hd

خاص دار بابل

 
 

المقـــاومة العراقيــــة - مسار جديد للتاريخ

الهيئة العراقية للاستشارات والبحوث

25 أيلول 2006 

المشهد الأول

الســــــلاح المهـــــان

اخذ الجيش الأمريكي يعيد النظر بضوابط وشروط قبول الراغبين بالانتماء إليه وذلك بتخفيف هذه الضوابط والشروط بسبب عزوف الأمريكيين عن الانتماء إليه. فقد قرر قبول الذين تجاوزوا سن الأربعين من العمر وقلل من شروط اللياقة البد نية ووعد الذين ينتمون إليه بفترة خدمة اقل مما كانت في السابق ومنحهم مزيد من المخصصات المالية ,واخذ يمنح كل من يستطيع إقناع أخر بالانضمام إليه مكافئة مالية .كان من المفروض أن يقوم الجيش الأمريكي بتشديد ضوابط وشروط الانتماء إليه لتحسين أداء جنوده الذين هرب مالا يقل عن خمسة ألاف وخمسمائة جندي منهم حسب إحصائيات بعض الأوساط الأمريكية التي أخذت تنشر مثل هذه الإحصائيات على الرغم من تكتم البنتاغون عليها . وتضيف هذه الأوساط أن أكثر من اثني عشر ألف جندي أمريكي قد قتلوا في العراق وأصيب أكثر من خمسة وعشرون ألف آخرين بإصابات خطيرة وان عدد كبير منهم قد انتحر وآخرين يتم علاجهم بالأدوية المهدئة والمخدرات بينما تدفع الاضطرابات النفسية آخرين إلى قتل المدنيين العراقيين والى قتل زملائهم والى اقتراف جرائم مختلفة . فهذا الجيش الذي تم إعداده لمواجهة دول المعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفيتي السابق والصين الشعبية ودول أخرى مرة واحدة في حالة نشوب حرب بين هذه الدول وبين الولايات المتحدة الأمريكية ,اخذ ينهار بعد ثلاثة سنوات من المواجهات الدامية على يد المقاومة العراقية على الرغم من إن هذه المقاومة تواجهها ظروف صعبة لم تواجه أي مقاومة أخرى في العالم وعلى مر التاريخ . فلا توجد دولة بإمكانها أن تعلن صراحة دعمها لها بما في ذلك دول جوار العراق التي قامت بإغلاق حدودها بسبب التهديدات الأمريكية لها . ولا توجد وسيلة إعلام تتحدث عنها ولو بشكل حيادي. وصعوبة حصولها على السلاح مما جعلها تعتمد على نفسها بالدرجة الأولى بتصنيع الأسلحة التي تحتاجها وصعوبة حصولها على الدعم المالي ومحاولات تشويه هويتها الوطنية وإمعان أعداؤها في استخدام أبشع أساليب القتل والتدمير ضدها وعن طريق تشريع قانون خاص يتضمن توجيه عقوبة الإعدام لكل من يتعاون معها أو يروج لأفكارها أو يتداول منشوراتها أو يسمع أناشيدها أو يحمل صور رموزها وشمل هذا القانون مناطق بكاملها وصفها بالحاضنة لها وإجبار العالم على وصفها بالإرهاب الذي تشن الولايات المتحدة وحلفاؤها حرب عالمية ضده .وبهذا تكون المقاومة العراقية تقف بمواجهة دول خصصت كل جهدها العسكري وال استخباراتي والإعلامي لهذه المواجهة . وبعد مرور أكثر من ثلاثة سنوات تحرز المقاومة العراقية انتصارات رائعة على صعيد تأكيد وجودها الذي ينكره بوش وعلى صعيد إفشال المشروع الأمريكي الخاص بالشرق الأوسط مما يعطيها الدور الريادي في إنقاذ بقية الدول من العدوانية الأمريكية . 
لقد اضطر الجيش الأمريكي إلى الاستعانة بمليشيات الأحزاب الطائفية والتشكيلات العسكرية التي قام بإنشائها في العراق بعد الاحتلال والتي يبلغ تعدادها حوالي مليون مسلح واستعان بعصابات مختلفة شكلها هو أو قام باستقدامها من بعض الولايات الأمريكية مثل عصابات شيكاغو للقيام بعمليات خاصة ضد المقاومة في العراق إلا انه فشل في القضاء عليها. وكانت النتائج التي تتحقق على الأرض هي اتساع حجم هذه المقاومة واشتداد هجماتها كلما اشتدت المواجهة .