hd1    
 

قوة عمل ألمانيا والصين

 محمد عارف

مستشار في العلوم والتكنولوجيا

 القرن الحادي والعشرون لقوة العمل وليس لقوة المال. يؤكد ذلك فشل قمة "مجموعة العشرين" التي عُقدت هذا الشهر في سيئول، عاصمة كوريا الجنوبية. بيان القمة "خطة سيئول للعمل"، كان في أحسن الأحوال خطة سيئول للاتفاق على العمل في المستقبل. والعمل المطلوب هو الخروج من الأزمة المالية التي أفلست دولة إيسلندا، وشركات عالمية كبرى، ووضعت على حافة الإفلاس ثلاث من دول الاتحاد الأوروبي؛ اليونان والبرتغال وإيرلندا. وعندما يكون الوعد بالعمل حصيلة قمة "مجموعة العشرين" التي تنتج 85 في المئة من الثروات العالمية، فـ"الصلوات" واجبة على أعضائها، وهذا ما فعلته "القمة" حين أعادت تلاوة تعهداتها وبرامجها حول "الاستمرار في تقوية الاقتصاد العالمي"، و"تسريع إنشاء فرص العمل"، و"تأمين أسواق مالية أكثر استقراراً"، و"مكافحة تغير المناخ"، و"خطة العمل ضد الفساد". وجديد هذا العام هو المطالبة بإصلاح البنك وصندوق النقد الدوليين ودعوتهما للالتزام بـ"قواعد الشرعية والموثوقية"!

 

وطالب البيان الختامي للقمة بإطلاق سوق تداول العملات، أي "داوني بالتي كانت هي الداء"، وهو داء الولايات المتحدة التي "تفرض على الآخرين تناول دوائه"، حسب مدير القسم الدولي في بنك الصين المركزي. وليست الصين وحدها، بل معظم دول المجموعة يعتبرون أن محاولة واشنطن استعادة السيطرة على النظام النقدي الدولي جعلته "لعبة بالكامل بيد نظامها السياسي المختل وظيفياً"، حسب جفري غارتن، أستاذ "كلية ييل لإدارة الأعمال". و"كان الأحرى بواشنطن إصلاح صناعاتها وبنيتها، والعمل على جعلها أكثر تنافسية، لكنها اختارت الطريق السهل، حسب "غيو غونغ" الباحث في "المعهد الكوري للبحث الاقتصادي". والطريق السهل ضخ واشنطن قبيل القمة 600 مليار دولار يشتري بها "صندوق الاحتياط الفيدرالي" سندات الخزينة الأميركية.

 

وانتهت القمة كما بدأت بالشكوك في قدرة واشنطن على الوفاء بديونها، وعززت الشكوك بعد يومين تقارير من واشنطن عن جدوى طبع الدولارات الورقية، التي لم تعد تساعد كالسابق على رفع الصادرات، أو خلق فرص عمل في الداخل. فشركات أميركية كبرى، مثل "جنرال موتورز" و"جنرال إلكتريك"، حوّلت كثيراً من صناعاتها إلى الخارج بحثاً عن العمالة الرخيصة، ولم تعد تصدر منتجاتها إلى الخارج، بل تبيع فروعها منتجاتها في دول الإقامة. ويبلغ عدد عمال فروع الشركات الأميركية في الخارج نحو 11 مليون شخص، ما يلغي دور أسعار تداول العملة من المعادلة الاقتصادية. ولم يحقق خفض سعر الدولار بنسبة 31 في المئة منذ عام 2001 زيادة حجم العمالة الصناعية داخل الولايات المتحدة، بل انخفضت خلال الفترة نفسها من 17 مليوناً إلى 12 مليوناً.

 

والحديث عن حرب العملات بين الدولار الأميركي والين الصيني صحيح لكنه غير مضبوط. فعجز الميزان التجاري للولايات المتحدة، والذي بلغ في الشهر الماضي 44 مليار دولار، والفائض التجاري للصين، الذي بلغ في الشهر الماضي 27 ملياراً، هما التعبير الحسابي عن صراع يجرى، منذ ميلاد النظام الرأسمالي، بين قوة العمل وقوة المال. وتقاس قوة عمل الصين باستهلاكها للطاقة، والذي تضاعف مرتين في العقد الحالي، وفيما كان حجم استهلاكها بداية العقد نصف استهلاك الولايات المتحدة، فقد تجاوزتها في العام الماضي وأصبحت "أكبر قوة منفردة في تحديد أسعار النفط"، حسب "وكالة الطاقة الدولية" التي توقعت في تقريرها لهذا الشهر زيادة طلب الصين على الطاقة بنسبة 75 في المئة حتى عام 2035. والمستقبل للصين في الطاقة البديلة المحافظة على البيئة والمناخ، حيث خصصت 735 مليار دولار لمشاريع الطاقة النووية، والشمسية، وطاقة الريح، وغيرها.

