Articles                   >>

 

الأزمة الأميريكية: أزمة مالية أم أزمة بنيوية؟ أسباب وتداعيات على الصعيد الداخلي والخارجي

د. زياد حافظ

    

23/10/2013

مقدمة

سنحاول في هذا العرض تحديد ما سمّاه الاعلام ب"أزمة سقف الدين" في الولايات المتحدة التي أدّت إلى إقفال جزئي للعديد من مرافق الدولة الاميركية

كما سنعالج الاسباب والتداعيات الناتجة عن هذه الأزمة. من الواضح أن المقاربة الكاملة ستكون متعدّدة الجوانب وإن لن يكون لدينا الوقت الكافي لمعالجة كافة النواحي. فهناك جانب إجرائي قانوني كما هناك جانب اقتصادي مالي ولكن في آخر المطاف المشكلة في رأينا مشكلة سياسية وإن أراد البعض أن يحصرها في جانبها الاقتصادي المالي. ونقول ذلك لأننا نؤمن بأن الاقتصاد، مهما تراكمت الاحصاءات والمعادلات الرياضية لإعطائه طابع "العلمية" أو "العلم"، فإن الاقتصاد في رأينا ليس إلاّ السياسة ولكن بلغة الأرقام. فالنظريات السياسية منذ آدام سميث في القرن السابع عشر حتى آخر استاذ جامعي في الألفية الثالثة يُنظّّر في الاقتصاد تلبية لبيئة سياسية محدّدة. بل نقول أكثر من ذلك فإن النظريات الاقتصادية جيء بها لتعطي الطابع "العلمي" لسياسات يصعب تسويقها بالكلام السياسي التقليدي فكان لا بد من تبليسها عباءة العلم. وكما يقول المسرحي برتولد براخت فإن سعر الفاصوليا وهو نتيجة قرار سياسي! نستطيع أن نسترسل في ذلك ولكن هذا يخرج عن إطار العرض الذي نقدّمه اليوم.

في هذا العرض سنعرّف عن الازمة المذكورة وسنحاول تحليل الجذور لها وسنرى أنها سياسية بالمعنى العام والفكري وإن أخذت طابعا اقتصاديا ماليا وقانونيا. ومن مقاربة الاسباب والتداعيات نستخلص أن الازمة الحالية أزمة بنيوية وليست ظرفية كما يروّجه البعض بل قد تأخذ أبعادا خطيرة تهدّد تماسك الولايات الأميركية أي أنها قد تتحوّل إلى أزمة وجودية للكيان الأميركي إن لم تتم معالجتها بشكل جذري. وهذا ما نشكّك في إمكانية حصوله من قبل النخب الحاكمة في أميركا سواء كانت في السلطة أو في الخارج. إن رداءة النخب السياسية على صعيد الكفاءات كما على صعيد الأخلاق تفسّر لماذا وصلت الأمور إلى هذه الحال وهي مرشّحة للاستمرار والتفاقم. كما أن البنية السياسية القائمة لا يمكن إلاّ أن تفرز ذلك النوع من القيادات. فالمال هو الذي يتحكم بما يُسمّى العملية الديمقراطية والمسؤول السياسية مدين بوجوده في الموقع المسؤول لمن موّل حملته الانتخابية وليس للناخب الذي اوصله إليه! كما أن تدهور الحالة سيصيب العالم أجمع بسبب تشابك المصالح العالمية والاميركية. ليس هناك من سيكون بمنأى عن الأزمة الأميركية فيما لو تفاقمت كما نخشى!

تعريف الازمة

الازمة الحالية تُعرّف بأزمة "سقف الدين" أي أزمة ناتجة عن القيود القانونية المفروضة على الحكومة الاميركية في عمليات الاقتراض والاستدانة لتسديد التزاماتها المالية. كما نعلم فإن إنفاق الحكومات لا يتم مبدئيا إلاّ من خلال الموازنة التي تقرّها المجالس النيابية وفي هذه الحال الكونغرس الاميركي المؤلّف من مجلسين: مجلس الشيوخ وعدد أعضائه مائة، ومجلس الممثلين وعدد الاعضاء في 435. والمجلسان يتقاسمهما كل من الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري.

