hd    
 

البحيرات الثلاث التي حركت المقاومة اللبنانية مياهها الراكدة

معن بشور

7/8/2006

بين الانجازات الميدانية والسياسية والاعلامية المتعددة التي نجح المقاومون اللبنانيون في تحقيقها انجاز لم تسلّط الاضواء عليه رغم انه يتكرر امامنا في مشاهد تلفزيونية كل يوم.
فهذا الانجاز هو قدرة هذه المقاومة على تحريك المياه الراكدة في بحيرات ثلاث كادت تتحول الى مستنقعات آسنة تتحرك فيها كل انواع الجراثيم.
البحيرة الاولى هي البحيرة العربية حيث كنا نواجه قبل الاسابيع الثلاثة الماضية باسئلة من نوع: اين عروبتكم هذه؟ اين جماهير امتكم التي تخاطبونها او تخطبون فيها؟ اين القومية العربية التي كنتم تتغنون بها؟ اين رجالها، اين رموزها، اين احزابها وحركاتها؟.
ولقد كتبت مقالات، وصدرت كتب، وخرجت ابحاث ودراسات في بلادنا وفي مراكز الابحاث الامريكية خصوصاً والغربية عموماً، تنعي العروبة، وتعلن موت القومية العربية، بعد كل نكسة او نكبة تحل بالعرب، الى درجة انني تساءلت في احدى المحاضرات: اذا كانت العروبة قد ماتت بالفعل، فلماذا هذا الاصرار الموسمي (كل عقد على الاقل) على نعيها.
بعد صمود المقاومة في لبنان و "مفاجآتها" المتواصلة التي اذهلت الصديق قبل العدو، حصل ما يشبه النهوض الجماهيري على امتداد الامة العربية، من موريتانيا الى عمان، تهتف للبنان ومقاومته، ولحزب الله ولقائده، فيما وقفت الدوائر الصهيونية والامريكية، وربما الرسمية العربية، التي خططت للحرب مذهولة امام هذه الحماسة العربية لحزب ظنوا انه بسبب علاقته "بالفرس" بات معزولاً بين العرب، خاصة بعد الملاحظات المعروفة على الدور الايراني في العراق.
فهذه الهبّة الشعبية العربية هي تأكيد على عروبة الأمة وعلى وحدة نضالها، بل مؤشر على سلامة البوصلة القومية التي توجه الامة، فتميّز بين التناقض الرئيسي وبين التعارضات الثانوية والهامشية، فتخضعها هذه دائماً لصالح التفرغ لمواجهة العدو الرئيسي للامة.
ولم تكن مجرد صدفة ان ترتفع بين ملايين المتظاهرين في مصر واليمن ولبنان والبحرين وتونس وغيرها صور الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، فمشاعر الامة ازاء العدوان الثلاثي على مصر قبل نصف قرن ما زالت هي ذاتها المشاعر ازاء العدوان الثلاثي وربما اكثر ضد لبنان.
ويذكر المؤرخون المعاصرون ان جريدة "اللوموند" الفرنسية، كتبت يوم تأميم قتاة السويس في مثل هذه الايام قبل خمسين عاماً انه اذا اردت ان تعرف "حدود القومية العربية" فما عليك سوى ان ترى خارطة الطريق التي تجاوبت مع دعوة "مؤتمر التضامن القومي" الى الاضراب التضامني العام مع مصر، ويومها للتذكير كان رئيس مؤتمر التضامن يومها الزعيم اللبناني الراحل حميد فرنجية.
ويكفي اليوم ان تتجول في شوارع عواصم الوطن العربي ومدنها وقراها حين يعلن عن بث كلمة للسيد حسن نصر الله، لتجدها خالية من المارة تقريباً، ولتجد الجموع مسمّرة امام شاشات التلفزة، تماماً كما كانت تتجمع قبل نصف قرن لتستمع الى خطب جمال عبد الناصر.
لقد حرك صمود لبنان المياه في البحيرة العربية الراكدة والتي كانت مليئة بجراثيم التفتت الاقليمي والكياني والطائفي والعرقي والمذهبي الناخرة في الجسم العربي، وبدا ان شلال الدماء المنهمر اليوم في لبنان كفيل بتطهير هذه البحيرة واعادتها الى صفائها ونقائها وبهائها.