 

وقد يكون صحيحاً ادّعاء واشنطن بأن نمو اقتصاد الصين وألمانيا يعتمد على نمو صادراتهما، وليس على نمو الطلب المحلي داخلهما. فالبلدان يحتلان المرتبتين الأولى والثانية بالصادرات، ويعارضان اقتراح وزير الخزانة الأميركي القاضي بالتزام الدول عدم زيادة نسبة فائضها التجاري عن 4 في المئة من إجمالي ناتجها المحلي. لكن هذا الادعاء يلتف على حقيقة قوة عمل الألمان والصينيين؛ وهو المتغير الرئيسي في المعادلة الاقتصادية. وينفع في قياس قيمة هذا المتغير حساب تراكم ثروة ألمانيا التي لم تأت عن طريق النهب الظاهر أو المستتر لبلدان أخرى، وقد سدّدت في الشهر الماضي آخر الغرامات المفروضة عليها عن الحرب العالمية، ليس الثانية، بل الأولى!

 

وبالنسبة لألمانيا "العمل، وليس المجد هو كل شيء". يقول ذلك شاعرها القومي "غوته" الذي يحتل الصدارة في كتاب "العبقرية الألمانية"، وهو كتاب صادر حديثاً بالإنجليزية، في ألف صفحة عن عباقرة الألمان المغيبين في تاريخ غلّفه المنتصرون بركام هتلر و"هولوكوست" اليهود. أسماء أسطورية في الأدب والموسيقى والفلسفة والعمارة، والعلم، والهندسة... مثل شيلر، وهايني، وتوماس مان، وباخ، وبتهوفن، وهاندل، وهيغل، وفيورباخ، ونيتشه، وماكس بلانك، وفون براون، وغروبيوس، وهايزنبرغ... وبينهم يهود ألمان أنتجوا إبداعاتهم بالألمانية، مثل ماركس، وفرويد، وآينشتاين، وبريخت. و"العبقرية الألمانية" موجودة قبل وخارج نطاق الدولة، وقد لخصها الفيلسوف الأميركي جون ديوي في عام 1915 بثلاثة أبعاد: "الوعي الذاتي المثالي، والإتقان الذي لا نظير له، والتنظيم".

 

و"المناجم والعقول في الصين"، عنوان تقرير "سندي هيرست"، الباحثة في "مكتب الدراسات العسكرية الخارجية" بالولايات المتحدة، وموضوع بحثها "صناعة عناصر التربة الثمينة في الصين وما يمكن أن يتعلمه الغرب منها". وقد ثارت ضجة مفاجئة هذا الشهر حول شحة معادن "التربة الثمينة" التي تعتبر "فيتامينات" الصناعة الحديثة، حيث تستخرج منها عناصر معدنية مستخدمة في صناعة التلفزيون الملون، والمحركات، وتكرير النفط، والصناعات العسكرية. انتقال هذه التكنولوجيا "غير النظيفة إلى الصين حولها خلال ثلاثة عقود من مصدرة لخاماتها الطبيعية إلى منتجة لمركبات الفوسفور، والمغانط، والمساحيق المصنعة منها، وتستخدمها الآن في صنع محركات السيارات الكهربائية، والبطاريات، والهواتف الجوالة. وجود مناجم لهذه التربة في الولايات المتحدة التي طوّرت تكنولوجيات صنعها، لن يقلق الصينيين الذين يسيطرون حالياً على نحو 97 في المئة من تجهيزاتها العالمية. فالصين أعدّت عشرات الآلاف من خبراء "التربة الثمينة" بينما لا يزيد خبراء أميركا عن بضع عشرات.

 

قوة عمل الصين تنطلق حرة حول العالم، لا تحدّها إيديولوجيات أو مصالح طبقية، ويصعب لجمها، كما "يصعب النزول عن النمر عندما تمتطيه، ولعل قتله هو الطريقة الوحيدة"، حسب الحكمة الصينية. ومن يغامر بقتل النمر الذي يحمل على ظهره اقتصاد القرن الحادي والعشرين؟

 

تاريخ النشر: الخميس 25 نوفمبر 2010

http://www.alittihad.ae/wajhatdetails.php?id=56067