الدستور الأميركي ومجمل النصوص القانونية التطبيقية لأحكام الدستور تجعل من الكونغرس المرجعية التي توافق على موارد ونفقات الدولة. والتصويت يأتي تلقيا بالموافقة أو الرفض لتلك الموازنة. لكن في الولايات المتحدة يتم التصويت أيضا ببند خاص على سقف الدين الذي يفرض على الحكومة. المقصود بسقف الدين هو حد أقصى للإقتراض من قبل الدولة لتسديد التزاماتها عندما تفوق النفقات على الواردات. العجز الذي ينتج عن ذلك يموّل إما من احتياطات سابقة لموازنات حقّقت فائضا أو عبر الاقتراض. أي بمعنى آخر أن تراكم العجز في الموازنة يشكل متن الدين العام.

الحكومة الاميركية تموّل الدين العام عبر عملية اقتراض. تقنيا هذا يعني أن الخزينة الاميركية، أي وزارة المال، تصدر سندات لتسديد ذلك الدين. تعتبر تلك السندات استثمارا من قبل المؤسسات المالية في أميركا وفي العالم أكثر الاستثمارات المضمونة والتي لا تشوبها أي مخاطر وبالتالي تتمتع بتصنيف ائتماني AAA أي أعلى تصنيف ممكن تصدره شركات التصنيف. حتى هذا التاريخ لم تتوقف الحكومة الاميركية عن تسديد تلك الالتزامات مما حافظ على مكانتها الائتمانية فيما يخصّ سندات الخزينة الاميركية.

إن ما حصل في بداية هذا الشهر هو عدم تصويت الكونغرس بسبب خلافات بين الحزبين على الموازنة وعلى سقف الدين. هذا الإخفاق في التصويت أحرج الحكومة الأميركية التي تواجه ضيقا في السيولة اضطرت بسببها ايقاف العمل في عدد من المؤسسات التابعة لها وفرض الإجازة القسرية دون مقابل لمئات الألوف من الموظفين. لكن الخطورة تكمن في أن تشمل كافة قطاعات الحكومة وتؤدي إلى شلل تام في المؤسسات الحكومية إذ لم يستطع الكونغرس التوافق على رفع سقف الدين قبل 17 تشرين الاول، أي بعد بضعة أيام. نسارع ونقول أن احتمال حصول ذلك ضئيل وإلاّ ستكون النتائج وخيمة على الكونغرس، على الحكومة الأميركية، على الاسواق المالية في الولايات المتحدة كما في العالم، على مستقبل الولايات المتحدة وهذا ما سنسترفه في مقاطع لاحقة لهذا العرض. لذلك نتوقع أن حلاّ ما سيتم التوافق عليه لتجنّب الكارثة ولكن ما حصل يستلزم الوقوف عنده واستخلاص العبر وهذا هو جوهر عرضنا اليوم.

أسئلة صعبة

في هذا السياق هناك عدة أسئلة تطرح تلقائيا من خلال مقاربة تفاصيل الازمة. السؤال الأول هل الولايات المتحدة في حالة إفلاس افتراضي أم حقيقي؟ أي هل عدم إيجاد الاطار القانوني لتسديد الالتزامات يعني أن الولايات فقدت الامكانيات لتسديد التزاماتها المالية؟ ليس هناك من إجابات سريعة للموضوع وإن كنّا نميل منذ أكثر من عقد من الزمن لرأي يقول أن الولايات المتحدة تعيش فوق إمكانياتها التي نقرّ بأنها ضخمة. فما زال الناتج الداخلي الأميركي أكبر ناتج في العالم ويمثل ما يوازي 25 بالمائة من اقتصاد العالم. كما أن مكانة الولايات المتحدة في البحوث العلمية والتفوّق التكنولجي ما زالت في الطليعة. زما زال الدولار عملة الاحتياط العالمي الأولى وإن تراجعت في الآونة الأخيرة. لكنها بالمقابل أقدمت على سياسة إنفاق منذ أكثر من اربعة عقود تفوق قدراتها المالية والاقتصادية بشكل مستمر وتصاعدي. يميل البعض من مناصرين النظام القائم سياسيا واقتصاديا في الولايات المتحدة أن القدرة على التسديد موجودة وأن المشكلة تقنية فقط وتعود إلى إخفاقات في الحكومة تتحملها ادارة اوباما. هذا ما جاء في إحدى افتتاحيات مجلة "فوربس" المعروفة بقربها من اليمين الجمهوري. ويجزم ريشارد فينغر في تلك الافتتاحية في 10 تشرين الاول أنه مهما كانت نتائج المفاوضات بين الحزبين حول رفع سقف الدين فليس هناك من احتمال للتوقف عن الدفع. ويعتبر الكاتب أن السبب الواضح لذلك أن الولايات المتحدة لا تستطيع أن تتحمّل تداعيات عدم الدفع لأن النظام المالي العالمي سينهار! لذلك ستقدم الولايات المتحدة على تسديد التزاماتها لأن الولايات المتحدة مليئة بالسيولة على حدّ قوله خاصة إذا ما أقدمت الحكومة على تخفيض كبير في النفقات في كافة القطاعات. هذه النظرة التفاؤلية مغلوطة في رأينا لأنه تفسّر المشكلة بالمشكلة نفسها. فالخلاف بين الجمهوريين والديمقراطيين هو حول عصر النفقات كمّا ونوعا. المهم هو أن النصوص القانونية المعمول بها تمنع الحكومة الاميركية من الاقتراض إن لم يوافق عليها الكونغرس بنص واضح. فمن أين ستأتي الحكومة بالسيولة المطلوبة دون موافقة الكونغرس؟ هذا مأزق دستوري وسياسي وإن كان بلباس مالي واقتصادي. هناك من بدأ بمناداة بتغيير تلك النصوص وعدم إخضاع البلاد إلى مزاجية الكونغرس وأو الادارة ولكن هذا يعني المساس بطبيعة النظام السياسي القائم. وللحديث صلة!

