hd    
 

المقــــــــاومــــــة ولبــــــنان الآتـــي

بقلم المطران جورج خضر

12 August 2006

أخيراً اتخذت الحكومة قرار إرسال الجيش الى الحدود عند انسحاب جيش العدو، فيما أكتب هذه الأسطر لم يصدر بعد قرار مجلس الأمن يأمر جيش العدو بالجلاء على وضوح شرعة الأمم المتحدة بإنهاء كل احتلال.
هذا والمقاومة باقية اذا لم تتسلم القوة الدولية مزارع شبعا. وحديثي اليوم عن المقاومة الاسلامية وفلسفة استقلالها عن الجيش. وما يدعم رؤيتي هذه البطولات التي أظهرتها المقاومة وتقنيتها العظيمة وحجم ترسانتها وتحرك أظهر لنا ان استخبارات العدو لم تكن بشيء كما افتضحت اسطورة تفوقه العظيم.
سؤال أول يطرح نفسه لماذا لا تنضم المقاومة الى الجيش. جوابي البديهي انها في ذلك تكون قد وضعت حداً لحرب العصابات وان الجيش لن يقوى بها لو انضمّت اليه لأن لبنان سيخسر الفائدة العظيمة من وجود حرب عصابات. أي نكون قد خسرنا قوة عظيمة باسلوبها وروح نضالها وما كسب الجيش قوة إضافيّة. لقد ثبت ان لبنان لا يستطيع صد عدو دائم لنا اذا تخلينا عن حرب الأنصار. وكونه عدواً دائماً من رموزه ان اسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي لا يعيّن لها دستورها حدوداً نحن متروكون اذاً لحسن أخلاقها وهذا يحتاج الى إثبات.
السؤال الثاني لماذا مقاومة إسلامية. هذا متعلّق بالأيديولوجية التي تُلهم المقاومين. هؤلاء مجاهدون في سبيل الله كما هم يعتقدون. والجمهور الذي يحيط بهم أو هم محوره يعتقد ذلك أيضاً ما عدا فئة من مذهبهم. ثم من يمنع اللبنانيين غير الشيعيين ان يقاتلوا في سبيل الوطن وليس في سبيل الله؟ ان لم نقبل القوة الدولية ان تبقى الى الأبد فمسألة الدفاع عن الوطن مفتوحة، ذلك ما لم نجد نحن والعرب والدول صيغة عسكرية للدفاع عن لبنان. ان العرب لا يريدون ان يخرجوا جيوشهم معنا ولا سيما ان بعضا منهم حليف الاميركيين وان بعضاً له تبادل ديبلوماسي مع اسرائيل. العرب لن ينوجدوا على ساحتنا عند الاعتداء وتقتصر جهودهم على دعمنا الديبلوماسي وهذا في أفضل حال.
قبل توقيع سوريا ثم توقيعنا معاهدة سلم مع اسرائيل فهي مهددتنا ولن تهدد سوريا فإن سوريا لم تهددها ولا أحد في العالم يهدد سوريا. فإذا قبلتم بقيام حرب عصابات عند اقتحام اسرائيل بلدنا يحق لهذه المقاومة ان تقوى كما تعرف. لذلك أقول إن نزع السلاح عن حزب الله لا معنى له ما لم نضمن سلامنا. لا يكفي ان نقول إن تحرير مزارع شبعا ينزع عن الحزب ذريعة التمسك بسلاحه.
السياسيون اللبنانيون أو بعضهم يقولون هذه ميليشيا والسلاح سلاح الدولة. هذا يصح نظرياً ولكنه تأكيد حقوقي لا يأخذ الواقع في الاعتبار. أعطونا مع اسرائيل سلاماً مضموناً دولياً نطمئن اليه وهو ان الدول ستأتينا بسرعة البرق لترد عنا احتمال هجوم في أي ظرف. وهذا لا يؤكده أحد نصاً حتى الآن.
مع ذلك ما الحقيقة المبدئية في علاقة الجيش بالمقاومة؟ في المبدأ ان كل المقاومات التي ظهرت في أوروبا كانت متصلة بالجيش مع استقلالها العملاني. بكلام آخر ان المقاومة ليس لها قرار سياسي بمبادرة في القتال. عندئذ يثبت ان لا علاقة لها بسياسة اقليمية. هناك تناقض في رؤية كل الشعوب المتحضرة ان يكون الفريق الواحد صاحب قرار سياسي وقرار عسكري. فالحكام هم أهل السلم والحرب. لذلك كان كليمنصو يقول: الحرب هي بهذا المقدار هامة انك لا تستطيع تسليمها الى العسكر (وأراد ذلك ان العسكر لا قرار لهم في بدئها ولا نهايتها). ولكن كل هذا بحث مرجأ الى طاولة الحوار.
 