إلى درجه جعلت بوش يطلب شخصيا عدم التقاط أو نشر أية صور لنعوش الجنود الأمريكيين العائدة من العراق وقراره بعدم حضور أي حفل تأبيني لجنوده القتلى خشية من أن يهاجمه أقارب الجنود أمام أجهزة الإعلام. كل هذا دفع بعض المهتمين الأمريكيين إتباع أساليب سرية للحصول على المعلومات الصحيحة عما يحصل لجيشهم في العراق مثل إحصاء قوائم الشحن والنقل الخاصة بوحدات النقل العسكري الجوي لمعرفة أعداد الجنود الأمريكيين الذين تم نقلهم إلى قاعدة(دو فر)الجوية بعد قتلهم أو إصابتهم في العراق وقد لجاء هؤلاء إلى الأساليب السرية لأنهم أيقنوا أن إدارتهم تكذب عليهم وتتعمد تشويه الحقائق من اجل خداعهم وخداع العالم. 
إن المقاومة العراقية تواجه اليوم تحالف دولي قوامه ستة وعشرين دولة تقوده الولايات المتحدة الأمريكية صاحبة الجيش الذي لم يشهد التاريخ جيشا بقوته وتواجه قوى محلية من مئات الآلاف من القوى المسلحة وضعت في خدمة أهداف الاحتلال وتحت قيادة المحتلين وقوات ألـ (أف بي أس) وشركات الأمن الخاصة وفرق موت غاصت في أعماق التاريخ لكي تتفنن في طرق الذبح والتمثيل بالجثث وتقطيع الأوصال وثقب الأجساد وممارسة التعذيب الوحشي والاغتصاب الجنسي والانتقام من العوائل بنسف البيوت وهدمها على رؤوس سأكنيها والمداهمات التي لم يعرف التاريخ لها مثيلا ليضاف كل هذا إلى سجل الجيش الأمريكي المخزي . 
ربما من الممكن تبرير هروب جندي أمريكي واحد أو اثنين أو عشرين خلال المواجهات مع المقاومة لكن أن تتهرب قطعة عسكرية بكاملها من الدخول في مواجهة معها فهذا لايمكن تبريره فالقطعات العسكرية الأمريكية المكلفة بمهام قتالية في المناطق التي يطلقون عليها مصطلح (المناطق الساخنة) تقوم بالدخول عنوة إلى بيوت المواطنين العراقيين ليلا وتحتجز العوائل معها لتفادي ضربات المقاومة أو تقوم بتعطيل المحولات الكهربائية الرئيسية بإطلاق الرصاص عليها لمنع وصول التيار الكهربائي إلى المناطق التي تتواجد فيها لكي لأتكون هناك إنارة وتختبئ بين الدور السكنية في الحدائق أو الزوايا المظلمة بعيدا عن الطرق التي من المحتمل إن تنفذ منها خلايا المقاومة أو تقوم بإبلاغ سكنة المنطقة عن طريق مكبرات الصوت لمنع الخروج من البيوت ابتدأ من غروب الشمس وحتى الصباح ومهما كانت الأسباب أو تقوم بإغلاق جميع الطرق الداخلية بالصبات الكونكريتية والإبقاء على طريق واحد وتنتشر في نهايته خلف 
سيطرات من الشرطة أو (الحرس الوطني العراقي) . والى جانب كل ذلك رأى العراقيون كيف إن الجنود الأمريكيين 
يتركون الجنود العراقيون وحدهم في المواجهة وينسحبون من المنطقة عند وقوع اشتباكات فيها . 
لقد شاع بين أوساط المقاومة استخدام مصطلح (السلاح المهان) للدلالة على السلاح الأمريكي الذي يقع بين أيديها بعد الاشتباكات مع الأمريكيين والتي غالبا ما أسفرت عن تمكن المقاومة من الحصول على الأسلحة الأمريكية التي بحوزة الجنود الأمريكيين بعد قتل هؤلاء الجنود أو فرارهم . كما شاع من قبل بين أوساط العراقيين مصطلح (العلوج) واستمرت المقاومة باستخدام هذا المصطلح للدلالة على الأمريكيين . هذه المصطلحات ستكون في يوم ما ذات معاني كبيرة ولو أنصف الباحثون اليوم وأنصفت وسائل الأعلام لجعلوا منها منارات فكرية وثقافية تعجل من انتزاع الأوهام من رؤؤس عشعشت فيها الكراهية وباضت ففرخت خونة أوطانهم هؤلاء الخونة الذين حاولت المقاومة إن تعيدهم إلى جادة الصواب لكنهم أبوا على غيهم فحقت عليهم أللعنة . فلقد قالت لهم المقاومة إن الشعب الذي لا يقاوم لا يحترم فدعونا نقوم بهذه المهمة ونكتفي منكم بالتزام الصمت لكنهم أصروا على القول إن يوم 9/4 /2003 هو يوم تحرير وان مقاومة الاحتلال هي إرهاب فلم يبق أمام المقاومة أي خيار غير تنفيذ حكم الله وما تعارف علية البشر 