حجم المشكلة

هذا الخلاف يأخذ أبعادا يصعب تقدير نتائجه بسبب حجم المشكلة. وعندما نتكلّم عن "حجم المشكلة" نعني أن خلفية الخلاف تكمن في حجم الدين العام الذي تجاوز 17 تريليون دولار أي ما يوازي 106 بالمائة من الناتج الداخلي. هذه أرقام ضخمة ترعب الأميريكيين والعالم إذا ما أعلن إفلاس الولايات المتحدة. السؤال يصبح هل هناك موارد كافية لتسديد أو تخفيض ذلك الدين؟ علينا أن نقر أنه ما زال بمقدور الولايات المتحدة تعبئة الموارد لتسديد الأقساط المتوجبة في المرحلة الحالية وحتى القادمة قريبا. لكن المشكلة تكمن في قدرة الولايات المتحدة في المدى المتوسط والبعيد على تعبئة تلك الموارد إذا لم تقدم النخب الحاكمة على تدارك المشكلات البنيوية وإذا ما فقد الجمهور الأميركي ومعه العالم الثقة في تلك القدرة!

في هذا السياق إذا دققنا في بنية الدين العام الأميركي نجد أن 75 بالمائة أي ما يوازي 12 تريليون دولار تقريبا يحمله الجمهور بينما 25 بالمائة هي ديون بين مؤسسات حكومية أي ديون من الدولة على الدولة! أما الباقي نجد أن حوالي 47 بالمائة أي ما يوازي 5 تريليون من الدين الذي يحمله الجمهور هو لمصادر اجنبية أي العالم وخاصة بعض الدول الآسيوية التي تحمل الدين العام الأميركي من سندات الخزينة وأوراق مالية مختلفة. للمعلومة فإن الصين 1,2تريليون اليابان 1,1 تريليون، البرازيل 230 مليار على سبيل المثال. من هذه النافذة نجد البعد الدولي أو العالمي للدين العام الأميركي. أما في بنية الدين فيعود إلى العجز المتراكم منه: 3,5 تريليون بسبب التحولات الاقتصادية أي الانكماش الاقتصادي الذي أدّى إلى انخفاض في الموارد الضرائبية، 1,6 تريليون التخفيضات الضرائبية التي أقرت في ولاية بوش الابن ولمصلحة الأثرياء، 1,4 تريليون الكلفة المباشرة للحرب في كل من أفغانستان والعراق، 1,4تريليون ارتفاع كلفة الدين بسبب تفاقم الحسابات المدينة، حوالي تريليون دولار كحوافز لتنشيط العجلة الاقتصادية منذ 2008، أي إجمالي بقيمة 12 تريليون دولار تقريبا.