الواضح عندنا وفي الحزب انه لا يسعى الى تحرير القدس فإن سوريا وإيران ليستا مستعدتين لذلك ولأن تحرير القدس يتطلّب جيوشا وليس حزب الله جيشاً ولا يحلم عرب اليوم ان كانوا متأمركين ومؤسرلين بتحرير القدس. الى هذا ليس عند الولايات المتحدة رغبة في اقتحام ايران لأنها اذا قصّر حلفاؤها الإفغان في بلادهم عن الاستيلاء على كل البلد واذا لم تتمكن أميركا من نشر سلمها في العراق ولن تتمكن فإيران الأقوى من أفغانستان والعراق بعدد سكانها وعديد جيشها وتكوين جغرافيتها ستكون مقبرة للأميركيين. ومشكلة السلاح النووي ستطول وليس لحزب الله دور في حل مشكلة ايران مع الاميركيين.
أنا عندي مشكلة مع ايديولوجية حزب الله وليس لي في التوضيح الذي أتيت به مشكلة مع المقاومة . وهذا يعني ما بقي الحزب وسيبقى طويلاً - اننا بعد الحرب وحلول السلام الحقيقي في البلد سيواجه اللبنانيون هذه الأيديولوجية كما يواجهون كل الايديولوجيات.
ما لا بد من قبوله اليوم هو ان أحداً في العالم لا يقنعني ان خطف جنديين اسرائيليين كان سبب حرب معدة من زمان. الواقع الذي لا يناقش ان اسرائيل هي التي دمرت بلدنا وقتلت ضحايانا وجرحت مَنْ جرحت. نحن مع المقاومة لنضمّد جميعا جروحاً هي في الواقع جروح عدد من اللبنانيين كبير وهم من كل الأطياف والفئات. لذلك ليس من معنى استراتيجي للقائلين ان حزب الله زجنا في الحرب.
لا أحد ينكر اذاً انه لا يسوغ ان تكون دولة في دولة والمبدأ يصح تطبيقه إن صارت دولتنا دولة محصنة. ولكن ان تلغي المقاومة نفسها الآن على رجاء قيام دولة قوية يعني ان تلغي قوة فاعلة برهنت عن تفوّق عسكري كبير في انتظار نشوء دولة ليس فيها كل مقوّمات الحماية. انت لا تقارن واقعاً بحلم. ازاء عدو لا تثق به والمتكرّر عداؤه تحتاج الى اختراع حماية للبنان دائمة.
هناك طبعاً مشكلة السلم مع اسرائيل. هذه تخص العرب جميعاً لأننا لا نريد ان نبيع الفلسطينيين لليهود وليس لنا وجود أمام الله والتاريخ ان لم نحافظ على كرامة الفلسطينيين. لعل أهم ما انجزه حزب الله انه أول فريق عربي صمد أمام اسرائيل وان قادتها اكدوا انهم لا يستطيعون القضاء عليه كلياً. مَنْ كان عنده اداة تخويف مثل هذه أيرميها جانباً لحلمه ان جيشنا سيتصدّى؟ وهل يكون مطمئناً لحسن النيات عند اسرائيل تجاه لبنان؟ لو كانت لها هذه النيات لماذا فعلت ما فعلت؟
معنى ذلك ان ما يوحّد الشعب اللبناني شيئان: أولهما الغضب على اسرائيل "ليطمئنّ قلبي" وتزول اسباب الغضب برعاية دولية للبنان متحركة ورادعة لعدونا التاريخي وثانيهما ان نؤمن ان اسرائيل ليست عدوة للشيعة وحدهم ولا ضاربة للجنوب وحده. انها لغباوة ان نظن ان عداء اسرائيل لنا ناتج من تحرش الشيعة باسرائيل. هذا اذا تحرشوا.