المشهد الثاني
انقـــلاب الســــحر علـى الســــاحر

أخذت إدارة بوش تشكك بمصداقية مراكز البحوث واستطلاعات الرأي العام الأمريكية التي أخذت تنشر أراء وأفكار ونتائج تتعارض مع ما تدعيه هذه الإدارة عن الأوضاع في العراق .إن تشكيك الإدارة الأمريكية بمصداقية هذه المراكز تؤشر حالة تستدعي الوقوف عندها لأن جميع الإدارات الأمريكية المتعاقبة كانت تولي اهتماما لما تنشره هذه المراكز وتقوم بالترويج لمضامين تقاريرها وتحاول إقناع الآخرين بصحة توجهات هذه المراكز . كما أن المهتمين في اغلب دول العالم يتعاطون بجدية مع الآراء والأفكار التي ترد في هذه التقارير التي كانت حافلة بتحريض الشعوب بعضها ضد البعض الأخر حسب توجيهات مركزية تعمل بموجبها هذه المراكز. ومن المؤكد أن بوش يعرف هذا جيدا لذلك فأن تشكيكه بمصداقية هذه المراكز له دواعيه والسؤال هو هل أن هذه المراكز أخذت تتجاهل التوجيهات التي تصدر إليها ؟ وإذا كان الجواب بنعم فما هي الأسباب ؟ 
كما أخذت هذه الإدارة تبرر ممارسات الضغط على الحريات العامة والحريات الشخصية داخل الولايات المتحدة الأمريكية باعتبار أن هذا الضغط يندرج ضمن سياقات الاحتياطات الأمنية التي هدفها حماية الأمريكيين داخل الولايات المتحدة الأمريكية وحماية الجنود الأمريكيين في الخارج .وذهبت إدارة بوش إلى ابعد من هذا حيث أخذت تبرر عمليات القتل الجماعي والاعتقال على الشبة والاغتيالات والتصفيات السرية واحتجاز الأبرياء من الأطفال والنساء للضغط على أولياء أمورهم وانتهاك حرمة المساكن .كما أخذت تبرر الكذب والتحايل والتعذيب الجسدي والنفسي بما في ذلك تلك الممارسات التي تخدش الحياء وتحط من الكرامة .
كان الأمريكيون يبنون أمنهم على حساب امن الشعوب الأخرى فقد قامت المخابرات الأمريكية بافتعال عمليات التمرد ضد حكومات الدول الأخرى ونشرت عصابات التدمير وتزوير العملة وتحريض الدول بعضها ضد البعض الأخر عن طريق تسريب المعلومات .....لتحقيق أهداف سياسية منها دفع الدول المستهدفة إلى اتخاذ تدابير أمنية ترهق مواطنيها لتقوم الولايات المتحدة فيما بعد بتوظيف هذا إعلاميا ضد هذه الدول باعتبارها دول تضطهد مواطنيها وتخرق مباديء حقوق الإنسان.إما الهدف الأخر فهو دفع كل دولة من هذه الدول لدعم عمليات التحريض والتخريب ضد الدولة التي تعاديها فترد عليها تلك الدولة بالمثل فتتجه الدولتان المتصارعتان إلى تمويل عمليات التخريب بعضها ضد البعض فتتخلص الولايات المتحدة من تكاليف هذه العمليات ويبدأ الانهيار يطال تلك الدولتين فتتعمق مشاكلهما الداخلية وتتعقد العلاقات بينهما. وكلما ترسخت حالة العداء بينهما انتعشت حركات التمرد وتأثرت علاقاتهما مع دول العالم وخاصة دول الجوار وبالشكل الذي سيدفع المنضمات الدولية إلى التدخل مما يمهد الطريق إلى الولايات المتحدة للتدخل باعتبار أن هذا التدخل سيكون مبرر. 
واليوم انقلب السحر على الساحر فالخوف دفع بالأمريكيين إلى رفع شعار (نضحي بحرياتنا من اجل أمننا ). هذه الحريات التي طالما تغنوا بها وباسمها نشروا الكراهية في العالم على وفق ما تقدم وعليهم ألان أن يعرفوا أسباب لجوء الدول الأخرى وخاصة في الشرق الأوسط إلى اتخاذ التحوطات الأمنية التي كانت سببا في توجيه الانتقادات إلى هذه الدول علما أن هذه التحوطات هي ذاتها التي اخذ بوش يدافع عنها اليوم .فهذه الدول واجهت عمليات إرهابية ليس اقل من أحداث سبتمبر عام 2001 ولم تكن تلك الأحداث بفعل(المسلمون المتشددون) وإنما كانت بفعل حكومات الولايات المتحدة الأمريكية المتعاقبة التي تورطت بها من حيث التخطيط والتمويل والتنفيذ. فعلى الأمريكيين أن يعوا إن حكوماتهم هي التي تقف وراء ما يحدث في العالم من انتهاك الحريات وحقوق الإنسان بسبب تورطها في جميع العمليات التي استهدفت إسقاط الأنظمة السياسية 
في الدول الأخرى عن طريق خلق المتاعب لها وجميع العمليات التي أدت إلى تسخين الحدود فيما بين الدول كما أنها تقف وراء تأسيس الحركات السياسية ذات النزعات المذهبية والطائفية والعرقية . 