ثقافة الدين والنموذج الاقتصادي

اعتمدت الولايات المتحدة على الاقتراض كثقافة اقتصادية ومالية تساهم في النمو لما يشكّل الدين كرافعة لمضاعفة المردود على الرأس المال. الاقتراض في الدولة كان سببه أيضا سياسة الاستهلاك كمحرّك اساسي للعجلة الاقتصادية. التحوّلات التي حصلت في البنية الاقتصادية الأميركية كانت بقرار سياسي شامل حيث تمّ توطين القواعد الإنتاجية الصناعية خارج الولايات المتحدة للإستفادة من انخفاض كلفة يد العاملة وغياب القوانين الضابطة للعمل وللبيئة إضافة إلى الحوافز الضرائبية التي فرضت على الدول المستضيفة لتلك القواعد الإنتاجية. الضغوط كانت من عدّة جهات على تلك الدول. منها كانت مباشرة من الحكومة الأميركية وخاصة في بعض الدول أميركا اللاتينية، ومنها عبر المؤسسات المالية الدولية الخاضعة لهيمنة الولايات المتحدة كصندوق النقد الدولي ومجموعة مؤسسات البنك الدولي.

أما ثقافة الدين فكانت المحرّك للإستهلاك المفرط كقاعدة للنمو الاقتصادي. بالمقابل رافقت ثقافة الدين حملة مركّزة لفضّ القيوض الضابطة (deregulation) التي جعلت من المؤسسات المالية تموّل المضاربات المالية وتجني الثروات الافتراضية. من ضمن عملية المضاربات كان الاقتراض العمود الفقري لها لمضاعفة المردود على الرأس المال. فكانت النتيجة تفشّي ثقفافة الريع المالي والثروة الافتراضية على حساب المجهود الإنتاجي. تعميم ثقافة الدين على المستهلك جعلته يستهلك المزيد من السلع خارج إمكانية الرواتب والأجور. الاستهلاك كان مصدره الخارج عبر عملية الاستيراد. دول آسيوية كاليابان وكوريا الجنوبية وتايوان والصين وجدت من مصلحتها تمويل صادراتها للولايات المتحدة عبر حمل سندات الخزينة الأميركية لتمويل خاصة العجز في الميزان التجاري لمصلحتها. قد يتسأل المرء وما دور الحكومة الأميركية في كل ذلك إذا كان المواطن يستهلك سلعا مستوردة ؟ هنا يأتي دور هيمنة الدولار كوسيلة للدفع. فالسلع المستوردة تدفع بالدولار وزيادة الاستيراد تزيد من كمية الدولار في التداول. إن إقدام البنك المركزي الأميركي على طبع الدولار ساهم في زيادة الدين العام لأن الدولار هو في الأساس دين على الدولة. تمويل ذلك الدين يكون عبر الاقتراض أو سندات الخزينة. الهيمنة الأميركية عبر الدولار مكّنت الولايات المتحدة في الاستيراد والاستهلاك فوق طاقتها الإنتاجية وبتمويل الدول المصدّرة. من هنا نفهم مدى قلق الأميركيين في تراجع دور الدولار في العالم لأن التراجع يفقد الدولار كوسيلة للهيمنة الاقتصادية والمالية وقلق الدول الحاملة لأصول مدوّنة بالدولار لانخفاض قيمتها.

النموذج الاقتصادي المبني على ثقافة الاستهلاك والدين وصل إلى مأزق عام 2008 في أزمة الرهونات العقارية ولم تتعاف منها حتى الآن. أزمة سقف الدين العام ستزيد من الطين بلّة وستتفاقم الأزمة. البعد السياسي واضح. لم بكن من الممكن تعميم ثقافة الاستهلاك لولا الامعان في سلب القوة الشرائية من المواطن الاميركي عبر انخفاض القيمة الفعلية للأجور وهذا ما حصل من ولاية ريشارد نيكسون حت نهاية ولاية كلنتون. أضف إل ذلك اعتماد تشر ثقفاة البطاقة الإئتمانية للإستهلاك كبديل عن رفع الأجور والرواتب. الفوائد الناتجة عن استعمال تلك البطاقات قد تجاوز 30 بالمائة سنويا على الرصيد المدين عند المستهلك. الفوائد الربوية أصبحت المصدر الأساسي لدخل المؤسسات المالية التي تصدرها. من هنا نرى تفاقم الثروات الافتراضية لتلك المؤسسات المالية عبر ثقافة الدين دون الاكتراث إلى أن في يوم من الأيام ستفقد القدرة على التسديد! نفوذ المؤسسات المالية ساهمت إلى حد كبير في فض القيود الرقابية على أعماله وحصل ذلك منذ ولاية ريغان وصلت ذروتها في ولاية كلينتون وليس بوش الابن كما يظن البعض.