وهل هي خطيئة ان تكون لقوم بيننا حماسة لا تتوافر عند الآخرين بالقدر نفسه؟ هذه حماسة الفقراء الذين يؤثرون الموت على حياة منقوصة الكرامة. الشيعة ظلمهم التاريخ وهم قلة في دار الاسلام وما حكموا حتى لا استفظع مصائب أخرى حلت بهم بقوة الفاتحين من ديانتهم وغير ديانتهم.
ماذا لك على فاجعيتهم أو كربلائيتهم؟ هذا تراثهم وهذا شعورهم. هل تظن ان أحداً في هذه البلاد ليس له كربلائيته؟ ولكنا نصمت من أجل الوحدة الانسانية والوحدة اللبنانية لنتعايش في فلسفة حكم مدني كما سماه المغفور له الإمام محمد مهدي شمس الدين. وهذا كان موقف السيد موسى الصدر بهذا التعبير او بآخر ولعل تعلّق الشيعة بالعدالة يقرّبهم من الإلحاح على عدالة يقرّ بها كل لبناني للبناني الآخر.
لن أناقش الحركة الإحيائية في الإسلام كما يسميها الدكتور رضوان السيد. أرجو ان تكون الاحيائية سحابة صيف تزول أمام غرب يكون أشد إصغاء. الى انين المستضعفين. كنت أعرف شيئاً عن غطرسة الغرب ولكن بعدما طالعت كتاب غسان سلامة: "عندما تعيد أميركا صنع العالم" بالفرنسية وفهمت رفض اميركا للقانون الدولي واستعمالها "الصيف والشتاء على سقف واحد" والتعدي على حريات الشعوب ودعم الديكتاتوريات في العالم أدركت ان مشوارنا مع يهود فلسطين طويل. عندما فهمت ذلك اقتنعت بأن لبنان عليه ان يفتش عن اسباب لديمومته أقوى من التي يستعملها الآن.
واذا صح استدلالي في هذه الأسطر، لم يبق من سبب لخلافات طائفيّة. ليس صحيحاً ان احداً منا لا يحب لبنان وان صح ان كل من تعاطى السياسة له صداقات هنا وهناك. هذا من طبيعة التكوين التاريخي لبلد أجمعنا على انه نهائي. ليس المجال هنا للتحدث عن تنظيم داخلي آخر للبلد فقد قلنا جميعاً باللامركزية. ولكن اسمحوا لي انا الارثوذكسي ألا أعيش حصراً مع مسيحيين آخرين في منطقة واحدة. المسيح لا يريد وطناً مسيحياً وقد قالها. أنا من الساحل السني وألفت الإخوة الموحّدين في الجبل، أحببت طلابي الشيعة في الجامعة اللبنانية بعدما ذقت ذكاءهم. يريد أحد كبار المحللين السياسيين ان يسمّينا شعوبا ولكنا تلاقينا في هذا البلد الطيب، الحالم، الوديع ونصرّ على ان نبقى معاً ولكن في وعي كامل لأعدائنا وخصومنا والأصدقاء حتى لا يقع الظلم على لبنان كما يقول حبقوق النبي والله موفّقنا الى ما فيه رضاه.

 مقالة نشرت في جريدة "النهار " اللبنانية بتاريخ 12-8-2006

 
 

 
  Back to top