسكي حكم بالسجن تسعة أعوام بتهمة الاحتيال والتهرب من الضرائب،وبريزوفسكي إمبراطور الإعلام السابق هرب إلى إنكلترا عام2000لاتهامه بالاحتيال والنصب والغش جمع أكبر قدر من الأموال وهربها إلى خارج روسيا وهو يحمل الجنسية الإسرائيلية إلى جانب جنسيته الروسية،وقد أسس جمعيات يهودية موالية لإسرائيل في روسيا،وكان مقرباً من أسرة الرئيس السابق يلتسن وتولى في عهده منصب نائب السكرتير العام انتخب عام2000نائباً لرئيس المؤتمر اليهودي العالمي عن أوروبا الشرقية ومقيم حالياً في إسرائيل،تلك السلوكيات تنسجم مع العقيدة الصهيونية ففي البروتوكول السادس من بروتوكولات حكماء صهيون يقول:"سنبدأ سريعاً بتنظيم احتكارات عظيمة هي صهاريج للثورة الضخمة لتستغرق خلالها دائماً الثروات الواسعة للأمميين(غير اليهود)إلى حد أنها ستهبط جميعاً وتهبط معها الثقة بحكومتها يوم تقع الأزمة السياسية"،والأثرياء العرب الخمسين من غير المسؤولين- ولا بد من التنويه إلى أنهم ليسوا جميعاً من الناهبين بل ربما كان البعض منهم- تبلغ الزكاة السنوية عن أموالهم6.875مليار دولار ولو طبقوا الشريعة الإسلامية لكان ذلك المبلغ يكفي لحل مشكلة الفقر في العالم العربي لأن ثرواتهم تقدر بـ375مليار دولار.
وبنظرة متأنية للواقع العالمي والذي قسم وفق رأي الباحثين إلى شمال وجنوب أو بتحديد أدق دول العالم المتقدمة ودول العالم النامية،نرى أنه ومنذ بدء الاستغلال والسيطرة والسرقة وما رافقها من إجراءات سياسية من احتلالات وحروب واقتتال بدأ التمايز اللإنساني يظهر بجلاء ووضوح بين شعوب هذه البلدان فإن دخل العشرين بالمائة من سكان العالم الذين يعيشون في البلدان الغنية يزيد بمقدار ثلاثين مرة عن دخل العشرين بالمائة من سكان البلدان الأكثر فقراً ومنذ بدء التغول العولمي باسم العولمة أصبحت هذه النسبة82ضعفاً في عام1995(من تقرير الأمم المتحدة الإنمائي لعام1997)،وفي ذات التقرير يشير إلى أن عدد الأفراد الذين يقل دخلهم عن دولار واحد يومياً خلال الفترة بين عامي1987-1993يقارب من100مليون فرد،وفي التقرير العام لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي لعام1996يؤكد أن أكثر من800مليون إنسان يعانون من الجوع،ويعاني500مليون أيضاً من سوء التغذية،ولو استمرت السياسات الاستعمارية بنفس المنهج والأسلوب فإن كوارث إنسانية واقعة لا محالة وستزداد الفوارق في المداخيل بين البلدان النامية والبلدان المتقدمة بل وستتوسع لتصنف الناس وحتى في البلد الواحد إلى أغنياء فوق التصور وإلى فقراء فوق التصور أيضاً،فالطبقة المتوسطة حتمية الزوال من الوجود وتباشير ذلك نراها في بلداننا ويصبح قدر العالم بيد20% من الميسورين والمترفين بينما بقية النسبة80% أجراء وتابعين،ويرافق المكونات الجديدة خلل وأيما خلل في النواحي الاجتماعية،فبيع الكرامات وبيع الأعراض بل بيع ما يمكن بيعه والفساد بجميع صنوفه سيعم الكون ويخيم عليه ويشمله،فلا حقوق لأحد ولا التزامات قيمية على أحد......ذلك ما يراد من تحديث في زمن التطور التقني والصناعي والفضائي.