أسباب الخلاف في معالجة قضية الدين العام

الخلاف القائم بين الديمقراطيين والجمهوريين للوصول إلى اتفاق حول رفع سقف الدين العام يعود إلى خلاف أعمق حول حجم الدين الذي يعكس خلافا تأسيسيا جذوره التاريخية في تكوين الولايات المتحدة. فمن جهة نجد أن الجمهوريين يحبّذون دولة مركزية محدودة النفوذ وبالتالي لا تجبي الضرائب كي لا تنفق إلاّ على ما يعتبرونه فوق طاقة الولايات وطاقة القطاع الخاص كالبنى التحتية مثلا بينما الديمقراطيون يعتبرون أن مسؤولية الدولة هي تقديم الخدمات لمكوّنات المجتمع التي لا تستطيع أن تقوم بها أو التي لا تجدها إلاّ بكلفة عالية تفوق طاقتها كالتعليم والصحة مثلا. وهذا الخلاف العقائدي في رؤية الدولة أدى إلى انقسام عامودي بين الأميركيين تجلّى في ذهنية اللعبة الصفرية حيث أصبح هدف كل حزب إفشال الحزب الآخر وإن كان على حساب المصلحة الوطنية. والثنائية في العمل السياسي بين الحزبين كانت مصدر قوة ومستوردة من التجربة البريطانية إلاّ أنها وصلت إلى طريق مسدود بسبب التحوّلات في البنية السكّانية باللون واللسان والدين وبسبب الضيق الاقتصادي الناتج عن تراجع مكانة الولاية المتحدة في العالم بسبب تحوّلها من أكبر دولة منتجة للسلع إلى دولة تستند في إنتاج ثروتها على الريع المالي الافتراضي. يمكننا أن نتحدّت بالتفصيل عن هذه التحوّلات والتي تكلمنا عنها في عدة مداخلات وكتابات إلا أن ضيق الوقت المتاح لن يسمح لنا بذلك. نكتفي بالقول أن التراجع الأميركي في الاقتصاد تراجع بنيوي ساهم في تفاقم الأزمات الداخلية منها فقدان ما كان يُسمّى بالحلم الأميركي الذي كان يربط بين كافة مكوّنات المجتمع الأميركي.

الثنائية السياسية كانت مصدر قوة حيث حلّت مشكلة تداول السلطة وتوزيعها على مرافق الدولة بين حزبين في جوّ من الاستقرار. والثنائية كانت ممكنة بسبب تكوين المجتمع الأميركي آنذاك وحتى مطلع السبعينات من القرن الماضي حيث كانت الأكثرية الساحقة من الانكلوساكسونيين البيض البروتستانت. أما اليوم فالتحوّلات السكّانية أفضت إلى تراجع نفوذ الأكثرية البيضاء الانكلوساكسونية البروتستنتية لمصلحة صعود السود والمهاجرين المنحدرين من أصول أميركية لاتينية وهم في أكثريتهم الساحقة من الكاثوليك إضافة إلى هجرة آسيوية صاحبة كفاءات عالية. لا نريد الاسترسال في تداعيات تلك التحوّلات يكفي أن نقول أن الحزبين الحاكمين إذا جاز الكلام لم يعودا بتركبتيهما الحالية يعكسان التحوّلات السكّانية.

