Articles                   >>  

 

 

المعركة شبه الصامتة بين واشنطن والرياض
محمد قواص - الحياة
  

 

لن تستطيع واشنطن تمرير صيغتها التسووية دون موافقة الرياض وحلفائها. وإذا ما كان الميدان السوري مناسبة حوار بين واشنطن وطهران، فهو في الوقت عينه مناسبة وضع النقاط فوق الحروف بين الرياض وواشنطن.

محمد قواص

ترفضُ الرياض مقعدا داخل مجلس الأمن. المسألة سابقة في تاريخ منظمة الأمم المتحدة، لكنها سابقة في تاريخ ومنهج الدبلوماسية السعودية. في الموقف السعودي العاتب على المجتمع الدولي رائحة توتر في علاقات الرياض مع واشنطن. في الموقف السعودي رائحة تصعيد أو، على الأقل، بداية سلوك جديد للإدارة السعودية في مقاربة شأنين أساسيين: إيران وسوريا.

العلامات الأولى للمزاج السعودي الجديد ظهر قبل أسابيع في نيويورك حين رفضت السعودية، لأول مرة في تاريخها، إلقاء خطاب أمام الاجتماع السنوي للأمم المتحدة. جاءت المفاجأة السعودية متواكبة مع عرس التواصل الأميركي- الإيراني من خلال المكالمة الهاتفية الشهيرة بين الرئيس الإيراني حسن روحاني والرئيس الأميركي باراك أوباما.

والعلامة الثانية جاءت في اهتمام الإعلام الدولي بخبر عاجل يُفيد برفض السعودية المقعد غير الدائم في مجلس الأمن، والذي حصلت عليه بانتخابات مريحة. الأمر أثار لغطا ولبسا، فيما سال حبر كثير في تفسير الانعطافة السعودية.

وحتى من اعتبر الأمر مناورة سعودية قد يتم التراجع عنها، رأى في ردّ الفعل السعودي سابقة لا تتسق مع مسارات دبلوماسية الرياض الكلاسيكية. السعودية غاضبة من حلفائها قبل خصومها (وبالتحديد من الولايات المتحدة)، لاسيما في ملف سوريا، بحيث باتت المنظمة، بسبب ضعفها وتناقضاتها الداخلية، سببا في استمرار المجزرة في سوريا.

تختزل المنظمة الأممية الكارثة السورية في ملف الأسلحة الكيماوية. وطالما أن اتفاقا روسيا أميركيا قد أثمر حلا لتلك المسألة، فإن المنظمة في نيويورك تكتفي بوقف القتل الكيماوي وتأنسُ بلادةً للقتل التقليدي، فيما لا يرى السوريون سوى أنه تعددت الأسباب والموت واحد.

يتعامل المجتمع الدولي مع المسألة السورية بصفتها ملفا أمنيا يقلق إسرائيل، فيما يعمل الروس والأميركيون على إغلاق ذلك الملف من خلال تفكيك الترسانة الاستراتيجية الكيماوية التي بنيت أساسا لتكون نداً استراتيجيا ضد السلاح النووي الاسرائيلي. في الأثناء تتالى التصريحات مشيدة بتعاون النظام السوري. في الأثناء يُعاد تعويم النظام ورئيسه كبديل حتمي ضد القاعدة وأخواته، على ما يسهب بشار الأسد هذه الأيام في التلميح له مع وسائل الاعلام الدولية والمحلية.

في مباحثات وزير الخارجية الأميركي جون كيري ونظيره السعودي سعود الفيصل الأخيرة في باريس مبارزة بين حليفين. تلقت الإدارة الأميركية رسالة الرياض في نييورك (التي للمفارقة اللافتة أثارت امتعاض موسكو). لا تستطيع واشنطن تعميق الخلاف مع الرياض وحلفائها الخليجيين. الولايات المتحدة تعاني من توتر في علاقاتها مع مصر، وبرودة في علاقاتها مع العراق (لصالح ايران)، وهي تتنافس على النفوذ مع روسيا في المنطقة، وهي لا تنعم بارتياح فلسطيني اسرائيلي، ناهيك عن صبيانية مقارباتها للربيع العربي هنا وهناك.

أضحت الولايات المتحدة، من خلال اتفاقاتها التسووية مع موسكو بشأن المسألة السورية، متصلة بفريق النظام وحلفائه (عبر موسكو)، غير ممسكة بالطرف الآخر من خيط الحلّ وهو المعارضة. بالمقابل، تتحكم السعودية بعلاقات متقدمة مع الائتلاف الوطني السوري والجيش الحر، وتتمتع الرياض بشبكة اتصال كبرى مع الفصائل الميدانية في الداخل، وهي بما تملك داخل صفوف المعارضة قادرة على التأثير مباشرة على نجاح أو فشل جنيف2، طالما أن الولايات المتحدة حشرت نفسها بهذا الخيار الوحيد.

