hd1    
 

العراق وايران: تنافر في القوة وعدم فهم للمصير المشترك

د. سوسن العساف

7/27/2010

تحدثنا الشواهد التاريخية الاسلامية عن عمق العلاقة الجيو- استراتيجية بين العراق وايران. ففي عهد الخليفة الراشدي الثاني عمر بن الخطاب (رض) وهو يقود الفتوحات الاسلامية ولى سعد بن ابي وقاص امارة الجيش وغير استراتيجية الانفتاح التي قادها من التوسع غربا الى الاندفاع للتوسع شرقا عبر بوابة ايران، ومن ايران الى كامل ساحل البر الاوراسي. واعتمادا على نفس المفهوم هادن معاوية بن ابي سفيان الروم' للتفرغ لحملات الجيش الاسلامي العربي في المشرق. وكذلك المغول قاموا بالامر نفسه معكوسا حينما توغلوا في البر الاوراسي وعند نهايته سواحل ايران، ومن عندها التفتوا الى الغرب (العراق) ومن الاخير توجهوا الى سورية، وحدثت معركة (عين جالوت). ويحدثنا التاريخ الحديث كيف احتل الانكليز ايران 1907 ثم توجهوا واحتلوا العراق عام 1914 وحينما اعادوا احتلال ايران اثناء الحرب العالمية الثانية اعادوا احتلال العراق ايضا ً. ويخبرنا التاريخ ان ضعف ايران كان يقابله قوة العراق والعكس صحيح ايضا، وان التطاحن العراقي الايراني لا يمكن الا ان يقود الى كارثة تنتهي باحتلالهما وتدمير قوتيهما.
التغيير الذي حصل في العراق عام 1968 والذي احست منه 'ايران انه تغيير قد يجعل من العراق قوة اقليمية مرة ثانية، حاربه الشاه بكل قوة وبشتى الوسائل، ثم وجد بعد فوات الاوان انه يضعف قوة اقليمية يمكن ان تكون مفيدة للامن في المنطقة. ثم جاء التغيير في ايران عام 1979 ووجد قادته ان هدفهم في تصدير الثورة سوف لن يحدث الا من خلال العراق، وكانت النتيجة انهم اصطدموا بالجدار العراقي وتوقفوا داخل حدودهم. علما بان القيادة العراقية السابقة اعتقدت هي ايضا ان معاداتها لايران يمكن ان تضعف ايران وان توفر لها الدعم الغربي والامريكي. وكلا الطرفين خسرا فرصة تاريخية للتعاون من اجل حماية امن المنطقة والحفاظ على قوتيهما الرادعتين لاي تدخل خارجي، بل الاكثر من ذلك فان القيادة الايرانية الاسلامية اعتقدت خطأ بان التعاون مع الولايات المتحدة الامريكية من اجل تسهيل احتلالها للعراق سيخلص ايران من عدو لدود ومنافس كبير، وان زوال نظام صدام حسين سيترك ايران القوة الاقليمية الوحيدة. ولم تكتشف القيادة الايرانية خطأها، بل خطيئتها الا بعد ان سمعت التهديدات الامريكية لايران بانها وسورية ستكونان المحطتين القادمتين للقوات الامريكية. عندها قررت ان تشتبك مع الولايات المتحدة الامريكية بصورة غير مباشرة على الاراضي العراقية، استراتيجة اثبتت بعض النجاح لحد هذه اللحظة، ووقع العراق فريسة لاحتلالين، الاول مباشر والثاني غير مباشر. ولكن عندما دنا موعد الانسحاب الامريكي الجزئي من العراق، وترك قوات ربما لن تكون كافية لردع ايران، بدأت الولايات المتحدة الامريكية تنتقل الى استراتيجية سبق وان نفذتها في العراق، استراتيجية تبدأ بدعم (الفوضى الخلاقة) داخل ايران ثم فرض عقوبات اقتصادية صارمة على ايران كي تضربها في النقطة الاضعف وهي الحالة الاقتصادية، لتنتقل بعدها الى التدخل المباشر. ربما لا توجد وثائق اسرائيلية امريكية معلنة ومتداولة حول نيات كلا الطرفين المبيتة تجاه ايران، 'لكن اي محلل استراتيجي بسيط يمكن ان يستنتج ان الولايات المتحدة الامريكية بفرض العقوبات القاسية انما ارادت ان تثني اسرائيل عن تصميمها على قصف المواقع الحيوية في ايران. نفس السيناريو الذي حدث في العراق بعد ان اعدت اسرائيل العدة لقصف المواقع الحيوية والعسكرية المهمة في العراق عام 1990، مما حدا بالرئيس العراقي السابق صدام حسين الى ان يظهر على شاشات التلفاز بدون سابق انذار ليصرح في 2 نيسان/ابريل 1990 بان العراق سيجعل النيران تأكل نصف اسرائيل اذا ما حاولت مهاجمة العراق، كان تصريحا