من جهة أخرى الازمة الاقتصادية والمالية المزمنة سرّعت في نهوض حركات متطرّفة داخل الحزبين قد يؤدّي إلى انشطار الحزبين إلى فئات متعدّد ومتحاربة تعكس التغييرات السكانية والاجتماعية. فهناك من جهة حركة ما يُسمّى بحزب الشاي داخل الحزب الجمهوري والذي يمثّل حركة انعزالية على الصعيد الخارجي وحالة متشدّدة ضد وجود دول قوية مؤمنة بقوة السوق كمنظّم للحياة. بالمقابل في الحزب الديمقراطي هناك حركة التسعة وتسعين المناهضة للواحد بالمائة التي تتحكّم بالثروة في الولايات المتحدة والتي قامت بحشد مظاهرات احتجاجية ضد جشع المتموّلين وخاصة من روّاد وال ستريت. لم تحظ تلك الحركة بالتغطية الاعلامية الملائمة للتنمو وذلك بسبب تمركز الاعلام الاميركي بشكل شبه مطلق بين ست شركات فقط لا غير. أي بمعنى آخر فإن آلاف الصحف والمجّلات ومحطات التلفيزيون والراديو وحتى استديوهات السينما تمكلها شركات لا يتجاوز عددها عدد الأصابع العشر! هذه الشركات هي ديزني، تايم وارنر، سي بي اس، مجوعة نيوز كورب لروبرت مردوك، جنرال الكتريك، فياكوم. هذا يعني أن الرأي العام الأميركي توجّهه تلك الشركات التي لا مصلحة لها بفضح سلوك الشركات المالية التي تتفاعل معها بشكل عضوي. وبالتالي من السهل تضليل الرأي العام الأميركي عبر تلك المنظومة المملوكة من شركات قليلة العدد وكثيرة النفوذ.

الخلاف بين الحزبين حول دور الدولة خلاف تكويني مرّ بتقلّبات كبيرة كانت اشرسها الحرب الاهلية بين ولايات الجنوب وولايات الشمال في القرن التاسع عشر. لم يكن سبب الحرب والانفصال دعوة الرئيس لنكولن لتحرير السود، وإن كان لها دور كبير، بل جوهر الخلاف كان حول صلاحيات الولايات وصلاحيات الدولة المركزية. حسمت المعركة لمصلحة رؤية ولايات الشمال ولتقوية الدولة الاتحادية المركزية على حساب مصلحة الولايات. لكن الخلاف اليوم هو انبعاث للخلاف القديم وهو حول جوهر صلاحيات الولايات.

التداعيات في حال التوقف عن الدفع

لا ندري حتى هذه اللحظة إذا سيعقد اتفاق ما بين ادارة اوباما والحزب الجمهوري حول رفع سقف الدين. بعض الجمهوريين النافذين داخل الحزب كالنائب بول ريان وهو من الصقور المحافظين يعتقد أن اوباما سيتراجع وسيرضخ لشروط الحزب الجمهوري حول تأجيل قانون الضمان الصحي الذي يشكل العمود الفقري للإرث زالبرنامج السياسي الداخلي للرئيس الأميركي. ونشكّ بذلك. أما الاقتصادي الأميركي الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد بول كروغمان فيعتبر أن الرهان الجمهوري رهان خاطئ وأن الولايات المتحدة متجّه إلى أزمة سقف دين وأزمة دين وأزمة إقفال عام. إذا كان ذلك هو الأمر فنعتقد أنه سيكون بمثابة مشكلة كبيرة جدا ليس فقط على الولايات المتحدة بل على العالم أجمع بسبب تشابك المصالح والعولمة التي جعلت كافة الدول تتأثر بما يحصل بالآخرين وخاصة بالولايات المتحدة. فما هي السيناريوهات الممكنة إذا لم يتم الاتفاق؟

أولا- ردّة الفعل الاولى على عدم الوصول إلى اتفاق ستؤدّي إلى شلل كامل في كافة مؤسسات الدولة. كما ستؤدّي إلى تسريح أو التوقف عن العمل قسريا وبدون راتب لملايين من الموظفين في مؤسسات الدولة. التوقف عن العمل يعني عدم الحصول على الرواتب، يعني عدم تسديد فواتير العائلات والإفلاس الفردي. كما أن التوقف عن الدفع يعني أن الشركات المتعاقدة مع الدولة لن تستوفي مستحقاتها مما يؤدّي إلى إفلاسها والمزيد من البطالة وما يرافق البطالة من أزمات اجتماعية وصولا إلى أزمات وفوضى أمنية.

ثانيا- ردّة الفعل الثانية ستكون في الأسواق المالية التي قد تنهار بين ليلة وضحاها وذلك بسبب التخفيض الحتمي للتصنيف الائتماني للدولة الأميركية مما سيرفع كلفة الاقتراض المستقبلية إلى أرقام قياسية مع ما يرافق ذلك من انكماش اقتصادي قد يصل إلى كساد كبير أعمق من كساد الثلاثينات من القرن الماضي. الدليل على ذلك هو أنه في العام الماضي جرى تخفيض الإئتمان الأميركي من قبل شركة ستاندرد اند بور بسبب "رداءة الأداء الحكومة الأميركي". كانت النتيجة المباشرة انخفاض البورصة في خلال أيام أكثر من ألفي نقطة (653 نقطة في جلسة واحدة!). الاسواق المالية العالمية لن تكون أيضا بمنأى عن الانهيار الأميركي وما يرافقه من اضطرابات.