إن النهب الفردي وبرغم ارتكاباته ومخلفاته على اقتصاديات الدول يبقى وإن كان مرفوضاً ومحاسبة مرتكبيه واجبة أقل خطراً وتأثيراً من النهبين- الجماعي والدولي- فالجماعي يتركز في صرعة العصر الحديث بما يسمى بالشركات المتعددة الجنسيات أو العابرة للقارات أو المخترقة للحدود،وهي احتكارات تضخمت أفعالها وإساءاتها تضخم إمكاناتها وقدراتها المالية وموازنتها،والعلاقة طردية بين زيادة رساميلها ونزوعها للتمادي في الاستغلال،والحقائق تظهر مدى تعاظم شرورها بتعاظم حصائلها المادية،وفي أواسط التسعينات كان عددها35ألف شركة تتوزع بين أمريكا وأوروبا الغربية واليابان،وللمزيد من المعرفة فإن100شركة منها هي الأكبر وتسيطر فيما بينها على معظم الإنتاج العالمي،وممارسات هذه الشركات تركزت في دورها في تدويل الاستثمار والإنتاج والخدمات والقيم المضافة والتجارة والمساهمة في تشكيل نظام تجارة حرة دولية،ومن تركاتها السيئة إضعاف اقتصاديات الدول وتقليص دورها الاجتماعي وخلق شريحة طفيلية وإضعاف ميزان المدفوعات وحرمان الدول المضيفة لها من أنشطة البحث العلمي،وفي مراحل متقدمة تلجأ هذه الشركات إلى الاستدانة والتمويل من السوق المحلية وتؤدي عن نشاطاتها معدلات ضرائبية منخفضة وتعمل على زيادة الفساد في المجتمع تيسيراً لمصالحها ودعماً لها.
والعراق العربي بعد الاحتلال على سبيل المثال لا الحصر يعطي صورة واضحة لهدف الاحتلال ولأغراض الشركات العابرة للحدود فالكاتب هادي فريد التكريتي يبين:"أن الإدارة الأمريكية رصدت في بدء الغزو مبلغ20مليار دولار لغرض إعادة بناء كل ما تم تدميره ولذلك تم هدم وتخريب كل القطاعات الاقتصادية والبنى التحتية لمؤسسات الدولة العراقية،لكن وبعد السيطرة الكاملة والتخريب والهدم اصطدمت خطط الاحتلال بمعوقات كثيرة لأنه لم يكن الهدف من ذلك إعادة الإعمار بل تحقيق أرباح خيالية للشركات التي يترأسها مسؤولون في البيت الأبيض والبنتاغون"،ونظراً لأن العمل في العراق اكتنفته مخاطر كثيرة فقد وضح تقرير لوزارة الخارجية الأمريكية بأن مسؤولي إعادة إعمار العراق سيصدرون قراراً بإلغاء عدة مشاريع لإقامة محطات توليد وضخ المياه لأن الأخطار الأمنية حولها كبيرة علماً بأن تدمير المشاريع السابقة والتي كانت تغطي احتياجات الشعب العراقي تمت بفعل قوات الاحتلال،وزيادة في توضيح الجوانب الاستغلالية المسيطرة ترى تلك الشركات أن ما رصد لإقامة محطات توليد الكهرباء والماء والمقدر بـ832مليون دولار لن تكون أرباحه مجدية،وللمزيد من الإيضاح فنائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني وفي عام1966وكان رئيساً لشركة هاليبرتون يقول:"إننا عازمون على استخدام هراواتنا الاقتصادية لإجبار الجميع على العيش بالطريقة التي نريدها"،ونفذ سياسته وقوله فالشركة ذاتها حصلت على عقد إذعان وبدون منافسة مع شركات أخرى بقيمة1.2مليار دولار في مجال إعمار العراق لكنها وبالرغم من كل شروط الإجحاف بحق العراق فقد شيدت محطات للماء بدون خطوط لتوصيله إلى المنازل فسبب ذلك حرجاً لوزارة الخارجية الأمريكية التي وجهت لها إنذاراً،والتحذير لم يشر إلى المخالفات والسرقات التي قامت بها هذه الشركة،والإدارة المحتلة تساعد وتسهم إسهامات كبيرة في مساعدة هذه الشركات على النهب فلقد خصصت مبلغ1.3مليار دولار دفعت لها تعويضاً عن تأخرها بتنفيذ المشاريع بداعي الظروف الأمنية التي حالت بينها وبين المُدد المتفق عليها......وسؤال يطرح إذا ما استمرت هذه الشركات في عملها الوهمي وأحاطت ظروف أمنية به فما هي المبالغ التي ستدفع لها لقاء التعويض على تأخرها،إنه النهب والسرقة وإفقار العراق وتدميره.