رادعا وشديدا استدعى ان تقوم كل من الولايات المتحدة واسرائيل بشحذ افكار مفكريها الاستراتيجيين وعملائها الامنيين لكي يجدوا طريقا وتبريرا اخر لضرب العراق وتدميره. ولقد اعطى النظام العراقي انذاك المبرر للولايات المتحدة واسرائيل بفعل ذلك واضفاء شرعية دولية على عملهما، عندما اقدم على اجتياح الكويت وضمها ورفض الانسحاب منها. اما الاطراف العربية وغير العربية التي اسهمت في ذلك ومنعت ايجاد حلول سلمية للمشكلة فلا يمكن حصرها. نفس هذه الاطراف تتحدث الان فقط عن التهديد النووي الايراني غير الموجود وتتحدث عن عدم احترام ايران لحقوق الانسان، ويتناسون ما يحدث في فلسطين المحتلة وغزة بالذات. كما ان سيناريو التهديد النووي الايراني هو سيناريو معاد لذلك الذي استخدمته ضد العراق بدعوى تدمير البرنامج النووي العراقي واسلحة الدمار الشامل التي يمتلكها والتي لم يثبت وجودها. ووجدت الولايات المتحدة انذاك من العملاء العراقيين ما يكفي لدعم مخططاتهم ويؤيدها زورا، كما يحدث الان مع بعض العلماء والعملاء الايرانيين على حد سواء. كما يجري التركيز على عدم ديمقراطية ايران، في الوقت الذي وصل فيه رئيسها الى الرئاسة بانتخابات مفتوحة وعلنية، ويتناسون (الديمقراطية) التي ملأت العراق دما وضحايا منذ احتلاله. في هذا الوقت العصيب بالذات لابد ان يشعر قادة ايران بخطأهم الاستراتيجي المتمثل بدعم احتلال العراق وتدميره
واخراجه من المعادلة الاستراتيجية كقوة رادعة في المنطقة. اما النظام الايراني
ورئيسه فانهما يرتكبان نفس الغلطة التاريخية التي ارتكبتها القيادة العراقية بتصعيد المواجهة والتحدي، الذي لا يمكن الا ان يجر بلدهم الى هاوية لا تحمد عقباها،
والاخطر من ذلك فان ما سيحدث سيشمل المنطقة باسرها. ربما يوجد هناك من يقول ان هدف تدمير العراق كان سيحدث سواء احتل العراق الكويت ام لم يحتلها، وان هدف تدمير ايران هدف موضوع وتسعى اليه كل من الولايات المتحدة واسرائيل، سواء تعنت الرئيس الايراني ام لم يتعنت، تحدى ام لم يتحد، ولكن الحقيقة تقول ان التصعيد يمكن الولايات المتحدة من لم المتعاونين معها ويزيد من امكانية تحقيق اجماع دولي لتبرير عملها. '
وعلى الرغم من ان الرؤية الامريكية تجد ان ايران واحدة من الدول التي تحتل موقعا مهما في التفكير السياسي والاستراتيجي الامريكي، وهذا ما انعكس على طبيعة العلاقات الامريكية ـ الايرانية، التي باتت تحكمها جدلية تتشكل وفقا للعبة الشد والجذب بين قطبين متساويين بارادة المواجهة، ولكنهما مختلفان بالحجم والقوة، اذ لا يمكن القول ان هنالك علاقات عداء ازلية بينهما، كما لا يمكن الادعاء بوجود ارضية مشتركة للالتقاء السياسي بينهما سواء في المستقبل القريب او البعيد. فالدور الايراني في الكثير من القضايا العالمية كان بالضد من الموقف الامريكي، ولكن ذلك لم يصل الى درجة المواجهة المباشرة التي كان الجانبان، وخاصة ايران، يتحاشونها حتى دخل العامل الاسرائيلي الذي بدأ يدفع الولايات المتحدة باتجاه مهاجمة ايران ارضاء لاهداف صقور الحرب الاسرائيليين. وبدأت الولايات المتحدة تجد المبررات لاضعاف ايران تمهيدا لمهاجمتها. '
(الفوضى الخلاقة) التي عاشتها ايران منذ انتخابات 12 حزيران/يونيو 2009 وحتى الان يمكننا ان نطلق عليها ازمة آنية داخلية، ولكن اثارها الخارجية سواء الاقليمية او الدولية في خضم التكتيك الاستراتيجي الامريكي الذي لم يكتف بالوقوف متفرجا، بل بدأ يعمل على الاستفادة منها، 'أليس التاريخ يعيد نفسه ويذكرنا بالاحداث الداخلية التي عاشها العراق في عام 1991 وما بعده'. علق الرئيس اوباما حول الاوضاع في ايران قائلا: 'ان ما يجري في ايران شأن داخلي وان الولايات المتحدة تحترم سيادة ايران. وهو ما يعطي الانطباع بانه لن يتجاوز الحدود القومية والاخلاقية ولا حتى سيستغل الاوضاع في