HEAD عبور 30 يونيو الشعبي: حين يصحّح الشعب ثورته

عن بشور
 
 


1/7/2013

 أيّاً تكن النتائج السياسية المباشرة "لعبور" 30 يونيو الشعبي في مصر، فإن الملايين التي ملأت ميادين مصر وساحاتها والشوارع، ومدن مصر ومراكزها والنجوع، قد حسمت مسألتين رئيستين في النقاش التي أفتتح بين النخب الثقافية والسياسية والإعلامية في أعقاب ما يسمى "بالربيع العربي"، وتحديداً بعد الانفجار الثوري الضخم في مصر يوم 25 يناير 2011.

المسألة الأولى: تتعلق بطبيعة هذه الحراك، وما رافقه من تغيرات وتحولات، حيث انساق البعض مستغلاً بعض الظواهر السلبية التي رافقت هذا الحراك، لتتهمه بأنه في الأساس "تدبير" استعماري مشبوه لتنفيذ مخططات صهيونية مدبّرة مجدداً استخدام نظرية المؤامرة التي أدى الإكثار من استخدامها إلى خدمة المتآمرين الحقيقيين، في تمرير "مؤامرتهم" الحقيقية على غرار ذاك الراعي الذي أراد أن يمازح أهل قريته، فكان يصيح: "الذئب.... الذئب"، فيسارعون إلى نجدته فلا يجدون الذئب بل الراعي ضاحكاً هازئاً بهم، فلمّا أتى الذئب فعلاً صرخ الراعي فلم يستجب أحد للنداء.

والعديد ممن انزلقوا إلى هذا "التفسير المؤامراتي" كانوا في الأساس مشككين بالشعب العربي نفسه، متساءلين بمرارة ساخرة عن دوره في لحظات مصيرية دقيقة، بل أن العديد منهم أصمّ أذنيه في وجه مطالب شعبية مشروعة مما أدّى إلى احتقان شعبي كبير، فانفجار، نجح أعداء الشعوب، محليين وأجانب، في مصادرته واستغلاله وتجويفه وتحويله باتجاهات معاكسة للإرادة الشعبية السليمة.

لقد حسمت ثورة 30 يونيو 2013، أو الموجة الثانية لثورة 25 يناير 2011، الأمر تماماً، حين أكّدت أنه حين يمسك الشعب بزمام أموره، وهو ما حصل فعلاً في 25 يناير، فإن أحداً، مهما بلغ من القوة والسطوة، يستطيع أن يصادر إرادته أو مسيرته.

لقد خرج المارد الشعبي من القمقم، ومن المستحيل إعادته إليه، خصوصاً حين يكون هذا المارد بحجم مصر وثقلها ومكانتها وموقعها، وحين يصرّ هذا المارد على سلمية حركته، رافضاً الانجرار إلى كل محاولة تسعى إلى "عسكرته" أو "تطييفه" أو استدعاء التدخل الأجنبي، وهو إصرار ينبغي أن يكون موضع دراسة كل المعنيين بحركة التغيير في الأمّة.

إن ثورة 30 يونيو قد أكّدت أن ما من أحد يحصّن الثورة إلاّ شعبها، وأن من يكسر حاجز الخوف يوماً إنما يكسّره كل يوم.

أما المسألة الثانية: التي حسمتها ملايين 30 يونيو البشرية فهي تلك الأوهام التي وقع فيها كثيرون ينتمون إلى هذا التيار أو ذاك، إلى هذا الحزب أو ذاك الفصيل، أنه بإمكان أحد أن يستأثر بسلطة، أو يقصي شركاء آخرين، أو يستحوذ على مقدرات بلد أيّاً كانت الوسائل المعتمدة أو الدعاوى التي يتستر بها.

لقد كنا في المؤتمر القومي العربي نواجه بأبواب مغلقة، وآفاق مسدودة، في كل المحاولات التي أجريناها منذ مطلع هذا العام، من أجل إيجاد سبل لإخراج مصر من مأزق تعيشه، وحملنا اقتراحات معقولة ومحدّدة قدّمها الأخوة المصريون من أعضاء المؤتمر، وعلى رأسهم الأستاذ حمدين صباحي، لكننا كنّا نلاحظ أنه رغم المجاملة الشكلية التي كنا نُستقبل بها، انعدام الرغبة، وربما القدرة، على اتخاذ قرارات جريئة تعالج الأزمة.

وكانت ذروة ذلك التصعيد، أن مكتب الرئيس مرسي قد اشترط تغييب بعض أعضاء الأمانة العامة من المصريين عن اجتماعه مع الأمانة العامة للمؤتمر الذي كان منعقداً في القاهرة في مطلع حزيران/يونيو 2013، فاعتذرت الأمانة كلها عن اللقاء، لأنها لا تستطيع أن تسمح لأي جهة أن تقرر طبيعة الوفد الذي يمثلها، كما لأنها شعرت بنوع من الاستعلاء لا يخدم فكرة الحوار بين الحكم والمعارضة الذي كنا نسعى إليه.

كل هذه المحاولات "العقيمة" أثبتت أن من يحكم مصر مقتنع أنه يمثل أكثرية المصريين، وأن لا داعي لائتلاف، دعونا إليه منذ انتخاب الدكتور محمد مرسي، يصون الثورة ويحقق المشاركة، بل مقتنع أن نسبة الواحد بالمائة التي فاز بها الرئيس مرسي على منافسه كافية لإدارة الظهر لقوى شاركته وإخوانه في النضال ضد النظام السابق، وشكّلت معهم معظم أطر المعارضة الوطنية المصرية.

ملايين 30 يونيو جاءت بالأمس لتسقط تلك النظرة المتعالية على الآخرين، والروح المستحوذة على السلطة، والتعامل ألإقصائي مع شركاء الوطن، ولتؤكّد أن لثورة 25 يناير شبابها يحمونها برموش عيونهم.

ولكي يكون الدرس شديد الوضوح أيضاً، كانت صور جمال عبد الناصر مرفوعة في كل مصر، من أسيوط وسوهاج في الصعيد حتى ميدان التحرير وقصر الاتحادية في القاهرة، ومن ميدان القائد إبراهيم في الإسكندرية، إلى الساحات في بور سعيد والمنصورة، وغيرها وغيرها..، وكانت الأصوات تصدح بأناشيد الزمن الجميل، مما أثار الرعب في قلب أعداء الأمّة من تل أبيب إلى واشنطن مروراً بعاصمتي عدوان 1956، لندن وباريس، فيسأل موقع "الويبكا" الوثيق الصلة بالموساد الإسرائيلي: أي مصر يمكن أن تخرج من هذه التطورات".

أنها مصر الأمينة لعروبتها وإسلامها، للحرية والعدالة والكرامة الإنسانية، مصر المخلصة لثورتها، لوحدتها الوطنية، لتنميتها المستقلة، لأمنها القومي، لتراثها الحضاري، لفقرائها الشرفاء، لقواتها المسلّحة الباسلة، المتمسكة بعلم وحدتها مع سوريا عام 1958، العلم الذي حمله يوماً جمال عبد الناصر واستبدله قبل أسبوعين محمد مرسي بعلم الانتداب الفرنسي.

 

 

 
  Back to top