المشهد الثالث
قنــاعات جديــدة تغــزو عقــول شبــاب العالــم

قررت وزارة الخارجية الأمريكية استحداث وظيفة جديدة ضمن هيكلية ممثلياتها الدبلوماسية المعتمدة لدى الدول الأخرى . وتقرر إن يشغل هذه الوظيفة دبلوماسي بدرجة مستشار مهامه جمع المعلومات عن الاتجاهات الجديدة المعادية للولايات المتحدة الأمريكية بين صفوف الشباب في دول العالم وبالأخص في منطقة الشرق الأوسط . لقد تم استحداث هذه الوظيفة الجديدة بعد تنامي الكراهية للولايات المتحدة بسبب سياساتها العدوانية التي فضحتها الحرب المدمرة على العراق والتي أطلق عليها الأمريكيون اسم (الصدمة والرعب) والتي كان هدفها الأول تدمير وتحطيم الروح المعنوية للشعب العراقي لحمله على الاستسلام إلا إن هذا الشعب لم يستسلم فعمدت الولايات المتحدة إلى محاولات تركيعه عن طريق التجويع تحت مفهوم (التجويع من اجل التركيع) . إلا إن الشعب العراقي لم يركع .فاختار الأمريكيون طريق الإرهاب المنظم بالهجوم على المدنيين لإرغامهم على التخلي من دعم المقاومة أو إخلاء مناطق سكناهم وتدمير كامل للمدن وتوجه رسالة إلى سكان المناطق الأخرى بالتخلي عن دعم المقاومة . وفشل الأمريكيون أيضا من تحقيق أهدافهم فلجؤوا إلى إرهاب الأفراد من خلال اجتياح وتهديم دورهم أو قتلهم بأبشع الأساليب لمنع تعاونهم مع المقاومة وأطلقوا على هذه العمليات مفهوم (الدرس نتيجة مساعدة المقاومة) لكي يصل هذا إلى سمع كل عراقي في أنحاء العراق . كل هذه الممارسات كانت تجري إلى جانب ما كان يجري في السجون والذي هز الضمير العالمي كما هو معرف وازداد الصمود وتمسك العراقيون بخيار المقاومة وفي المقابل اتسع وصف الاحتلال الأمريكي بالإرهاب وصار هذا الوصف هو الوصف الدقيق مما جعل الأمريكيين يفكرون بتأسيس (فرق الموت) ضمن تشكيلات وزارتي الداخلية والدفاع العراقيتان التي قاموا هم بتشكيلها وتدريبها واختيار ضباطها وقادتها فنظموها على غرار فرق الاغتيالات التي نظمتها( السي أي إيه ) في السلفادور خلال عقد الثمانينيات وكان هدف تأسيس هذه الفرق هو اغتيال قادة المقاومة والذين يتعاونون معها على مستوى التحريض والدعم المالي والدعائي وعلى مستوى الإيواء وتقديم المعلومات وعمليات الرصد والدلالة والنقل وتوفير المستمسكات الشخصية للمجاهدين . أخذت هذه الفرق تمارس عملها قبل تفجير المرقدين في سامراء وليس بعده كما يروج له الأمريكيون إلا إن عملياتها تصاعدت بعد هذا الحادث فلقد احتاج الأمريكيون إلى تصعيد العمليات التي تقوم بها فرق الموت فعمدوا إلى افتعال حادث تفجير الضريحين لكي تنظم إلى هذه الفرق فرق أخرى تم تأسيسها داخل المليشيات لكي تأخذ عملياتها إبعاد طائفية ومذهبية. 
تنقسم فرق الموت إلى مجاميع مختلفة المهام فإلقاء القبض تقوم به تلك المجاميع الموجودة داخل تشكيلات وزارتي الداخلية والدفاع ويقودها ضباط يستلمون الأوامر من مراجعهم بإحضار عدد معين من المنطقة الفلانية. الذين يتم إحضارهم يسلمون إلى مجاميع أخرى تتولى التحقيق معهم وانتزاع المعلومات منهم بأساليب بشعة سنتطرق إليها في مشهد مستقل. بينما تقوم مجاميع أخرى تضم (قضاة تحقيق) بتنظيم (ملفات قضائية) للذين تم التحقيق معهم لتتدارك ما سيترتب على هذه العمليات لاحقا. بعدها يتم إعدام هؤلاء بشكل جماعي وترمى جثثهم على المزابل أو تدفن في مقابر جماعية بعد تقطيع رؤوسهم وأطرافهم . تقسيم مجاميع فرق الموت وفق المهام الغاية منه المحافظة على سرية عمليات الإعدام وتنظيم الملفات أما مهام التحقيق والإحضار فأنها تأخذ طابع العمليات اليومية التي تقوم بها تشكيلات وزارتي الداخلية والدفاع . 
لقد اختمرت فكرة تأسيس فرق الموت لدى الأمريكيين بعدما وجدوا إن كل من جلال ومسعود يحققون نجاحات على صعيد تصفية خصومهم وتصفية ضباط الجيش والأمن والمخابرات السابقين عن طريق فرق خاصة . كما إن إيران تقوم بتصفية هؤلاء الضباط وأعضاء حزب البعث وشيوخ العشائر العربية لذلك وجد الأمريكيون فرصة استغلال وجود مثل هذه العمليات فأسسوا فرق الموت وأوكلوا قياداتها إلى بعض قادة تشكيلات وزارتي الداخلية والدفاع الذين لهم ارتباطات تنظيمية مع الأحزاب الطائفية 
أما الفرق الخاصة بعمليات الخطف فان ضباط الشرطة والجيش يقفون ورائها فهؤلاء استغلوا هذه الفوضى فنظموا عصابات خطف بهدف الحصول على المال .وعندما توفرت لدى الأمريكيين معلومات كافية عنهم استغلوهم بالاتجاهات التي يردونها لذلك أخذت هذه العصابات تقوم بقتل الذين تختطفهم بعد حصولها على المال من ذويهم لان توجيهات الأمريكيين لها تتضمن عدم الإبقاء على أي دليل من شانه أن يشكل خطرا في المستقبل وبنفس السياق تندرج تحت هذه المفاهيم عمليات اغتيال العلماء والأطباء والمحامين والمهندسين والوجوه الاجتماعية وأساتذة الجامعات والطيارين وغيرهم . 
لم يكتف الأمريكيون بهذه العمليات المخزية بل راحوا يصبون جام غضبهم على الدين الإسلامي وعلى المسلمين 
ويتحدون مشاعرهم بالضغط على دولهم من اجل تغير المناهج الدراسية وإعادة النظر بمفاهيم التربية الوطنية باعتبار إن هذه المناهج والمفاهيم لا تتفق وثقافة العصر وراحوا يتحدثون بلا خجل وحياء عن إن الشعوب العربية والإسلامية تحتاج إلى(إعادة تربية) لكي يكون بمقدورها الانسجام مع سلوك العالم المتحضر .لكن شباب العالم اخذ يقارن بين ما تدعيه أمريكا وبين ما تفعله في العراق . فهل سيكون بمقدور عدد من المستشارين الدبلوماسيين تغير القناعات الجديدة التي أخذت طريقها إلى عقول شباب العالم على الرغم من محاولات الماكنه الإعلامية الأمريكية والغربية تضليل هؤلاء عن طريق تشويه الحقائق ؟؟؟
لقد قامت المقاومة العراقية باستخدام (السي دي والانترنت) لإطلاع شباب العالم على ما يجري في العراق من عمليات ضد القوات الأمريكية وعلى ما ترتكبه هذه القوات من جرائم بحق العراقيين فأصبح (السي دي) في مقابل الماكنه الإعلامية الأمريكية التي عجزت عن مجاراته بين صفوف الشباب كونه ذو طابع سري ولأنه ينقل الحقيقة كما هي . لقد علق مراسل إحدى وكالات الأنباء فقال إن عمليات القنص التي يتم تداولها بواسطة (السي دي) والتي يطلق عليها الأمريكيون (عمليات جوبه) اخذ الجنود الأمريكيون يتداولونها بشكل واسع وأصبح تجارتها رائجة في دول الخليج وعن طريق هذه الدول تنتقل إلى الدول الأخرى . 