ثالثا- الشلل الذي سيصيب الادارة الأميركية سينعكس أيضا على ألامن الخارجي حيث القواعد العسكرية والاساطيل البحرية والأسراب الجوية قد تتوقف أو في أحسن الأحوال سينخفض منسوبها من العمل. والتقدير متروك لكم لما يمكن أن ينتج عن ذلك!

رابعا- التوقف عن الدفع والشلل سيؤدّي إلى المزيد من تدهور قيمة صرف الدولار تجاه العملات الأخرى مما سيدفع حاملي الأصول المدوّنة بالدولار على التخلّي عن الدولار وما سيرافق ذلك من تباطؤ إن لم يكن شللا في التبادل التجاري الدولي المرتكز على الدولار كوسيلة دفع. نقصد بذلك السلع الاستراتيجية كالنفط والغاز والقهوة والقمح والذرة! هذا يعني المزيد من تدهور قيمة الدولار التي تُسعّر به كافة السلع وحتى الذهب! الدول العربية التي توظّف أموالها في الأسواق المالية الأميركية ستتعرض إلى "تبخّر" اصولها المالية! نذكّر هنا أن العملاق السياسي الرئيس الراحل شارل ديغول نبّه في الستينات من القرن الماضي عن خطورة التركيز على الدولار كوسيلة أساسية للمدفوعات الدولية وأنه لا بد من اللجؤ إلى معيار مدفوعات آخر يرتكز على الذهب. تمّ الاطاحة بديغول عام 1968 بعد حملة سياسية بدأت عام 1965 في الانتخابات الرئاسية. الولايات المتحدة تمادت في الارتكاز على الدولار كمعيار أساسي للمدفوعات فقامت بقطع العلاقة عام 1971 مع الذهب واعتبرت الأخير سلعة من بين السلع وليس معيارا للقيمة وللمدفوعات. وزير الخارجية آنذاك جون كونالي جمع وزراء المال العالم الصناعي وقال لهم بالحرف الواحد: "الدولار عملتنا ولكنه مشكلتكم". بدأ حين ذلك التمادي في طبع الدولار لتمويل المغامرات الخارجية الأميركية والهيمنة الاقتصادية العالمية بسبب هيمنة الدولار. انخفاض قيمة الدولار سينعكس على إمكانية الولايات المتحدة في استمرارها بالهيمنة الاقتصادية.

خامسا- نتيجة لكل ذلك فهناك تداعيات مالية أخرى كارتفاع الفائدة مما يزيد من كلفة الاقتراض ويحوّل من ورادات الدولة إلى خدمة الدين بدلا من الانفاق على برامج اجتماعية أو تنموية. من جهة أخرى التراجع في الإنتاج قد يؤدي إلى ارتفاع في الأسعار وإلى التضخم وما يرافق ذلك من تدهور في القدرة الشرائية للدولار.

أما على الصعيد السياسي فالنزعات الانفصالية داخل الكيان الأميركي ستتزايد خاصة واننا نشهد منذ فترة دعوات في بعض الولايات الأميركية ككولورادو وايداهو وواشنطن لحملات تواقيع من قبل الجمهوريين تدعو لإنفصال في تلك الولايات عن المناطق التي تقنطها أكثرية ديمقراطية. فإذا وصلت الحالة بين الجمهوريين والديمقراطيين إلى حالة الطلاق السكّاني حتى لأسباب انتخابية فقط فما بال الحالة في قضايا أكثر سخونة بين بعض البيض والسود، بين الانكلوساكسونيين البيض البروتستانت والهجرة السمراء الوافدة من دول أميركا اللاتينية؟ نذكّر هنا أن حاكم ولاية تكساس، وهي ولاية كبيرة وغنية بالنفط والزراعة، هدّد أكثر من مرة خلال حملته للحصول على تسمية الحزب الجمهوري للرئاسة، بإعادة النظر بالعلاقة بين ولاية تكساس والدولة الاتحادية إذا ما استمرّت الأخيرة بالتدخّل في شؤون الولاية، أي دعوة صريحة للإنفصال! كما أن هذه الولاية مع عدد من ولايات الجنوب الغربي الأميركي تتعرّض إلى تحوّلات في البنية السكّانية لمصلحة أكثرية جديدة من أصل أميركي لاتيني صوّت في الانتخابات الأميركية الأخيرة لمصلحة اوباما! ونذكّر ايضا أن الدستور الأميركي هو الدستور الوحيد في العالم الذي يسمح بالميليشيات وحمل السلاح! وإذا أضفنا إلى ذلك الكوكتيل الرهيب ثقافة العنف في الافلام والتلفزيون والألعاب نرى "جهوزية" مكوّنات الشعب الاميركي باللجوء إلى العنف لفض الخلافات!