والشق الثاني من النهب يتمثل في احتكارات النفط وعن أهميته بالنسبة للسياسات العالمية قال"كليمنصو"رئيس وزراء فرنسا إثناء الحرب العالمية الأولى:"إن النفط ضروري كالدم"،وأكد ذات الرأي اللورد كرازون فقال:"إن الحلفاء كسبوا الحرب بالدم والبترول ووصلوا إلى النصر عبر بحر من البترول"،وبالمقابل فإن الجنرال الألماني ألدندروف قال بأن حاجة ألمانيا إلى النفط كان له أكبر الأثر في مطالبتها بالصلح عام1918،وعن ذات الأهمية قال هارولد براون وزير الدفاع الأمريكي عام1979:"النفط دم الحضارة الحديثة"،وأضاف تفصيلا ً وإيضاحاً لاستراتيجية الحصول عليه قائلا ً:"إن تدفق النفط من الشرق الأوسط هو بوضوح جزء من مصلحتنا الحيوية وأنه يبرر أي فعل مناسب للحفاظ على مصالحنا بما في ذلك استخدام القوة....".
واستعمال النفط بدأ بشكل فعلي في عام1859عندما حفرت أول بئر بترولية وازداد الطلب عليه نتيجة التطور الصناعي واختراع السيارة عام1900ثم أصبح النفط داخلا ً في شرايين أغلب المشاريع الصناعية والزراعية والخدمية،وحكايات عقود النفط في نهايات القرن التاسع عشر تشبه الروايات الخيالية القديمة حيث يختلط الواقع والهدف بأساليب المخادعة والغش والتلوي والتقلب ففي إيران عام1872وكانت خاضعة للهيمنة البريطانية باستثناء المناطق الشمالية التي كانت تحت السيطرة الروسية،في تلك الفترة حصل البارون جولوس دي رويتر مؤسس وكالة الأنباء البريطانية فيما بعد من شاه إيران على امتياز مدته سبعون عاماً للتنقيب عن النفط وجميع الموارد المعدنية باستثناء الذهب والفضة والأحجار الكريمة والعقد يشمل جميع بلاد فارس،واعترض الروس على ذلك لكن في عام1889حصل رويتر بمساعدة الوزير المفوض البريطاني على امتياز جديد وبدأت أعمال التنقيب،وفي عام1916حصل الجورجي"أكاكي"على امتياز مدته سبعون عاماً في المناطق الشمالية لكنه بسبب الخوف من قوات الثورة باع الامتياز إلى شركة أنجلو فارسية بمبلغ100ألف جنيه،واعترضت أمريكا لتعارضه مع سياسة الباب المفتوح فأوعزت لسفيرها لمنع المجلس الإيراني والحكومة الإيرانية من التوقيع على الاتفاقات،وكذلك دخلت فرنسا على الخط وفي النهاية بدأ التفاوض بين الشركة البريطانية وبين شركة ستاندر تم بموجبه الاعتراف بالتنازل دون أخذ رأي إيران،وتقاسم الجميع النفط الإيراني والامتيازات كلفت قليلا ً من المال دُفعت للشاه القادم من القوزاق- رضا بهلوي-،وسياسة الباب المفتوح الأمريكية أعلنت عنها لجنة الأمن الوطني في عام1924وكان يرأسها هاري ترومان الرئيس فيما بعد إذ تبين لها أن النفط سلعة استراتيجية وضرورة أن يكون لأمريكا مصادرها الخارجية إضافة إلى المصادر المحلية،وعنت تلك السياسة أن تكون امتيازات النفط وعقودها لشركات أمريكية- إنكليزية وفرنسية وتحديداً إلى سبع شركات نفطية كبرى سُميت فيما بعد بالأخوات السبع وهي:
1- ستاندر أويل أوف نيوجيرسي،2- رويال دتش شل،3- تكساكو،4- ستاندر أويل أوف كاليفورنيا،5- سكوني موبيل أويل،6- جلف أويل،7- بريتش بترو ليوم،
