مقالات                   >>  
HEAD
الفراغ والتعطيل يزحفان ليحتلا مفاصل الدولة في لبنان

سلامة كيلة

الفراغ والتعطيل يزحفان ليحتلا مفاصل الدولة في لبنان

19 July 2013

بعد استقالة حكومة نجيب ميقاتي في 22 آذار، جرت المشاورات الملزمة على عجل وفي السادس من نيسان تم تكليف النائب تمام سلام بتشكيل حكومة جديدة بعد حصوله على شبه إجماع نيابي لافت: 124 نائبا من أصل 128 ولكن تشكيل الحكومة كان أمرا متعذرا حتى الآن، واستمر وزراء الحكومة المستقيلة في تصريف الأعمال.

وحيث تعذر على مجلس النواب التوصل إلى إقرار قانون انتخابي جديد ضمن المهلة المطلوبة، وقبل انتهاء ولاية المجلس القديم، قضت فتوى سياسية بامتياز بالتمديد للمجلس القديم مدة سبعة عشر شهرا تعتبرها القوى السياسية النافذة كافية لإنتاج قانون انتخابي جديد. غير أن استحقاقات عديدة تنتظر تشكيل الحكومة يبقى التكهن بمستقبلها غير دقيق.

أضيف إلى ذلك واقع قوى الأمن الداخلي حيث تعاني من شغور واسع على مستوى القيادة. هذا إضافة إلى آلاف الوظائف الشاغرة على مختلف المستويات.

غير أن ما يثير الدهشة هو تعطيل المجلس الدستوري الذي دُفع أمامه بالطعن على قانون التمديد لمجلس النواب من قبل رئيس الجمهورية والتيار الوطني الحر بزعامة الجنرال ميشال عون. هذا التعطيل الذي وصفه نائب عن حركة أمل في البرلمان بأنه أنقذ البلاد. كل هذا الفراغ المؤسساتي مرده إلى خلافات كبيرة بين القوى السياسية النافذة في النظام. ولكن، ما هي جذور هذه الخلافات وما هو مدى استعصائها؟

لنعرف ذلك لا بد أن نتخطى الصورة السطحية وأن ننفذ إلى الجذور الحقيقية للمشكلة والتي تقع في جوهر النظام السياسي- الاقتصادي الحاكم. حيث يتشكل النظام في لبنان بالأساس، وفوق المؤسسات الدولتية المعروفة، من قوى سياسية مافيوية تعتمر العمامة الطائفية وتشكل امتدادات عضوية في تبعيتها للقوى الإقليمية والدولية النافذة. بحيث تتجسد تبعيتها على مختلف المستويات: ابتداء من المال والاقتصاد والإيديولوجيا وليس انتهاء بالسياسة والأمن. وهذا في حد ذاته يمثل وجها أساسيا من وجوه أزمة النظام المافيوي التبعي بحيث تتحدد وظائف مؤسسات الدولة كافة بناء على ميزان القوى الداخلي الذي يخضع لميزان القوى الخارجي. فيتحدد متى ينبغي تفعيل دور المؤسسات ومتى ينبغي تعطيلها بناء على مصالح قوى وأنظمة خارجية وليس بناء على مصالح داخلية.

ومن بين جميع القوى السلطوية التي تشكل نظام سيطرة الطبقة المافيوية في لبنان، استطاع حزب الله منفردا أن يحتفظ لنفسه بهامش عريض للمناورة من خارج السلطة، إلى جانب اختراقه وإمساكه لمفاصل أساسية فيها يجعلها تعمل لصالحه. كان هذا ضروريا لمشروعه السياسي المرتبط أساسا بنظام ولاية الفقيه في طهران خصوصا بعد تراجع دور النظام السوري بعد اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري.