اما البحيرة الثانية فهي البحيرة الاسلاميةالتي يشكل العرب طبعاً جزءاً رئيسياً منها، فقد نجح الصمود اللبناني ايضاً في تخليصها من سموم العصبيات الطائفية المذهبيات و "الفرقية" التي عملت واشنطن، باقتراحات صهيونية، وبجهود رسمية عربية واسلامية، على تغذيتها وشحنها بكل انواع "المقويات" الفتنوية الواسعة الانتشار هذه الايام عبر وسائل اعلام واجهزة مخابرات وفتاوى سلطانية.
فالفتنة بين السنة والشيعة هي البند الاول في جدول اعمال اعداء الامة، وقد وصلت ذروة نجاح خطة التفتيت هذه في العراق حيث بدأت التقارير تكشف عن دور مباشر لمخابرات الاحتلال واعوانه في تغذيتها والتخطيط لها، وتجنيد العناصر المنفذة لها.
لقد ظن العاملون في "مطبخ العدوان" ان الامور بين السنة والشيعة قد وصلت الى درجة من السوء تسمح لهم باستفراد حزب الله "الشيعي" وعزله عن جماهير الاكثرية الاسلامية التي تنتمي الى اهل السنة.
واذ بهم يفاجأون مرة اخرى، فيجدون المسيرات تتحرك في كل ديار الاسلام من اندونيسيا والفيليبين الى غرب افريقيا، ويرون صور السيد حسن نصر الله ترفع في باحة مسجد الازهر، ويستمعون الى مرجعيات اسلامية من الوزن الثقيل، ومن كل التيارات الاسلامية، المعتدل منها والمتطرف، تقول كلاماً واضحاً وحاسماً في دعم حزب الله وقائده، وفي رفض كل دعوى "فتنوية" تدعو الى الايقاع بين المسلمين.
لا بل ان الادارة الامريكية التي كانت تتطلع لان ترى "الحرب المذهبية" داخل العراق تنتقل الى لبنان وسائر العالم الاسلامي، وجدت ان المعركة الدائرة في لبنان، وهي امتداد لمعركة مماثلة في فلسطين، باتت تسهم في تعزيز الوحدة داخل العراق ذاته حيث رأينا مسيرات مليونية يقودها التيار الصدري ضد العدوان الصهيوني والدعم الامريكي له، فيما مساجد الفلوجة ومثيلاتها في العراق كانت تدعو للمجاهدين في لبنان، ويصدر حزب مطارد كالبعث بياناً صريحاً يدعم فيه حزب الله رغم كل الخلافات السابقة، ووجدنا هيئة علماء المسلمين والتيار القومي العربي ومعها فصائل المقاومة الاسلامية تعلن مواقف واضحة وحاسمة الى جانب المقاومة منذ اليوم الاول لهذه الحرب.
ولقد علّق مراقب ثاقب على هذه الظاهرة بالقول: لقد امضت الحكومة البريطانية والادارة الامريكية عقوداً طويلة، وتحديداً منذ بداية القرن الماضي، في العزف على وتر الصراع بين السنة والشيعة، وقد ظن خبراء الدولتين انهم قد نجحوا في مخططاتهم مع وصول جيوشهم الى بغداد، غير ان غباء اولمرت وبوش في لبنان قد اسقط خلال اسابيع مخططات الفتنة المذهبية هذه واكد على وحدة المسلمين.
ولا شك ان استهداف المقاومة الفلسطينية وفي مقدمها "حماس" و "الجهاد الاسلامي" في الوقت ذاته الذي تم فيه استهداف المقاومة اللبنانية وحزب الله، قد لعب دوراً بارزاً في التأكيد لكل عربي ولكل مسلمي العالم ان الصهاينة وحلفاءهم لا يستهدفون مذهباً معيناً او فريقاً دون غيره بل يستهدف الامة جمعاء من خلال استهدافهم للبنان وفلسطين.
بقيت البحيرة الثالثة، وهي البحيرة العالمية التي اصابها الركود منذ احساس العديد من القوى المعادية للهيمنة الاستعمارية بالاحباط بعد فشلها مع منع الحرب على العراق واحتلاله فيما بعد.