وتوزيع الحصص عادة ما تتفق عليها هذه الشركات،وجميع الدول التي وقعت عقود الامتيازات كانت مستعمرة وتحت انتداب دول الغرب والسلطات التي وقعت كانت مغلوبة على أمرها وتنفذ أوامر معطاة لها،وفي السعودية كان لمكتب الهند البريطاني هيمنة مطلقة عليها مع مكتب المخابرات الذي كان يدير العملية السياسية في الهند والشرق الأوسط،والعقد الأول وقعه مهندس تنقيب"هولمز"بعد أن استشار"كوكس"المسؤول البريطاني عن الهند والشرق الأوسط والذي سأل بدوره الحكومة البريطانية،وأخبره بعدها أن الحكومة لن تعترض لكن شركة الهند الشرقية العامة التي وقعت العقد من خلال ممثلها ليست شركة نفط وربما تبيع امتيازها لغيرها،وكان مساعداً للسيد"كوكس"في السعودية جون زخاريا فليبي والذي ادعى الإسلام وسمي بالحاج عبد الله فليبي،والمعلومات المتوافرة عنه أنه كان يهودياً صهيونياً وهو الذي سعى إلى نقل الامتياز من شركة الهند الشرقية إلى الشركة الأمريكية ستاندر أوف كاليفورنيا،وهذه الشركة بعد أن حصلت على التنقيب والاستثمار في مساحة تبلغ900ألف كم2 قامت ببيع أسهمها إلى عدد من الشركات عُرفت فيما بعد باسم شركة النفط العربية الأمريكية- أرامكو،واتسعت الرقعة لتصبح مليون ومائة وستين ألف كم2،والشركات المنضوية تحت الاسم هي ستاندر أويل أوف كاليفورنيا ولها30%،تكساكو30%،ستاندر وأويل أوف نيوجيرسي30%،وموبيل أويل10% ،وصفقات العقود لم تكن ترتب عبئاً مالياً كبيراً على الشركات،بل كانت في الغالب تقتصر على دفعة أولى فقط عند توقيع العقد،ففي إيران لم يكن ما تدفعه الشركة يصل إلى100.000جنيه،وفي السعودية كان خمسة آلاف جنيه،ومبالغ متممة لا تزيد بمجموعها عن100ألف جنيه،لكن وبعد الغبن الكبير الذي لحق بالدول المُبرمة لهذه العقود المجحفة والمطالبات الشعبية باسترداد حقوقها جاءت عقود الثلاثينات لتقدم ريعاً إضافياً على الدفعة الأولى كان ما بين4-5شلن على البرميل أي ما يعادل20-25بنسا على الطن،ولم يكن من حق الدولة معرفة حقيقة الإنتاج الفعلي،وبعدها بفترة طالبت السعودية بالحصول على50%من قيمة النفط حسب السعر المعلن،وكان المُطالب بذلك السيد عبد الله الطريقي وزير النفط،وتمت الموافقة على الطلب لكن الشركات تحايلت على ذلك فاعتبرت ما دُفع من دفعات أولى إضافة إلى ما يُدفع من ضريبة على الطن تحتسب من حصة الدولة50%،والتكاليف وحساباتها كانت تحددها الشركات دون أن يكون للحكومات أي رأي وبذلك لم تكن حصة الدولة تزيد عن دولار على البرميل في أحسن الحالات إن لم يكن أقل من ذلك،واستمر النهب بإشراف وسيطرة الكارتل النفطي المسيطر حتى الستينات على90%من إنتاج النفط العالمي وبينما كانت الدولة المنتجة لا يدر عائد برميل النفط عليها إلا بدولار واحد بالحدود القصوى كانت الشركات تحصل على15دولار ثمناً له،وشاه إيران أعلن في عام1970بأن شركات النفط تأخذ البرميل بدولار واحد وتبيعه في أمريكا بـ14دولار،وكل هذا النهب لا يشبع الشركات واحتكاراتها،بل لا يرضي دولها والتميز بين ما هي رغبات للشركات وما ترسمه الحكومات يكاد يكون شبه منعدم فما هو في مصلحة الشركات هو في حد ذاته مصلحة للدول التابعة