المشهد الرابع
أمريكــــا تحـــاول ترقيـــع صورتـــها

وضعت وزارة الدفاع الأمريكية مبالغ ضخمة تحت تصرف قائد القوات الأمريكية في العراق يتم صرفها تحت بند(علاقات عامة). بلغت هذه المبالغ حسب قول الاسوشيتد بريس عشرون مليون دولار لكن المعلومات تشير 
إلى إن هذه المبالغ هي أضعاف هذا الرقم. يقوم قائد القوات الأمريكية بصرف هذه المبالغ على ارشاء الصحفيين العراقيين لنشر مقالات وتحقيقات من شانها أن ترسم صورة للولايات المتحدة الأمريكية مغايرة لتلك الصورة السيئة التي خلفتها الانتهاكات الخطيرة المتلاحقة لحقوق الإنسان في العراق . والى قنوات تلفزيونية عربية ودولية تحت غطاء عرض فقرات دعائية (عراقية)مقابل التزام هذه القنوات بعدم نشر برامج تروج (للإرهاب). يقوم الصحفيون العراقيون بكتابة مقالاتهم حسب المواضيع والمضامين التي تمليها عليهم إدارة المعلومات العسكرية الأمريكية وبعد نشر هذه المقالات في الصحافة العراقية تقوم صحف أمريكية بإعادة نشرها بوصفها معلومات ميدانية تتميز بالثقة وغير منحازة ومكتوبة في شكل تقارير من قبل صحفيين مستقلين . كما يتم صرف جزء من مبالغ العلاقات العامة إلى عدد من القنوات الفضائية العراقية مقابل نشرها قصص ملفقة تسئ إلى سمعة المقاومة العراقية والتركيز على الجوانب الأخلاقية للمجاهدين العراقيين والعمليات التي (تعيق) جهود الولايات المتحدة لإعادة أعمار العراق مع الترويج الدعائي لخلق رأي عام عراقي يناصر الاحتلال . ومن المتوقع أن يقوم الجنرال كيسي بتمويل مشروع إعلامي جديد من هذه المخصصات إلا أن هناك من اقترح عليه الاتفاق مع قنوات فضائية عربية لكي تقوم بإعداد وبث برامج حول الإرهاب بالتزامن مع مناسبة إحداث الحادي العشر من سبتمبر وسيكون هذا أفضل من تأسيس مشروع إعلامي معروف بعلاقته المباشرة مع القوات الأمريكية . لقد أصبح الأمريكيون يشعرون بالحاجة إلى أساليب جديدة لمواجه الانتقادات المتزايدة لحربهم في العراق وممارساتهم المخزية ضد الشعب العراقي وتصاعد شكوك الرأي العام العالمي بشان مستقبل الوجود الأمريكي في العراق مع استمرار وتصاعد عمليات المقاومة التي تمكنت من إسماع صوتها لكل العالم , وبات على بوش أن يقوم شخصيا بمحاولات إقناع العالم بمبررات جديدة لحربة ضد العراق بعد أن سقطت جميع المبررات . ولم يتمكن بوش من إجابة احد الصحفيين الذي سأله خلال المؤتمر الصحفي الذي عقده في ساحة الورود في البيت الأبيض بتاريخ15/9/2006 عن تعليقه على قرار الكون كرس الذي أكد إن صدام حسين لم تكن له علاقة مع تنظم القاعدة .فبعد أن تلكأ بوش أجابه بأنه (أي بوش) لم يسبق له أن اتهم صدام حسين بالاشتراك في هجمات الحادي عشر من سبتمبر الاانه قال بان صدام حسين استقبل ألزرقاوي في العراق وقام بعلاجه وهنا فان بوش لجا إلى الكذب مرة أخرى لان ألزرقاوي لم يدخل إلى العراق قبل الحرب وإنما دخله بعد الحرب . وكذبته هذه ستضعه في دائرة الاتهام مرة أخرى بدل من إن تخفف عنه الانتقادات الموجه ضده, وأضاف بوش في أجابه لهذا الصحفي بان صدا م حسين كان يقوم بصرف رواتب إلى الانتحاريين الذين يقومون بتوجيه عملياتهم ضد إسرائيل تصوروا إن شعبا (يقصد العراق) لا يؤمن بما نؤمن به نحن ويسيطر على اكبر احتياطي للنفط ماذا سيكون مستقبلنا ؟ إن الديمقراطية إذا لم تتحقق في العراق فان أبناءنا سيواجهون المخاطر . وهنا فان بوش قد ساق مبررات جديدة لحربه على العراق والتي هي تهديد العراقيين لأمن إسرائيل والسيطرة على النفط وحمل العراقيين على إن يؤمنوا بما تؤمن به أمريكا والأيمان هنا يتعلق بالجانب الديني أكثر من أي جانب أخر خاصة وانه أكد على إن الحرب هي حرب أيدلوجية وعليه فان الحرب التي شنها بوش على العراق لم تكن بسبب امتلاك العراق لأسلحة التدمير الشامل وعلاقة صدام حسين مع تنظيم القاعدة واضطهاد الشيعة والأكراد ودكتاتوريه صدام حسين التي لم يشهد لها التاريخ مثيلا حسب وصف بوش إثناء خطاباته وهذا معناه إن بوش كذب على العالم وخدع حلفائه فدمر بلدا على غير وجه حق . مما ستترتب عليه تحمل الولايات المتحدة وحدها تبعات هذه الحرب وثبوت عدم أهليتها لقيادة العالم بعد أن ورطته بحروب يصعب التكهن بنتائجها . وهذا ما أكده كوفي عنان الأمين العام للأمم المتحدة الذي قال قبل يوم واحد من المؤتمر الصحفي لبوش انف الذكر (يصعب على الولايات المتحدة الأمريكية اتخاذ قرار بالانسحاب من العراق كما يصعب عليها اتخاذ قرار بالبقاء فيه فقرار الانسحاب يعني الهزيمة وقرار البقاء يعني مواجه تطورات لايمكن التكهن بنتائجها) . وفي نفس اليوم قال جاك شيراك إن استخدام القوة لحل أي مشكلة لا ينفع لان مقاومة الشعوب تزداد في الشرق الأوسط . ثم عاد كوفي عنان مرة أخرى فقال إن معظم زعماء الشرق الأوسط يعتبرون إن الحرب على العراق كانت كارثة على المنطقة . 
مثل هذه التصريحات كان يتردد مطلقوها من الإدلاء بها خشية ردود فعل أمريكية مكابرة ألا إن الأمريكيين ألان لم يعد بوسعهم تزيف الحقائق لأنهم يحتاجون الجميع من اجل إخراجهم من ورطتهم . فبعد أن وصفوا أوربا بالعجوز قبل شنهم الحرب على العراق ردا على الأصوات التي عارضت هذه الحرب اخذوا يقولون إلى الأوربيين أن هزيمة أمريكا في العراق ستقود في النتيجة إلى هزيمة أوربا مما يضع على أوربا مسؤولية المشاركة في مواجهة النتائج الخطيرة وعدم ترك أمريكا تواجه هذه النتائج لوحدها . لقد اخذ الأمريكيون يتحملون الانتقادات الأوربية ولو على مضض في محاولة لاحتواء هذه الانتقادات التي من المتوقع أن تتحول إلى مواقف إدانة للسياسات الأمريكية ليس في العراق فقط وإنما في عموم العالم . كما راح الأمريكيون يتحسبون من إطلاق التصريحات الاستفزازية ليس ضد أوربا فقط وإنما ضد مختلف دول العالم ويحاولون استغلال أي مواقف من اجل مد جسور مع تلك الدول التي كانت الولايات المتحدة تتعامل معها بجفاء . لقد انتهى زمن العنجهية الأمريكية التي أفاق العالم على خوائها بصرخة الله اكبر التي دوت في بلاد الرافدين , العراق العظيم . 

