hd

 

 
 

قانا... وقانا... وما بعد قانا

د. كاظم الموسوي


لم يتعظ الكثير من القادة العرب والأجانب من كل صنف وحدب، من دروس قانا الأولى، ولاسيما من معرفة طبيعة الكيان الصهيوني المنتهكة لأية قوانين دولية أو أعراف أو اتفاقيات أو مقرات ومنظمات إنسانية ودولية، وأريد التحدث هنا فقط عن هذه الكارثة المروعة إنسانيا وقانونيا ودوليا، ولا أتحدث عن الجرائم الاخرى التي هي أساس قيام واستمرار هذه القاعدة الاستراتيجية الإمبريالية في قلب العالم العربي. وللأسف الذي لم يعد مؤثرا قوله في مثل هذه الحالات، لم تقف الأمم المتحدة، كما هو وضع أعضائها ومجالسها الاخرى، موقفا حازما من الجريمة المروعة التي أصابتها هي ومصداقيتها في الجوهر، ومن خلالها الأبرياء اللبنانيين الذين صدقوها واحتموا بمقرها وعلمها الازرق، رغم أن امينها العام حينها دفع ثمنا من جراء ما كان يتوجب عليه القيام به والاستمرار بفضح خلفياته ونشر وثائقه ومراسلاته للحقيقة والتاريخ ولمن لم يسمع بها بعد من الذين رشحوه لهذا المنصب، وبالتأكيد بعد مرور عقد من الزمان عليها، ومرور هذا الزمن كفيل بوضع الكثير من علامات الاستفهام عن إمكانيات الاستفادة من الدروس والعبر والأسباب التي أجلت أخذها بالاعتبار ودعمها بشكل قانوني وإنساني وغياب عزيمة صادقة لتحقيق التوازن الدولي على إدانة العدوان وتحميل المسئولية الإنسانية والقانونية إلى مرتكبي الجريمة وإحالتهم إلى محاكم دولية ووضع العدالة الإنسانية والدولية موضع التنفيذ وقدوة تمنع التكرار وإعادة إنتاج المأساة، وعدم التفرج عليها وعليهم والسماح دوليا لتمرير منحهم جوائز عالمية للسلام وغيرها من المكافأت المدروسة باعتناء واهتمام صهيوني وحسابات متفق عليها أو مسكوت عنها. ويصبح صارخا وواضحا السؤال، لماذا حصلت مرة أخرى؟، وهل سيتعظ منها بعد تلك التجربة والخبرات التي تولدت منها كما هو مفروض؟. وماذا تعني بيانات الأمم المتحدة بشأنها الآن؟ وهل حقا أصابتها الصدمة منها أم من تكرارها بالوحشية نفسها وبالأساليب الإجرامية ذاتها وتحت بصرها ومشاركتها؟ وهل يعني بعد ذلك ما تقوم به أم ستبقى هذه المأساة وصمة عار عليها وعلى ميثاقها ومجلس أمنها؟. وكالعادة تحول التخاذل الرسمي العربي خصوصا إلى رافعة وعامل مشجع لاستمرار المجازر، وتراجع المساندة وتقاسم الاتهامات. وهنا أريد التأكيد على النظام الرسمي العربي الذي يستمر في مواقفه المخجلة والمعبرة عن تواطئه الصارخ مع أعدائه أساسا، ولو ـ وليس لهذا الحرف محل من الأعراب هنا ـ أدرك ما يبيّت له، لما وقف هذه المواقف ولما تحول إلى ناطق رسمي باسمهم قبل أن يدافع عن نفسه ومكانته ومستقبله الذي لم يعد بعد مستترا وخافيا، وكأن درس العراق اصبح بعيدا عنه وان ما يقدمه بسخاء ودون حساب وحكمة سيعفيه من ذلك المصير. فالمشاريع الصهيو أمريكية قادمة ومستعجلة وصريحة ولا تخجل من التصريح بها أدوات العدوان حتى في العواصم العربية قبل عواصمها المعروفة. وهنا يتساءل أي إنسان: لماذا هذا التخاذل والتحايل والتغابي والمشاركة في مثل هكذا جرائم ومجازر، لا تحتاج بعد الثورة التكنولوجية والفضائية والرقمية إلى ما يوصلها له ويشرحها إلى مداركه؟. وإذا كان الأمر غير ذلك فما هو السر الكامن وراء قانا الأولى وقانا الثانية وما بعد قانا؟ واذا لم يتعظ من الدروس والعبر ومن الأيام وما تحمله من مفاجآت فمتى تصير الأمور عقلانية ومحسوبة باتزان وعقل ومصالح وطنية أو قومية، حتى ولو بالألفاظ التي باتت غير مفهومة.