لها،والقرارات الحكومية تصب فيه على كل الأصعدة السياسية والاقتصادية جميعها في روافد الشركات الاحتكارية بل لنقل وبدون مغالاة وإنما هي حقائق فالسياسات والاستراتيجيات لأغلب الدول الغربية ترسمها الشركات ومراكز الأبحاث التابعة لها وكل المسؤولين أجراء وعمال منفذين لطلباتهم،ويكاد لا يوجد مسؤول رئيسي في الولايات المتحدة إلا وعمل في إحدى شركات احتكارات النفط أ والسلاح،ولطالما كان هناك عدم رضى عن الدخل النهبي والنهم والجشع بل المطلوب الزيادة،كان لا بد من البحث عن منافذ وطرق أخرى فانخفاض أسعار النفط الخام الذي يُعمد له أحياناً لا يؤدي بالضرورة إلى زيادة الطلب الاستهلاكي،فالاستهلاك مرتبط بعوامل عدة اقتصادية وعسكرية(حروب) وزيادات في النمو وانعكاساته ليست فورية لكن التخفيض يتيح لدول الشركات النفطية زيادة ضرائب إضافية لامتصاص الفارق بل ولزيادة المخزونات الاحتياطية الاستهلاكية لديها والمعدة لحالات الطوارىء،وتخفيض السعر يتم أحياناً لتخفيف أعباء نفقات الحروب التي تشن وبذا تسهم الدول المنتجة بقسط مادي في حروب تلك الدول وتحديداً أمريكا،وأكثر وحتى عند رفع أسعار النفط كان بدوافع اقتصادية لمصلحة الدول المسيطرة عالمياً فتكاليف النفط علت في أمريكا مما منع من استثمار الأموال في هذا المجال ومديونية الدول المنتجة زادت وسببت إرباكاً للبنوك الدولية وعرضها للإفلاس،وانخفضت أسعار الفائدة لوجود فوائض نقدية خارج إطار الاستثمار فكان رفع أسعار النفط في عام1988لتدارك هذه المصائب والمشاكل.
لكل تلك الأسباب والمنافع أصبح واضحاً أن كل ما يرفع من شعارات نبيلة حول الديموقراطية والحرية وهي في حد ذاتها غطاء لاستراتيجية القطب الواحد بعد انهيار الاتحاد السوفيتي غرضها السيطرة الحقيقية والفعلية على النفط العالمي وفي منطقتنا أيضاً لتقوية موقفه العالمي وصراعه لفرض نفوذه وهيمنته الاقتصادية والسياسية والعسكرية،بل وتطويق القوى الاقتصادية والعسكرية والسياسية المؤهلة في المستقبل لتكون أحد الأقطاب العالمية الموازية،ويكفي حالياً أمريكا أن تحقق مصالحها ومصالح حليفتها"إسرائيل"في المنطقة،وضمن هذا الطموح الاستعماري فلا غرابة أن توضع مناطق آسيا الوسطى تحت السيطرة الجديدة،فمدير معهد دراسات الأمن القومي وليام آدم يقول:"إن منطقة بحر قزوين أصبحت امتداداً طبيعياً وتلقائياً لمنطقة الخليج العربي بوصف الأخيرة منطقة النفوذ الاستراتيجية التابعة التي أقامت عليها الولايات المتحدة ما يعرف بسياسة الاحتواء"،واحتياطات النفط في هذه المناطق وفق تقديرات وزارة النفط الأمريكية تصل إلى200مليار برميل،وهي قريبة جداً من احتياطات السعودية البالغة269مليار برميل،إضافة إلى احتياط الغاز الطبيعي والمقدرة مع احتمال العثور على مصادر جديدة بحدود ثمانية تريليونات متر مكعب،وعودة إلى تصريح وزير الدفاع الأمريكي براون وحول ضرورة استعمال القوة أحياناً للحفاظ على مصالحهم نجد أن أمريكا تدخلت عسكرياً في أزمات دولية230مرة خلال ثمانينات القرن الماضي وارتفع الرقم إلى280مرة خلال تسعينات القرن ذاته.