وهنا تتفاقم أزمة النظام بسبب هذا الخلل الكبير الذي ضرب التوازن بين أطرافه لمصلحة حزب الله. وحيث أن تعزيز دور هذا الحزب خارجيا بدون أن يتأثر جديا موقعه في السلطة يقضي أن تتعطل المؤسسات، فإنه ومنذ تعقد الوضع السوري، بدأ بالفعل في اتباع كل السبل التي من شأنها تعطيل مؤسسات الدولة وشلها إلى حدود قصوى، دون أن تسقط. كونها تبقى الغطاء الشرعي لما يقوم به كمافيا سلطوية إلى جانب كونه ذراعا سياسية وعسكرية وأمنية لمشروع ولاية الفقيه في المنطقة.

أما قوى النظام في الموقع المقابل، والتي ليس لها هامش المناورة ذاته، فقد اعتادت أن تستعين بقوى أخرى تتذيل لها أو تدور في فلكها لممارسة المناورات المطلوبة في أوقات محددة ثم تستغني عن خدماتها عند انتهاء المهمة. غير أن بعض هذه القوى الظرفية بدأ يستحوذ على دعم إقليمي مباشر وكبير منذ تحول الصراع في سوريا إلى صراع مسلح، متخطيا دور القوى النافذة محليا ما شكل مشكلة وهاجسا لهذه الأخيرة. ولكن هذا الدعم يبقى في حدود تجعلها تحت السيطرة كما حصل في حالة الشيخ أحمد الأسير.

وهنا يمكن أن نفهم حقيقة سياسة النأي بالنفس عمّا يجري في سوريا وكيف اخترقت بهذا القدر من قبل حزب الله بدون أن تتأثر مكانته في السلطة.

فحكومة نجيب ميقاتي التي يشارك فيها حزب الله وحلفاؤه بقوة، أعلنت منذ سنتين سياسة النأي بالنفس حيال ما يجري في سوريا. ولكنها لم تعلن ذلك لحماية مصالح اللبنانيين ولا السوريين، بل لأنها غير قادرة على اتخاذ موقف خاص بلبنان يعبر عن مصالحه الوطنية، فلجأت إلى هذه السياسة التي تشبه دفن الرؤوس في الرمال وهي تدرك أنه لا يمكنها منع أي من أشكال التدخل على جانبي الحدود مع سوريا. وكنا قد شهدنا منذ الأشهر الأولى وسمعنا صيحات القوى السلفية التي يحركها تمويل إقليمي وأجهزة إقليمية تدعي دعمها للثورة السورية، كما شهدنا استعراضات فلكلورية لتدخل هذه القوى في ريف حمص تحولت إلى مأساة بعد عودة جثث ما يقرب من عشرين شابا زج بهم على عجل في ساحة صراع مسلح لا قبل لهم به لا من حيث التدريب ولا من حيث الخبرة القتالية، كل ذلك من أجل حصول مشايخ وعلماء السلفية في الشمال ورعاتهم الخارجيين على مزيد من الدعم المالي والسياسي والإعلامي.

وهنا لا بد من التمييز بين تدخل هؤلاء غير المنظم والمفتقر إلى كل شيء تقريبا سوى الأيديولوجيا السلفية، وبين تدخل حزب الله المنظم عسكريا ولوجستيا والذي لا يشبه سوى تدخل عسكري لدولة كبرى من حيث التنظيم والتسلح والخبرة القتالية.

لقد كان إسقاط حكومة ميقاتي وتعثر تشكيل حكومة سلام وتعطيل المؤسسات بما فيها التشريعية والقضائية والأمنية، ترجمة سياسية لاختلال ميزان القوى الداخلي بين قوى النظام المافيوية من جهة، وتعمدا مقصودا لهذا الفراغ الكبير في مؤسسات السلطة لإعطاء حزب الله وحلفائه فرصة واسعة لتنفيذ مطالب بشار الأسد في التخلي عن سياسة النأي بالنفس والانخراط الكامل إلى جانب النظام في سوريا في حربه على الثورة والكتائب المسلحة التي تعمل في إطارها من أجل إسقاطه.

 

http://www.alkhaleej.ae/App_Themes/news/images/general/plainline.jpg

 

العودة لصفحة المقالات