بعد مجزرة قانا الثانية، وهي واحدة من عشرات المجازر المصاحبة لها والمتوالية معها وقبلها وبعدها، الآن بلبنان وغدا بمن سيأتي دوره بعد لبنان، لا يمكن ولا يجوز الصمت ولم يعد ممكنا، لان الخطر ليس على النظام وحده الآن، بل أن شراره وصل إلى الآمنين والمحميين بكل الاتفاقيات والقوانين، ولم ينفع التغاضي واختفاء النعامة بالكلام المعسول والشعارات البراقة والتراجعات التكتيكية التي تتصور أنها زوبعة وتمر أو كما سميت ببيانات وتصريحات علنية أنها مغامرة غير محسوبة وانتهت أبعادها. إن قانا عنوان كبير لما يأتي وما يحمله أعداء الأمة العربية من مشاريع ومخططات جديدة لإعادة رسم خارطة المنطقة وتشكيل نظام يتفق مع الهيمنة الإمبراطورية الصهيو أميركية، وما قانا إلا إشارة واحدة أو مؤشر بارز منها، وما حدث بفلسطين والعراق عربيا إلا بدايات أولى لما هو مطلوب ومرسوم ومن لا يقرا ذلك اليوم سيندم عليه غدا، ولا مناص من اخذ العبرة عاجلا وبمسئولية عالية وعدم الانتظار إلى ضحى الغد. فكل يوم يمر هو خسارة كبيرة إنسانية واقتصادية واجتماعية وثقافية وحتى زمنية لتاريخ يكتب ولحسابات لا ترحم ولا تنتظر قرارات أخرى.
بالعودة إلى مجزرة قانا وما حصل معها من تحركات، وترددت من أصداء هنا وهناك، يمكن القول أنها حركت بحيرة الانتظار والصمت المريب ومنحت العمل السياسي محركا جديدا يدخل من خرم إبرته إلى العلن والكشف عن أبعاد الجريمة والمأساة كلها، ويحشد لها محليا وعربيا ودوليا، وتتحول قانا من موقع جغرافي ومؤشر سياسي إلى منطلق لوضع حد للصلف الإمبريالي والعدوان المستمر بالآلة العسكرية الوحشية الصهيو أميركية والتغاضي الأوروبي والمصاحب لها وبالأطماع الاستعمارية المعلومة منه، ورد الاعتبار لدماء الشهداء ومعرفة حقائق ما حصل بقانا رمزا وبقانا إطارا واسعا لجمع اكبر قدرات عربية لصد العدوان وإدانته مباشرة وبالأسماء والعناوين له، وعدم الاكتفاء بالتراضي الموقت والاعتماد على حل جزئي يحول القضية برمتها إلى مدخل للمخططات العدوانية الأكبر منها من زاوية أخرى، والسماح لها بالهروب من الباب لتعود من الشباك العريض، وتمكين العدو تحت مسميات أو عناوين أخرى، باسم قوات أطلسية أو اتفاقيات استسلام معروفة ووعود استعمارية.
ما بعد قانا يتطلب من الجميع إدانة العدوان الاسرائيلي المدعوم اميركيا، والإقرار بفشله وخيبة أمل مؤيديه علنا أو سرا، والاعتراف الصريح بحق الشعوب بالمقاومة وعدالة قضاياها ومصالحها وكرامة الدماء الزكية التي عبدت دروب الانتصار وأضاءت فجر الحرية والديمقراطية والسلام حقا وفعلا، ليس بلبنان وحده، وإنما في كل ارض مظلومة وعند كل شعب لم يبت على ضيم وليست من ديدنه الذلة، بل العزة والكرامة والشهامة والصدق في الأقوال والأفعال، والأيام حبلى، فليست مأساة قانا وأخواتها إلا الدرس والإنذار التي يجب ألا تتكرر بعد الآن، وتتحول إلى نصب تاريخي يذكر الأجيال بها ويدفع إلى الاعتبار منها، ترفع دوما لها القبعات احتراما ووقارا..

k_almousawi  @  hotmail.com

د. كاظم الموسوي

تاريخ الماده:- 2006-08-07 

 
 

Source: Arab Renewal

 
  Back to top