hd    
 

  مستقبل الإسلام في أوروبا

بقلم : خليل العناني  *

الحياة

ثمة هوس غربي بمسألة حظر وتحريم النقاب (أو البرقع)، حتى ليبدو الأمر أحياناً وكأنه تعبير لا شعوري عن رغبة في تقليص كل ما هو عربي وإسلامي وإن كان شيئاً رمزياً. وتحريم النقاب لم يأت لكونه زيّاً إسلامياً، وهي حقيقة يعرفها الساسة الغربيون جيداً، وإنما لكونه تعبيراً عن ثقافة يراها البعض دخيلة على المجتمعات الأوروبية ربما تهدد هوية شعوبها وثقافتهم. ولو ارتدت النساء الهنديات والبوذيات (وربما الملحدات) النقاب لما وقفت برلمانات أوروبا على أطراف أصابعها لمواجهته وتخصيص جلسات كاملة لمناقشة كيفية حظره.
وبعيداً من الجدل الفقهي حول مسألة النقاب، فإن الانتفاضة الغربية ضده لا يمكن تفسيرها إلا باعتبارها أحدث تجليات الإسلاموفوبيا (ظاهرة الرعب الشديد من كل ما هو إسلامي)، والتي تتزايد مظاهرها في شكل واضح بدءاً من "الحجابوفوبيا" و "المساجدوفوبيا" و "المآذنوفوبيا" والآن "النقابوفوفيا". ولو استمر الحال كما هو عليه فقد نصل إلى مرحلة تجتمع فيها برلمانات أوروبا من أجل تحريم (وربما تجريم) كل من يطلق لحيته ويرخي شاربه، وقد نختار وقتها ضمه إلى فصيلة "الفوبيا" بسبب الركاكة اللغوية!
الضمير الغربي يعاني أزمة حقيقية مع ذاته ومع الآخر. ولولا الخوف من توجيه تهم العنصرية والتنكر لتاريخ الآباء المؤسسين للحضارة الأوروبية الحديثة بخاصة في ما يتعلق بقضايا الحريات والمساواة لرأينا أسوأ مما هو حاصل حالياً. فما الذي يُضير 65 مليون نسمة في فرنسا، وأكثر من 22 مليوناً في استراليا وحوالى 10 ملايين في بلجيكا ومثلهم وربما أكثر في هولندا ممن يتأهبون لخوض معركة النقاب، أن ترتدي بضع مئات أو آلاف عدة من النساء ما يشأن من ملبس حتى وإن كان تعبيراً عن عقيدة أو عادة معينة؟
في حين يتجلى النفاق الغربي من هذه القضية حين أُصيبت الانتلجنسيا الغربية (المثقفون وقادة الرأي) بالخَرَس امام هذه القضية، وهي التي تدافع عن حقوق المثْليين في الزواج وتحتضن كل من ينتقد الإسلام والمسلمين تحت يافطة حرية التعبير. وقد وصل هذا النفاق قمته مع الصمت المُخجل عند تصويت البرلمان الفرنسي بحظر النقاب تحت ذريعة تهديده لعلمانية الدولة الفرنسية. في حين أن العلمانية بريئة من مثل هذا القرار ومن قبله قرار حظر الحجاب. فقد قامت العلمانية تاريخياً من أجل حماية حقوق الجميع، بخاصة الأقليات، في ممارسة عقائدها والحفاظ على هويتها في إطار من التعددية والتسامح الديني. ولربما من الأفضل أن تتم إضافة ثلاث كلمات إلى شعار الدولة الفرنسية الشهير (حرية، مساواة، إخاء Liberté, Égalité, Fraternité) هي (لغير المسلمين فقط).