ذلك يذكرني بأسطورة قديمة والأساطير وبالرغم من عدم واقعيتها لأنها أسطورة لكنها في مجملها قد تجد النفس في بعض رواياتها خير معبّر عن واقعها وآلامها،ففي أسطورة قديمة....كان هناك إله للحرب يُسمى"مولوخ"وطلبه الرئيسي المنعش القتل والتضحيات البشرية المستمرة،ويتلذذ بمشاهد الأطفال القتلى،ويبدو أن الأسطورة بُعثت من جديد ومولوخ لم يعد وهماً بل هو موجود فخلال الحصار الاقتصادي على العراق والذي دام حوالي12عاماً ما بين حرب الخليج الثانية والاحتلال الأخير قتل حوالي مليون طفل،والمشاهد تكررت أيام احتلال العراق وفي العدوان الأخير على لبنان.
والمسار الثالث للنهب يتأتى من الحروب،وفي الحروب تتجسد القوة المثبطة للهمم والمرعبة للبشرية،ونتائجها تزيد في حصائل النهب فبعد انتهاء الحرب الباردة وحرب الخليج الثانية والأزمات الاقتصادية التي تزامنت معها وضربت مختلف الاقتصاديات الدولية بدءاً من المكسيك والنمور الآسيوية وانتهاءً بروسيا ودول أمريكا اللاتينية وأزمة البلقان والحروب الأطلسية ضد يوغسلافيا كل ذلك دفع برؤوس الأموال الوطنية إلى الهجرة من هذه البلدان إلى أمريكا ولما وصل السوق الأمريكي إلى حد الإشباع تولى صندوق النقد الدولي عملية إعادة تدوير هذه الأموال الفائضة من خلال إقراضها للدول التي ضربتها الحروب والأزمات لتبدأ عملية استنزاف جديدة لأموال هذه البلدان،والمصائب فوائد بيع أسلحة.....آلاف القتلى والجرحى والمشوهين وملايين الجياع.
فالحروب لا بد منها وتصبح حتمية للحفاظ على المصالح،بل وأكثر لتمد النسغ لاحتكارات السلاح التي تتفنن وتبدع في طرائق القتل والتدمير وتحديث القديم منها،وإضافة عناصر السرعة للقتل وزيادة الأعداد والدليل ما سُمي في العدوان الأخير على لبنان بالقنابل الذكية والقنابل العنقودية،وفي عام1961حذر الرئيس الأمريكي ايزنهاور وقبل انتهاء ولايته من أخطار المجمع الصناعي البشري وقال:"لقد أرغمنا على إنشاء وصناعة تسليح دائمة ذات أحجام ضخمة يضاف إليها ثلاثة ملايين وخمسة مائة ألف رجل وامرأة يعملون مباشرة في مؤسسة الدفاع"،وقال:"يجب أن نحاذر من اكتساب المجتمع العسكري نفوذاً غير مبرر فاحتمال الدور الكارثي لنفوذ في غير مكانه موجود وسيبقى دائماً،ويجب أن لا نسمح لثقل هذا المجتمع أن يهدر حرياتنا أو عملياتنا الديموقراطية".