في المسألة السورية، لا تهتم واشنطن بآبار النفط أو باحتياطات الغاز. ولا تهتم واشنطن بمناجم اليورانيوم أو الذهب. ولا تهتم واشنطن بخطوط المواصلات الاستراتيجية الكبرى مع العالم. فكل ذلك غير متوفر في سوريا، وهي بهذا المعنى لا تمثل عجالة تمّ التعبير عنها في السابق في حالات أفغانستان والعراق وليبيا ومالي.. الخ، وهي بهذا المعنى تفسّر حالة التردد والتمهل والتلكؤ التي قاربت بها واشنطن (وكل الغرب) الوضع السوري.

ما تهتم به واشنطن هو ما تشكّله سوريا من خطر على أمن اسرائيل. في بدايات الحراك السوري تأثّرت الإدارة الأميركية بتقارير إسرائيلية وبجهود اللوبي الإسرائيلي لديها، من دفاع عن النظام السوري كونه الأجدر، كما ثبت خلال عقود، على حماية أمن إسرائيل، على جبهة الجولان على الأقل. ثم من خلال قدرة إسرائيل على تدمير أي اختراق للستاتيكو التسليحي السوري. فتم بسهولة ضرب أي محاولات سورية للارتقاء بمستوى التسليح إلى ما هو غير مسموح (سواء من خلال تدمير إنشاءات نووية سورية أو ضرب مخازن أي أسلحة نوعية أو تعطيل نقلها نحو حزب الله في لبنان).

ولئن كان الموقف الإسرائيلي غير واضح إزاء التغيير في سوريا، على الرغم من التصريحات المهاجمة للنظام، ولئن كانت إسرائيل مرتاحة لتفكيك أهم سلاح استراتيجي (كيماوي) ضدها في سوريا، بيد أن سوريا الراهنة لم تعد، مع ذلك، مصدر استقرار أمني بالنسبة لإسرائيل. الفوضى والعبث والعدمية ينتج وقائع ميدانية عصية على الفهم والتوقع بالنسبة لدولة اشتهرت بكرهها للمفاجآت.

الولايات المتحدة تسعى (بالتواطؤ مع موسكو) من خلال جنيف2 إلى إيجاد صيغة ترتاح لها إسرائيل. صيغةٌ تحافظ على هيكلية معينة للنظام وتخلطه بهيكلية معينة للمعارضة. وإذا ما كانت المعارضة غير معنية بالمرامي الأميركية ما فوق السورية، فإن النظام ورئيسه يجيدان التقاط الإشارات وتقديم المتوفر (بما فيها عدم استبعاد الأسد ترشحه عام 2014).

لن تستطيع واشنطن تمرير صيغتها التسووية دون موافقة الرياض وحلفائها. وإذا ما كان الميدان السوري مناسبة حوار بين واشنطن وطهران (وبحث إمكانات مشاركة إيران في التسوية)، فهو في الوقت عينه مناسبة وضع النقاط فوق الحروف بين الرياض وواشنطن (بما فيها رفض مشاركة طهران). المعارضة السورية، وحتى تنضج الطبخات السعودية الأميركية، غير موافقة على المشاركة في جنيف2 طالما أنه لا يؤسس لرحيل الأسد (مؤتمر أصدقاء سوريا منذ يومين في لندن أكد الأمر من جديد، وأن لا مكان للأسد في سوريا المستقبل).

يشعر الطرف الأميركي أن الطبخة الوحيدة التي أجاد الخروج بها تُقابل ببرودة قد تحيلها عدما من قبل المعارضة السورية والأطراف الإقليمية الأخرى (في مقدمها السعودية). تشعر واشنطن أنها باستبعاد الخيار العسكري كحل محتمل للأزمة السورية، صارت بيدقا يُلعب به في الملعب الروسي. وإذا ما لعبت موسكو دورها كاملا في تقديم السلاح الكيماوي السوري للأميركيين، تسعى واشنطن بعجز إلى لعب دورها كاملا في تقديم المعارضة السورية وحلفائها وقودا لجنيف2. فجأة تدرك واشنطن أنها في تلك اللعبة الساذجة تحرق أوراقها وتخسر حلفائها وتفقد نفوذها في منطقة لم يعد معتدلوها يعتبرون الولايات المتحدة صديقا.

نعيش كل دقيقة هذه الأيام زمن التسويات في المنطقة. فمفاتيح المعضلة السورية تتوزع في كل أرجاء المنطقة. إيران تعتبر المفصل السوري مؤسسا لحكايات المرحلة المقبلة، تركيا تعتبره محددا لسياستها الإقليمية، الرياض والخليج تعتبره أساسا لميزان القوى القادم، بينما واشنطن وموسكو يتأملانه منطلقا لنظام دولي جديد.

صحافي وكاتب سياسي لبناني



 

 

 

http://www.alkhaleej.ae/App_Themes/news/images/general/plainline.jpg

 

 

 

العودة لصفحة المقالات