المشهد الخامس 

مجــــاهدون بالــــولادة 

28 أيلول 2006

ضابط أمريكي برتبة مقدم كان يشرف على عمليات تفتيش قاسية في منطقتنا ببغداد . رغب التحدث معي فبدأ يقول لي إن هذه العمليات تجري حسب طلب القوات العراقية وإنهم إي الأمريكان ينحصر واجبهم في ملاحظة سير العمليات . فقلت له لقد فتشوا بيتي وتعمدوا تكسير بعض حاجياتي الثمينة وسرقوا بعضها الأخر . وحاولت أن أجد تفسيراً لعلاقة ماقاموا به بمحاربة الإرهاب لكنني فشلت فهلا فسرته لي ؟ فقال لي هؤلاء عراقيون لا نتحمل تبعة مايقومون به . فقلت لكنهم يتصرفون بموجب تعليمات مسبقة وحسب أساليب تدربوا عليها وأنتم المدربون وعلي أية حال ألا تعتقد إن ماقاموا به يدلل على أن هناك دوافع تصرفوا بموجبها غير الدوافع التي تتحدثون عناه ؟ خاصة وأن الذي قام بالسرقة وأخفى ماسرقه في جيوبه هو جندي أمريكي أبيض وليس أسود . وهذا الجندي الأمريكي الأبيض ولد وتربى في مجتمع الديمقراطية الأمريكية الذي تصفونه بالنموذج الأفضل في العالم والذي أفهمه أنا أن السلوك هو نتاج تربية أسرية ومن ثم اجتماعية ومفاهيم تترسخ في ذهن الإنسان نتيجة التدريب والإعداد . وأنا من المحتمل أن لا أصيب كبد الحقيقة عندما أضع تفسيرات للدوافع التي كانت وراء تصرف الجندي الأمريكي لكنني أستطيع أن أقول إن دوافع الجندي العراقي الذي يقوم بمثل هذا الفعل يقف ورائها فشل أسرة هذا الجندي في تهذيبه لأننا نضع التربية البيتية والعائلية في المقدمة على الدوام عندما نريد أن نتعامل مع الغير وفي كل مناحي الحياة . فاحتار محدثي بالإجابة فأسعفه ابني حيث أتضح إن المترجم الذي يرافقه يتعمد تحريف أقوالي حيث صحح له ابني وللمرة الثالثة ترجمة هذه الأقوال . فطلب المقدم من مترجمه التوقف عن الترجمة وأخذ يتلقى الترجمة عن طريق ابني . فقلت له إذا كان مترجمك المؤتمن من قبلك يتعمد تضليلك بنقل كلام محرف فكيف تستطيع أن تفهم مايجري من حولك ؟ وكيف تستطيع أن تفهم مآسي هؤلاء الأطفال الذين يرتجفون أمام البنادق المصوبة عليهم ؟ فكم من أقوال قام بتحريفها هذا المترجم وكم من إنسان بريء ظلمه هذا المترجم جراء تحريف أقواله ؟ أنت تقول إن هذا المترجم جاء معكم من أمريكا التي عاش فيها عشرون سنة وهذا يعني أنه تتلمذ في مدارسكم 