من هنا تتبدى لنا أهمية الحروب وضروراتها وملازمتها للفكر الاستعماري الذي يرى فيها تثبيتاً لمصالحه،بل إن بعضها يشكل الوسيلة لدعم الاقتصاد الأمريكي سواء عن طريق هجرة الرساميل الوطنية وإعادة إقراضها وجني الفوائد العالية منها،أو عن بيع الأسلحة التي تتطور بشكل أسرع من تطور"موضة"الأزياء،والأقطار العربية ورغم اهتمامها أو عدمه بالقضايا القومية ومنها القضية الفلسطينية وبغض النظر عن أدوارها المحدودة عسكرياً في هذا المجال وسواء أكانت من دول المواجهة أو من غيرها فإنفاقها العسكري سجل عام1993 20مليار دولار،وفي تقرير لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن أعده الاستراتيجي أنتوني كوردسمان بيّن فيه أن الدول العربية المرتبطة بعملية السلام،ويعني بذلك دول الخليج ومصر والأردن وقعت على92%من إجمالي صفقات الأسلحة في الأعوام الأخيرة،ودول الخليج وقعت في الفترة الأخيرة على96%من إجمالي صفقات المنطقة،وسواء أكانت هناك خطة للتحرير أم لم تكن وهذا هو الغالب فالعرب أجمعوا على خيار استراتيجي واحد هو السلام ولا شيء غيره،ومع ذلك ترتفع وتائر ومبالغ شراء الأسلحة،والتي تجدد عقودها تمشياً مع تطورات صناعة الأسلحة السريعة وحتى قبل أن يصيبها ويأكلها الصدأ وتصبح مادة حديدية خردة للبيع يعاد تصنيعها أحياناً.
ولديمومة الحروب واستمرارها فمن الطبيعي أن تعمد دول النفوذ إلى تدعيم قوتها العسكرية عن طريق زيادة الإنفاق ففي عام2003بلغ الإنفاق البريطاني55مليار دولار والفرنسي46مليار دولار بما فيه تعويضات نهاية الخدمة للعسكريين، وتأتي أمريكا في الطليعة فإنفاقها العسكري يقارب نصف الإنفاق العالمي مجتمعاً والرقم بحدود400مليار دولار وهو ما يشكل سدس الميزانية الأمريكية،وتقدم للكيان الصهيوني بين دعم للموازنة وأسلحة بشكل رسمي14مليار دولار.
ويبقى المجال الهام في عمليات النهب التسهيلات والقروض،وقد يكون من المفيد التقدمة لهذا الجانب بأن العجز المتنامي في الميزان التجاري الأمريكي في عام2005وصل إلى650مليار دولار،والعجز في الميزانية والمديونية المرتفعة وصل إلى ما يقارب5ترليون دولار ولذا لا بد من تغطية هذه العجوز عن طريق الإيداعات المالية وإقراضها،والأساليب الأخرى المتممة.
يقول حامل جائزة نوبل للسلام عام1980أدولفو بيريز أسكيفال:"لقد ضمن النظام الرأسمالي الذي وضعته البلدان الأكثر تصنيعاً بفضل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي هيمنتهم على البلدان النامية،والدين من الآليات الرئيسية المحقة لاستعمار اقتصادي يدمر البلدان النامية يضاف إلى الأضرار التي سببتها الدول الغنية من نهب للمواد الأولية،والمكاسب الثقافية وإبادة السكان الأصليين والهيمنة الاستعمارية"،ويكمل الرأي المفكر جوزيف ستينغلتر ويقول:"والديون في أحيان كثيرة تبرم من طرف أنظمة غير ديموقراطية لا تستخدم المبالغ التي تحصل عليها لمصلحة شعوبها وغالباً ما تنظم اختلاسات كبيرة بموافقات ضمنية أو علنية من دول الشمال والبنك الدولي"،ونظرة إلى حجم الديون ففي عام1982بلغت مديونية البلدان النامية حوالي575مليار دولار كان نصيب البلدان العربية منها325مليار دولار،بينما كانت الديون في عام1973 109مليارات فقط،والشروط التي تضعها مؤسسات التمويل غالباً ما تكون مجحفة بحق البلدان المقترضة،بل ويصل بعضها إلى حد التدخل في سياساتها العامة والاقتصادية فعلى سبيل المثال فالقرض الذي طلبه الأردن لبناء سد على نهر الأردن وضع البنك الدولي شرطاً لتقديمه أخذ موافقة إسرائيل على بناء السد وتعهدها بعدم تدميره،وتفرض أيضاً شروط زيادة الصادرات للدول الدائنة وخصخصة المشاريع وإلغاء القطاع العام ورفع الدعم عن السلع الغذائية مما يزيد من حالة البؤس والفقر و& |