في حين يمثل البعد الأمني في مسألة حظر النقاب فضيحة أخلاقية ونقطة سوداء في الضمير الغربي. فأولاً يفترض هؤلاء أن كل من ترتدي النقاب (وربما كل من يرتدي جلباباً ويطلق لحيته) هو بمثابة قنبلة موقوتة يجب إيقاف مفعولها. وهم ثانياً، لا يفرّقون بين شخص متشدد وآخر معتدل (وهو تقسيم موجود في كل المجتمعات والديانات، ولنتذكر فقط ما حدث مع المصرية مروة الشربيني في ألمانيا قبل عام). وهم ثالثاً، لا يملكون أية أدلة واقعية تربط بين النقاب والإرهاب، فجميع العمليات الإرهابية التي تعرّضت لها أوروبا سواء في لندن أو مدريد قام بها رجال (ومن المفارقة كانوا غير ملثمين)، كما أن العمليات التي قامت بها نساء منقبات (ورجال منقبون) في العالم العربي والإسلامي تكاد تكون محدودة جداً مقارنة بنظيرتها المكشوفة. فالشخصية الإرهابية تفضّل الظهور على الاختفاء عند قيامها بمهمتها الانتحارية.
ويشعر المرء بالمرارة حين يقارن بين التراث الفكري والفلسفي الكبير الذي تركه آباء ورموز التنوير الأوروبي أمثال جون لوك ومونتسكيو وكانط... إلخ، والذي يمثل مقصداً لكثير من باحثي ومثقفي الشرق، وبين ما يفعله أحفادهم الآن تجاه كل ما هو غير أوروبي. وتُصاب النفس بالتقزز حين يصل الانحدار الأخلاقي والقيمي في مجتمع متعدد الأعراق مثل بريطانيا ومعروف بالتعددية الدينية والتسامح الإنساني، أن يتم هدم أكثر من ثلاثين قبراً من قبور المسلمين فى منطقة "ليدز" أو أن يتم الاعتداء على محلات بريطانيين من أصول مسلمة كما حدث قبل شهور في مدينة برمنغهام.
على الجانب الآخر، ثمة "هوس" ديني وهوياتي لدى الجاليات المسلمة في أوروبا التي ترى أن مستقبل الإسلام معلّق على ارتداء النقاب وإطلاق اللحى وإقامة المآذن. في حين يتعاطى بعض أفراد هذه الجاليات، بخاصة ذوي الأصول الآسيوية، مع المجتمعات الغربية وكأنهم لم يبرحوا بيشاور أو إسلام أباد التي تركوها قبل عقود، من دون اكتراث لهويتهم الجديدة. وهو ما يزيد من موجة الفوبيا والكراهية لدى الطرف الآخر. صحيح أن الإسلام هو أكثر الديانات انتشاراً في أوروبا، بيد أن ذلك لم يأت نتيجة لزيادة مظاهر الإسلام (الطقوسي) الشكلاني، ولكن بسبب المضمون الروحاني (الجوهراني) الذي يجذب الهاربين من سطوة الحياة المادية.
وتبدو سمة مشتركة لدى معظم الجاليات المسلمة في أوروبا أنها تعلي من شأن ارتباطها "الأممي" مقابل انتمائها المحلي، فتجدها أكثر اهتماماً بقضايا العرب والمسلمين في فلسطين والعراق وأفغانستان، من دون اكتراث بالقضايا المحلية مثل حقوق المرأة وتصحيح العلاقة مع الآخر والمشاركة في الحياة السياسية في شكل فاعل. وهي هنا تخلط بين مفهوم الوطن وحقوق المواطنة. فالوطن بالنسبة الى هذه الجاليات ليس هو ذلك الذي تعيش فيه مثل بريطانيا أو فرنسا، وإنما هو هناك في ديارها الأصلية، في حين يطالب معظم أفرادها بالحصول على كل حقوق المواطنة كالمساواة وحرية ممارسة الشعائر الدينية. وهي حال انفصام تغذيها التيارات السلفية المناهضة للاندماج والتعايش الخلاّق، والتي تعتاش على موجة الإسلاموفوبيا التي تنمو باضطراد في كثير من المجتمعات الأوروبية. وهكذا تحوّل بعض المسلمين المقيمين في الغرب إلى عقبة في وجه الإسلام وحالوا دون نشر مبادئه السمحة ومنعوا وصوله إلى غير المسلمين، بسبب جهلهم وشكلانيتهم.