وتحلى ببعض أخلاقكم وعندما نال ثقتكم تم اختياره للعمل معكم فحصل على شيء من الإعداد والتدريب وبهذا يكون من نتاج النموذج الديمقراطي الأمريكي . قبل أن يكون أي شيء آخر . إن الترجمة أمانة ونحن عرفنا أن خيانة الأمانة صفة من ثلاث هي كذب الحديث وخيانة الأمانة والنفاق وهذا المترجم كذب عليك وخان أمانتك عنده ونافق علي وعليه فإنه يتحلى بثلاث صفات هي الخيانة والكذب والنفاق . فهل تعتقد إن من يتحلى بهذه الصفات سيكون مقبولا في مجتمع تقوم أخلاقه على نبذ مثل هذا الشخص ؟ !!! وهل ترى أنه سيكون بإمكانكم أن تقنعوا الشعب العراقي أن أخلاقكم هي أفضل من أخلاقه ؟ وهاهو السارق جندي من جنودكم والكاذب والخائن والمنافق هو من يحظى بثقتكم . 
كان المقدم الأمريكي على درجة عالية من الأدب والحياء وهذا حق لابد من قوله فقد أخذ العرق يظهر على جبينه خجلا فاعتذرت منه عن ملاحظاتي وانتقاداتي التي ربما كانت جارحة له وربما سببت له إحراج أمام من كان يستمع إلى حديثنا . فقال بل أنا أريد أن أسمع المزيد من هذه الملاحظات لأنني لم أسمعها من قبل وطلب مني المزيد منها فاعتذرت له فقال لاتبخل علي بما يفيدني وهنا سألته هل لي أن أسألك بسؤال شخصي ؟ فقال بكل تأكيد فدار بيننا الحوار الآتي : 
- هل أنت متزوج ولديك أطفال ؟ 
- نعم . 
- هل لديك بيت ؟ 
- نعم .. شقة . 
- هل والديك يسكنون معك في شقتك ؟ 
- كلا . 
- أين يسكنون ؟ 
- تحت رعاية كبار السن . 
- هل تعلم لو أن ابني هذا قد أودعني لدى مؤسسات رعاية كبار السن فإنه سيصبح حسب أخلاقيات المجتمع ابن عاق ؟ 
- لماذا ؟ 
لأن عليه أن يرعاني كبيرا كما ربيته صغيرا ولهذا فإنني عندما يحين موعد أجلي سأكون طريح فراشي بين أولادي وإخوتي وأقاربي إلى أن يأخذ الله أمانته وإذا قدر لي أن أموت بسبب آخر فلابد لأولادي أن يعرفوا سبب موتي وأن يأخذوا بثأري إذا كان السبب ورائه فعل مدبر . ولا تتصور إن الثأر سيكون يقتل من كان سبب موتي بل بالاحتكام إلى القانون أو إلى الأعراف العشائرية التي تعاقب الفاعل وتقطع دابر الفتنة وتابعت حديثي لا أريد أن أحرجك عندما أقول لك بأنني على دراية لما يحدث عندكم بهذا الخصوص حيث أن الروابط الاجتماعية عندكم هي ليست كما موجودة عندنا فربما يموت الإنسان منكم ويبقى في شقته كذا يوم دون أن يعلم به أحد إلى أن تفوح رائحته فينتبه جيرانه فيقومون بإخبار الجهات الحكومية التي تتولى نقله إلى المستشفى ومن ثم دفنه ربما أكون مخطئ في وصفي هذا لذلك أود أن أسالك فهل تسمح لي فقال بالتأكيد فدار بيننا الحوار الآتي : 
ـ كم مضى على وجودك في العراق ؟ 