ايران لتنفيذ الورقة المعدة بانهائها من تصنيف القوى الاقليمية الموازنة في الشرق الاوسط . لكنه من جهة اخرى اكد ان على القيادة الايرانية ان تحترم اراء الشارع الايراني المعارض وان تتعامل معه بحكمة بعيدا عن العنف . انها استراتيجية ذات حدين : اولهما ان الرئيس اوباما بهذا الموقف حاول ان يسلط الاضواء الاسلامية على ان الولايات المتحدة جادة في تغيير سياستها حيال العالم الاسلامي وان خطاب القاهرة وجد صداه في الازمة الايرانية، بالاضافة الى ان اوباما اوضح للعالم ان السياسة الامريكية لن تكون مبعثرة بعد الان بين جهات مختلفة، فالبيت الابيض هو من يقرر ومن ينفذ محترما الشرعية الدولية وساعيا لنشر السلام في العالم، ومنبها الى ان الديمقراطية تنبع من الداخل ولا يمكن استيرادها من الخارج. الا ان القراءة الاستراتيجية لخطاب الرئيس باراك اوباما في 2 كانون الاول ديسمبر 2009 في اكاديمية وست بوينيت العسكرية بولاية نيويورك، وهي الاكاديمية نفسها التي اعلن فيها بوش الابن عام 2002 استراتيجية الامن القومي الجديدة، التي ركزت على حرب العراق بدعوى مكافحة الارهاب الدولي وحماية الامن الامريكي والعالمي، واعلن فيه عن زيادة 30000 جندي امريكي في استراتيجية جديدة حيال افغانستان لمحاربة نظام طالبان وحماية الامن القومي الامريكي. وخطاب اوباما في النرويج 8/12/2009 الذي القاه اثناء حفل منحه لجائزة نوبل للسلام التي تسلمها وهو يقود حربين دمويتين في افغانستان والعراق، وفي خضم تصعيده لهذه الحروب، نجده يلوح بحروب امريكية (عادلة) جديدة ضرورية من وجهة نظره، لنشر السلام
وحماية الانسانية. وكانت رسالة اوباما واضحة لقادة ايران في كلا الخطابين، ومفادها ان الطموحاتها الاقليمية والدولية لايران يجب ان تتوقف. وهذا انما يؤكد ان السياسة الخارجية الامريكية، بكل جهات صنع القرار فيها، تحكمها المصلحة وحماية الامن القومي الامريكيين وأمن اسرائيل اولا ًواخيرا ً. ناهيك من حقيقة ان السياسة الامريكية العالمية لا يمكن ان تكون محكومة بطموحات رئيس اسود او ابيض، كما انها غير محكومة برئيس محب للسلام ورئيس محب للحرب، وانها غير مرتبطة بالبيت الابيض حسب، بل والبنتاغون والخارجية والمخابرات المركزية . من ناحية اخرى ان الوجود العسكري في افغانستان وقواعد امريكية عسكرية في العراق قد حقق نبوءة مارتن انديك، حينما قال بانه سيكون اسوأ كابوس تحلم به ايران حينما ترى قوات امريكية ونظاما ذا توجه غربي على حدودها الشرقية (افغانستان) ونظاما مواليا للسياسة الامريكية وقواعد عسكرية على حدودها الغربية (العراق). واكملت المقاطعة الامريكية المفتوحة والعقوبات من الامم المتحدة والعقوبات العابرة للحدود الاقتصادية المرتقبة من الاتحاد الاوربي ومن اليابان الطوق الاقتصادي على ايران واعادت الى الاذهان صورة العقوبات الاقتصادية التي استمرت ثلاثة عشر عاما على العراق. ناهيك من تصعيد ودعم عمليات التثوير الداخلية ومساندة ما يطلق عليه بمعارضة النظام الخارجية التي استخدمتها الولايات المتحدة مع العراق لتبرير شن الحرب (الانسانية) كما ادعت لاحتلاله. ' ''' وعلى الرغم من الدور السيئ الذي تلعبه ايران في العراق، الا ان تدميره سيكون خسارة كبيرة لشعب ايران وللقضية الفلسطينية. وعلى المسؤولين الايرانيين (المحافظين والاصلاحيين) ان يعوا خطورة الوضع الذي يكتنف نظامهم، ونجاحهم المباشر وغير المباشر في استغلال ضعف ونكبة العراق له عواقبه على دارهم ايضا. وان حكام العراق ليسوا سوى ادوات بيد الامريكان ولن يفعلوا شيئا لنصرة ايران. بالتاكيد سوف لن تكون نتيجة ما سيحدث خطوة نحو الديمقراطية في ايران على المدى القريب ولكنه بالتأكيد سوف يقود الى فوضى لا تحمد عقباها. ''''''''''''''

' اكاديمية من العراق


 

 
     
     
     
     
     
  Back to top