اذا اضفنا الى هذا الاحباط النفوذ الصهيوني الهائل في التأثير عبر وسائل الاعلام الكبرى الخاضعة لهذا النفوذ، وعبر الانتشار الواسع لعناصر الحركة الصهيونية في العديد من الاحزاب والحركات الرئيسية في بلدان الغرب والقادرة دوماً على استغلال "عقدة الذنب" الناجمة عن جرائم هتلر النازي ضد اليهود لتصوير كل عداء للصهيونية بانه عداء للسامية، نستطيع ان ندرك صعوبات التحرك الشعبي الغربي ضد كل ما يتصل بادانة جرائم "اسرائيل" وعدوانها.
وحين نتذكر الحملة العالمية التي تقودها واشنطن ضد ما تسميه "الارهاب" وهو الاسم الاخر للمقاومة، بل الوجه الاخر للاسلام، والسعي المتواصل "لشيطنة" كل حركات المقاومة لا سيّما حزب الله (اي تصويرها كشياطين معادية للانسانية)، والاجراءات المتصاعدة ضد هذا الحزب، وضد القناة الفضائية التي تعبّر عنه اي فضائية "المنار"، فنستطيع ان نفهم ايضاً مدى التقارب الواسع بين واشنطن وعواصم الاتحاد الاوروبي وفي مقدمها فرنسا والمانيا بعد ان استسلمت حكوماتهما لواشنطن بعد حرب العراق عام 2003، ناهيك عن بريطانيا صاحبة وعد "بلفور" الشهير وكل تداعياته، والتي يصّر رئيس حكومتها على ابقائها مجرد "ذيل" للوحش الامريكي الهائم على وجهه في هذا العالم بحثاً عن طريدة جديدة كل يوم.
اذن المسرح العالمي كان جاهزاً لاستقبال هذه الحرب، ولتوفير الغطاء الدولي لها، وهو ما تجلّى خلال الايام الاولى للعدوان.
ولكن صمود المقاومة الاسطوري، والرد الصهيوني على هذا الصمود بتوسيع نطاق مجازره الدموية بحق اللبنانيين (لا سيّما في مجزرة قانا الثانية، ومجزرة القاع التي اجهزت على العشرات من العماّل الزراعيين السوريين العاملين في توضيب صناديق الخضار والفاكهة للمستهلكين اللبنانيين، والمجازر اليومية المستمرة ضد قرى الجنوب)، حرّك المياه الراكدة في البحيرة العالمية، فتحركت الجموع في شوارع مدريد وباريس وروما وبرلين ناهيك عن مسيرة المليون في لندن، واظهرت استطلاعات الرأي تراجع شعبية الكيان الصهيوني، بل "وتحميله مسؤولية تعريض امن العالم واستقراره للخطر" وبدأت بعض الحكومات في الانسحاب التدريجي من سياسة الدعم الكامل للعدوان (وهو ما ظهر في اجتماع روما الشهير)، وخرجت تصريحات جريئة من بعض المسؤولين الاوروبيين، وبدا ان لبنان مسيّج بحالة من التعاطف العالمي قلّ نظيره، ولم تستطع تل ابيب ان تحرك مسيرة واحدة في عاصمة اوروبية تحمل شعارات التأييد "لدفاعها عن النفس"، بعد ان عرف عنها تحكمها القوي القديم بالرأي العام العالمي.
في ظل هذا التحرك الشعبي الهادر عربياً واسلامياً وعالمياً، بات واضحاً عمق التلازم بين العروبة والاسلام والانسانية، ومدى التلاقي بينهم حول القضايا العادلة، وهوتلازم يتطلب تطويراً عميقاً لآلياته ووسائله وصيغ التعبير عنه وبشكل آخر الارتقاء بخطابنا وممارساتنا الى المستوى الذي يحمي هذا التلازم ويصونه، فنحرر هذا الخطاب والممارسة من كل شبهة عنصرية أو طائفية او تعصبية، وهو الامر الذي نجح في تحقيقه حزب الله بخطابه الوحدوي والعقلاني والانساني وبممارساته الشفافة التي تقوم على احترام القيم والمبادئ الانسانية، بل احترام العقل بالدرجة الاولى على نحو يلغي اي تناقض مفتعل بين اعتماد العقل وبين الايمان العميق.

 
 

 
  Back to top