ولا مبالغة في القول إن ثمة مفاهيم دينية خاطئة يجرى ترويجها بين الأقليات المسلمة في أوروبا، ما يعقّد مسألة اندماجها في مجتمعاتها الجديدة. وقد قابلت مسلمين كُثراً في بريطانيا وفرنسا لديهم أفكار مشوّهة ومغلوطة حول كيفية التوفيق بين تعاليم الإسلام والاندماج مع غير المسلمين (تماماً مثلما حدث مع الشاب النيجيري عمر الفاروق الذي حاول تفجير طائرة دلتا إيرلاينز فوق مدينة ديترويت الأميركية عشية أعياد الميلاد). وقبل أيام استوقفني موقف غريب حين سمعت أن بعضاً من الشباب المسلم في لندن قد حرّم مشاركة المسلمين البريطانيين في الانتخابات العامة التي أُجريت قبل شهر، وكان أعجب ما سمعته لتبرير هذا التحريم هو أن الانتخابات معصية و "كبيرة" تتناقض مع مبادئ الإسلام. والمدهش أن هذا الكلام جاء على لسان بعض البريطانيين الذين اعتنقوا الإسلام أخيراً، ما يعني أنهم انتقلوا من النقيض إلى النقيض. وهنا بيت القصيد، ذلك أن ثمة أسطورة سائدة لدى كثير من "المتحولين الجدد" الى الإسلام بأن الرؤية السلفية للإسلام هي الأمثل والأنقى والأجدر بالاتباع. ما يعني الانصراف عن اعتناق أية رؤية تقدمية يمكنها الموازنة بين المصالح والضرورات.
وتقوم هذه الرؤية المغلقة للإسلام على ثلاثة أسس، أولها الالتزام الصارم بما يُفترض أنه الإسلام "الأصلي" بخاصة في قضايا شكلية مثل الرداء والمئذنة. ثانيها، الالتزام الحرفي بتفسير النصّ الديني من دون الأخذ في الاعتبار أية اختلافات زمنية أو موضوعية أو ما قد يطلق عليه "فقه الأقليات". ثالثها، أنها تخلط بين مفهومي حرية العبادة واحترام الفضاء العام Public Sphere. وهنا تبدو المسألة أكثر تعقيداً، فبعض الأقليات المسلمة في الغرب تخلط بين حرية ممارسة الشعائر الدينية، ومسألة احترام الخصوصية الثقافية والحضارية للبلدان الأوروبية. صحيح أن كثيراً من الدول الغربية تكفل وتتيح ممارسة الحريات الدينية من دون أي تدخل، ولكنها أيضا تظل موالية لتراثها وإرثها الثقافي الذي تحاول حمايته من أي اختراق أو تبديل قد يؤدي إلى توترات دينية أو اجتماعية، بخاصة إذا ارتبط الأمر بقضايا مثل مسألة النقاب التي هي محل خلاف داخل البلدان الإسلامية ذاتها وليس الدول الأوروبية فحسب.
وإذا كانت هذه الرؤية السلفية هي الأقل تأثيراً بين الأقليات والتجمعات الإسلامية في الغرب، إلا أنها الأكثر حضوراً في الفضاء العام الأوروبي، وهي التي تخلق ذلك الحاجز "الإسمنتي" لدى المواطن الغربي تجاه الإسلام والمسلمين، وتجعله يصوّت لتلك القوانين العنصرية التي تستهدف فرض قيود إضافية على حركة المسلمين وأنشطتهم. وهو ما يعطي اليمين الأوروبي فرصة لبث الذعر والرعب لدى المواطن الأوروبي فيما يخص أسلمة مجتمعه وغزوه دينياً وثقافياً.
نحن إذاً أمام حالة من سوء الفهم والتحزّب الهوياتي والديني المتزايد لدى طرفين كلاهما مهووس بتأكيد سموه وأفضليته، وإذا تُرك الأمر لكليهما فسنشهد فصلاً جديداً من الكراهية وسوء الفهم بين الإسلام والغرب، لا يختلف كثيراً عما شهدناه طيلة العقد الماضي.
* أكاديمي مصري - جامعة دورهام، بريطانيا.
k.m.ibrahim@dur.ac.uk

مع التقدير لما أتى في المقالة فهي لا تعبر بالضرورة عن رأي نابا
3/6/2010

 
 

 
  Back to top