مقالات                   >>  
HEAD مصر: هي فوضى

محمد قواص
 
 


آراء 12 July 2013

http://www.alarab.co.uk/?p=51927

يفصحُ لنا الحدث المصري عن لا نهائية حراك المنطقة منذ اللحظة البوعزيزية في تونس. وتكشف ميادين مصر عن عرضية المواقف الإقليمية والدولية ووهنها إزاء تطورات ترتجلها الشوارع فتتصدّع مسلّمات وقواعد في السياسة والفكر حكمت العالم منذ القرن الماضي.

تُمعن واشنطن في التخبط والغموض، وترتبك إدارة البيت الأبيض في مصر بين سفيرة مؤيدة للشرعية ولا تفهم مظاهرات المعارضة، وبين اعترافات الرئيس أوباما الخجولة من أن محمد مرسي لم يكن ديمقراطيا. تقدم الولايات المتحدة دليلا آخر على عجزها عن صناعة الأحداث، وعلى هرعها لركوب الأمواج والتطوّع في لعبة لا تسيطر على شروطها.

ترتعبُ الولايات المتحدة من فكرة انتفاضة الشارع على النظام في مصر. لم تصدّق أن ينهارَ نظام حسني مبارك بهبّة شعبية، ولا تريد أن تصدّق أن الشارع أطاح بنظام محمد مرسي من بعده. تقلقُ واشنطن من حقيقة أنها قد لا تعود راعية للأنظمة في المنطقة، وفي مصر خصوصاً، رغم العلاقات والمعونات وكامب دايفيد.

ليس صحيحا أن الولايات المتحدة تأنسُ لتلك الفوضى التي ما برحت أنواؤها تقضّ مضجع يوميات المنطقة برمتها. لم تعد تلك الفوضى خلاقة بالنسبة للإدارة الأميركية. فواشنطن، وإن كانت اعتادت على ترتيب المنطقة ما بين معتدلين، ترتاحُ لهم ،ومتطرفين، تتعامل معهم، فإن العبثَ الراهن يسبب اضطرابا، يحيلها متفرجا على مباراة لا تلعب بها ولا تؤثر على حكّامها.

أطاحت الولايات المتحدة عسكريا بـ شرعيات قامت في أفغانستان والعراق وقبلها في يوغسلافيا السابقة ودول كثيرة أخرى (بغض النظر عن رأي الغرب، ورأينا، بتلك الشرعيات طالما أن الأمر وجهة نظر). لم يرف للأميركيين جفنٌ في الإطاحة بحكومة مصدّق في إيران وإعادة الشاه حاكما في خمسينيات القرن الماضي. ولم تُخفِ الولايات المتحدة دعمها للإطاحة بالرئيس التشيلي المنتخب سلفادور أليندي لإقامة ديكتاتورية عسكرية بقيادة بينوشيه عام 1973، والأمثلة تطول. في عُرف ذلك لم تشعرْ واشنطن أن الشرعيات التي تفرضها تُربك قواعد حقوق الإنسان وأصول العمل الديمقراطي الحديث، وهي في تخبطها الإيديولوجي والإستراتيجي الراهن تتلعثم وتتعثر وتضيع خطواتها، ثم ترتجل سلوك الهواة في مقاربة شؤون المنطقة (واشنطن بوست: مؤيدو ومعارضو الإخوان يعتقدون أن الولايات المتحدة تتآمر ضدهم).

واشنطن قلقة على الشرعية في مصر، تراقب ما يجري وهي تدرس ما إذا كان الأمر انقلابا عسكريا. وفي ادعاء التأني جنوحٌ نحو قياس رياح التغيير وتناسبها مع المزاج الأميركي ومصالحه. فأن تجدَ واشنطن في الأمر انقلابا من عدمه، شبيه في أن تجد أو لا تجد أن النظام السوري استخدم أسلحة كيماوية (رغم تأكيد الحليفين في باريس ولندن ذلك). الأمر منوط بمصالح واشنطن وأنانية مراميها في تأكيد المؤكد أو نفيه (أو الترويج قبل ذلك لأسلحة دمار شامل غير موجودة في عراق صدام حسين).

كشفت الولايات المتحدة عن صبيانية غريبة في التعامل مع استحقاقات المنطقة. راحت تبارك تسونامي الإسلام السياسي القافز نحو الحكم هنا وهناك. تفتقت عبقرية الخبراء في أروقة القرار عن اندفاع لرعاية الإخوان المسلمين في توق للإمساك بمن أمسك بالسلطة هنا وهناك.