ـ حوالي سنة 
ـ هل اختلطت بالعراقيين ؟ 
ـ بحكم عملي 
ـ هل أعجبتك أخلاقهم ؟
ـ في ممارسة الإرهاب كلا. 
ـ الإرهاب له كلام يطول لأنه نتاج سياسي تتداخل فيه سلوكيات أحزاب ومصالح دول ومغذيات سرية وأهداف مختلفة مما يجعل التعاطي معه يحتاج إلى إدراك كل هذا قبل إطلاق الأحكام والتفسيرات والأوصاف . فلو قرأت تاريخ الأمم والشعوب فستجد فيه إن كل أمة تفتخر بأصالتها وحبها للخير وتحليها بالأخلاق الفاضلة وتوخيها العدل في تعاملها مع الغير ورفض العدوان إلى جانب اعتقادها بأنها أفضل الأمم بما تتمتع به من تقاليد وأعراف وقيم عليا وستجد أيضا أن كل الأديان تدعي أنها أفضل من غيرها في إدراك الإله وفهم علاقته مع خلقه وما سيؤول إليه الخلق ...الخ . عندها ستقتنع أنه لايوجد أمة ترضى بالعدوان أو الامتهان ولاترضى أن يقال عنها أنها أمة معتدية أو ظالمة وستقتنع أن التاريخ الإنساني مليء بالشواهد على أن ماينسب إلى الأمم من مساوئ هو ليس صحيحاً . لكن هناك نظريات من وضع فرد أو أفراد قد تأخذ طريقها إلى قيادة الأمة فتحدث خللاً في أخلاقياتها إلا أن هذا الخلل سيبقى محط انتقادها إلى أن تقوم بمعالجته وعليه فإن نظريات الحكم يتوقف نجاحها أو فشلها على مدى انسجامها مع المضامين الإنسانية لأخلاق الشعوب والأمم . 
للسياسة أحكام قد لاتنسجم مع الأخلاق وهذا يعتمد بالدرجة الأولى على فلسفة من يقف على رأس الهرم السياسي فهناك من يبرر اللجوء إلى وسائل وأساليب الغدر وإزهاق أرواح الأبرياء والطعن في أخلاق الناس وتشويه الحقائق لتحقيق نصر على عدو عجز أن ينتصر عليه وفق أخلاق الفروسية . فلماذا لا تتوقع أن عمليات الإرهاب المتمثلة بعمليات الانتقام الطائفي هي من هذا السياق؟ ربما تتصور أنني أتهم الأمريكيين بأنهم يقفون وراء هذه العمليات فأقول لك لا لم أتهمكم لأنني اعرف أنكم دولة محتلة لكنكم تريدون أن تنجحوا في العراق لاغراء بقية الشعوب وهذا النجاح مرهون بمدى تقبل العراقيين لهذا الاحتلال . وهنا يكون الذين يقفون وراء العمليات المسلحة التي تستهدفكم هم أعداؤكم بالدرجة الأولى وهؤلاء أيضا نجاحهم مرهون بمدى تأييد الشعب لهم . وعليه فإن من يقف وراء الاغتيالات والتصفيات والعمليات ذات الأبعاد الطائفية والمذهبية يهدف إلى إفشال مشروعكم في العراق وبنفس الوقت يهدف إلى تجريد المسلحين من شعبيتهم . وهنا أيضا يوجد من يعتقد أن مثل هذه العمليات لايمكن القيام بها بدون رضاكم أو تغاضيكم عنها انطلاقا من كونكم دولة عظمى تحسبون لكل شيء ألف حساب . وبهذه المناسبة أود أن أشير لك أن اليهود خلال الحرب العالمية (لاأذكر الأولى أو الثانية ) قاموا بتفجير سفينة وإغراقها قرب اسطنبول وكان الذين على ظهرها يهود أيضا يبلغ عددهم ثلاثمائة شخص وكانوا يهدفون من وراء هذه العمل إلى اتهام الانكليز بها لحملهم على إلغاء القيود عن هجرة اليهود إلى فلسطين . ومن يدري ربما تكون تفجيرات نيويورك من تدبيرهم . كما قلت لك أن الكلام في هذا الموضوع يطول لذلك اكتفي بهذا القدر وأعود إلى سؤالي عن أخلاق العراقيين فيما أعجبتك أم لا؟ 
ـ نعم وخاصة مايتعلق منها بالعلاقة مع الأقارب والجيران وسرعة الاستجابة لاستغاثة الآخرين وتحمل مشاق الضيافة 

والصبر الذي أساسه الإيمان بالقدر حسب ماعرفنا . 
ـ وماذا أعجبك في العراق أيضا؟
ـ أشياء كثيرة منها بعض الأكلات . 
ـ إذا كانت أخلاقنا جيدة وأكلنا جيد فلماذا تريدون تغييرها ؟ 
ـ هز كتفيه وحرك شفتيه ومال براسه شمالاً في إشارة إلى أنه لايعرف السبب . 
ـ من أي الأصول الأوروبية أنت ؟ 
ـ أبي أصله من لبنان وأمي أصلها من مصر.
كان طفلان ، ولد وبنت ، بالقرب منا أعطاهما هذا الضابط قطع من النستله فرميا بها في برميل النفايات الذي كان خلفهما . فقلت له ماذا ترى وراء تصرفهما هذا ؟ قال لا أدري . قلت أنه مايريانه الآن ويسمعانه من الناس ووسائل الإعلام ...هذا الجيل سيكبر وتكبر فيه روح الانتقام الذي وصفه لك بالثأر . فهذا الطفل أمه الآن مصابة بالصدمة بسبب قيام جنودكم بإطلاق النار على زوجها (سلام) وقتله عندما كان يحاول إيصالها إلى المستشفى لكي تضع مولودا جديدا ًسماه عمه مجاهد . وسيعرف مجاهد بعد سنين من قتل أباه وكيف. 


الهيئة العراقية للاستشارات والبحوث

ملاحظة : يرجى الإشارة إلى المصدر عند الاقتباس أو إعادة النشر .

 
 

 
  Back to top