ماذا بعد؟

من خلال عرضنا لمشكلة سقف الدين تبيّن بشكل واضح أن المشكلة جذورها سياسية عندما أقدمت النخب السياسية على اتباع نموذج اقتصادي أوصل الولايات المتحدة إلى طريق مسدود. كما أن المصالح التي تجسّدها الثروات المالية الافتراضية تحول دون إمكانية اتخاذ قرارات يمكنها أن تعيد بناء الولايات المتحدة. نذكّر أن اوباما ساهم في ولايته الاولى في إنقاذ المؤسسات المالية واتهم آنذاك بالاشتراكية أو حتى الشيوعية. تمّ امداد المؤسسات المالية بما يكفي لإعادة العجلة الاقتصادية ولكن المصارف لم تقدم على ذلك بل استفادت من ضخّ المال للتوظيف والمضاربات المالية. انتعشت الأسواق المالية ولم يتتعش الاقتصاد الأميركي وربمكا بشكل متعمّد لإفشال ولاية اوباما. هناك عامل العنصرية تجاه أو رئيس منحدر من اصول إفريقية وإسلامية أي خارج النادي الضيّق للنخب الانلكوساكسونية البروتستانتية البيضاء!

من جهة أخرى فإن النظام السياسي المعمول لن يأت إلاّ بنخب رديئة للغاية لا تستطيع أن تتجاوز ذاتيتها. وبالتالي المأزق الحالي الذي يهدد البلاد ومعه العالم. فالتشريعات المطلوبة لإصلاح النظام السياسي بشكل جذري ومعه النموذج الاقتصادي لن تأتي بسبب بنية النظام. كما أن التحوّلات في البنية السكاّنية تهدد تماسك النسيج الاجتماعي للولايات وما يمكن أن يرافق ذلك من حركات احتجاجية انفصالية.

يمكن الولايات المتحدة أن تتجاوز الأزمة الحالية بشكل موقت ولكن نرى وتيرة الأزمات تتلاحق دون أن تنكبّ النخب على معالجة جذرية للأمور. الهم السائد عند جميع الأطراف هو تأخير الاستحقاقات وتركها لنخب أخرى تتحمّل وزر القرارات الصعبة.

وأخيرا على الصعيد الخارجي فإن تفاقم الأزمة ينذر بتراجع كبير للدور الأميركي ليس فقط على الصعيد المالي والاقتصادي بل أيضا على الصعيد السياسي. التراجع في مصداقية الولايات المتحدة إبان الأزمة السورية هو انعكاس للضعف البينوي الداخلي. إن ما حدث وقد يحدث في المستقبل القريب يعزّز من رؤيتنا التشاؤمية لمستقبل الولايات المتحدة. قد يعتبر أخصام الولايات المتحدة أن هذا التراجع الذي قد يأخذ منحى كارثيا يسعدهم ويفيدهم. ربما، ولكن علينا أن نعي أن لن نكون بمنأى عن تداعيات التراجع حيث فقدان التوازن بالشكل الدرامي المرتقب لن يساهم في نشر الاستقرار والآمان في العالم. ربما ذلك الأمر يشكّل حافزا للإسراع في ترسيخ نظام عالمي جديد يكون بمنأى عن التقلّبات التي قد تصيب الدول الكبرى بسبب الغرور والحماقة. مثل الولايات المتحدة أمامنا فهل من يعتبر؟

 



 

 

 

http://www.alkhaleej.ae/App_Themes/news/images/general/plainline.jpg

 

 

 

العودة لصفحة المقالات