قيل في واشنطن، في العلن، أن الأمر احترام لإرادة الناخبين. وقيل، في الخفاء، أن الاخوان في الحكم سيمتصون جهادية الإسلاميين ويسحبون البساط من تحت القاعدة وأخواتها.

في ظل الارتجال الأميركي- الإخواني فقدت واشنطن سفيرها في ليبيا، وراج حراك الجهاديين في سيناء. في ظل ذلك الارتجال شكت واشنطن من صعود الجماعات في سوريا، واندفعت حليفتها فرنسا تكافح القاعدة وفروعها في مالي. في ظل الارتجال الأميركي- الإخواني راح التونسيون كما المصريون يراجعون كل يوم مآلات ثورتهم ويفصحون عن تمرد على ورش نشطة لمصادرة الياسمين التونسي والربيع المصري من أجل خريف لا تتعاقب الفصول من بعده.

الإسلام السياسي الحاكم في مأزق. إيران لا تقبل بالـإنقلاب على الشرعية، فيما إعلامها ينقل من رابعة العدوية أحوال الإخوان الغاضبين وشؤونهم. تركيا أيضا غاضبة ترعى مظاهرات لدعم مرسي، فيما التركية (الفضائية) لا تجدُ في مصر إلا شخصيات إخوانية لشرح الملابسات المصرية. قطر ترى أن الجيش قد انحاز للشعب وتباركُ ذلك، فيما جزيرتها تَسقط ُ بشكلٍ مدوي في انحيازٍ يائس دفاعاً عن مشروع معزول، فيلفظها المصريون ويمقتون عشرتها.

مفارقة أن تلتقي أنقرة وطهران على رفض بيان السيسي ونتائجه. مفارقة أن تلتقي دمشق والرياض على الترحيب به. مفارقة أن تدافع إيران وتركيا عن الإسلام السياسي بينما يرى الأسد أن الحدث يمثّل سقوطاً للإسلام السياسي. مفارقة أن تتحمس قوى الاعتدال في المنطقة لصالح عزل مرسي ولو بأدوات عسكرية لطالما لم ترتح لها (لاحظ الدعم المالي الكبير والعاجل الذي أعلنته دول خليجية لمصر). هي فوضى استشرفها الراحل يوسف شاهين قبل سنين، هي فوضى مصدرها صناعة محلية لحدثٍ تلقته المنطقة والعالم دون استئذان، هي فوضى تعكسُ حاجة لترتيب أمور البيت من قِبل أهل البيت، هي فوضى تسعى لإعادة التوازن لمصر منذ أن تسابق الجميع على إعادة اختراع بلد عمره أكثر من سبعة آلاف عام.

يلحظُ المراقب حيوية الجدل المصري الداخلي وكثافته (لاسيما في نقاش تفاصيل الإعلان الدستوري وقبوله ورفضه والتحفظ عليه من قبل كافة الفرقاء، ولاسيما في تداول وإعادة تداول أسماء المرشحين لرئاسة الوزراء قبل تعيين حازم الببلاوي). المصريون يتحرون بناء دولة مدنية عصرية حديثة. تولى الجيش الالتحاق بزحف بشري قيل أنه الأكبر في تاريخ البشرية. ويعرف العسكر محدودية هامش الحركة بحيث يصبح حكم العسكر أمرا محالا لا يشتهيه العسكرُ أنفسهم. انقلب المصريون على خيارهم السابق في انتخاب مرسي وتسليم الإخوان شؤون الحكم. أي انقلبت الشرعية الكبرى على الشرعية الصغرى. انقلبت مصر على من أراد تجريدها من مصريتها.

لن يكون المخاض المصري يسيرا، ولن يمر العلاج الجذري الكبير دون أعراض جانبية خطيرة قد تشهدها شوارع مصر. وقد تشترط السيطرة الأمنية على سيناء امتداد التغيير إلى قطاع غزة. على أن موسم الفوضى يكشفُ المستور ويميط اللثام عن مكنونات اللاعبين (جدير تأمل السجال بين الأزهر والقرضاوي). منهم من تذرع بالديمقراطية ليشهرَ مظلومية، ومنهم من تذرع بالديمقراطية للتبشير بعقمها والدعوة للعودة إلى الظلمات، ومنهم من تمرد على ديمقراطية النكاية بالفلول من أجل ديمقراطية تروي حدوثة مصرية أخرى.

 
 

العودة لصفحة المقالات