قرار بلير ... عربياً ولبنانياً hd

من الالتحاق إلى الاستباق

 

معن بشور

التاريخ: 22/2/2007

 

        بغض النظر عن التفسيرات المتعددة التي حاول أركان الإدارة الأمريكية (وبينهم بوش ونائبه ديك تشيني ووزيرة خارجيته رايس)، إعطاءها لقرار رئيس الوزراء البريطاني طوني بلير (شريكهم في السراء والضراء)، بجدولة الانسحاب البريطاني من العراق، فان هذا القرار يشكل نقطة تحوّل هامة في مسار الحرب والاحتلال في العراق، ويظهر أن بلير الذي كان مشهوراً ومعتزاً بالتحاقه بقرار واشنطن في كل الشؤون الدولية، اخذ يعلن استقلاله مستبقاً قرار الانسحاب، ومغادراً سفينة الاحتلال الغارقة في مياه الرافدين المائجة بالمقاومة والمواجهة الدامية.

ولعل مسارعة دول كالدنمارك ورومانيا إلى إعلان الانسحاب السريع، والحديث عن احتمال إعلان هوارد الوثيق الصلة ببوش وبلير عن رغبته سحب قواته الاسترالية، من ما يسمى بالقوات المتعددة الجنسية (الاسم الذي أطلقه المجتمع الدولي على قوات الاحتلال)، يشير إلى أن قرار بلير لم يكن مجرد محاولة أخيرة منه لاستمالة البريطانيين الناقمين على انخراط بلادهم في الحرب على العراق، وهو يعد نفسه لمغادرة السلطة بعد أسابيع، كما لم يكن فقط، كما يبدو، محاولة لإنقاذ جنوده من نيران مقاومة أخذت تتصاعد في أماكن تواجدهم في جنوب العراق، وهي نيران مرشحة للتزايد مع تصاعد احتمالات المواجهة الغربية مع طهران، بل هو بشكل خاص بداية عدّ عكسي لعملية احتلال العراق، ورضوخ لإرادة العراقيين ومنظماتهم المقاومة التي أعلنت منذ البداية أن لا مفاوضات مع إدارة الاحتلال قبل الإعلان عن جدولة انسحاب قواتها من العراق، وهو بالضبط ما أعلنه بالأمس بلير، رغم رفضه على مدى سنوات الإقدام على مثل هذا الإعلان.

وليس من قبيل الصدف أبداً أن يتحدث بوش عن قرار بلير كتمهيد لاحتمالات جديدة لسياسته في العراق، خصوصاً وان خطته الأمنية الجديدة في العراق تتحول إلى فشل مطلق لن يقلل من حدّته العنف الذي تمارسه قوات الاحتلال وأدواتها ضد حياة العراقيين وكما ضد كرامتهم وأعراضهم.

فهل من انعكاسات لهذا الاتجاه الجديد في التعامل مع المسألة العراقية على أوضاع المنطقة، وخصوصاً على لبنان.

منذ أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001، وتحديداً بعد احتلال العراق ساد في لبنان، كما في المنطقة والعالم، تحليل خلاصته أن العالم قد سقط نهائياً في يد الهيمنة الأمريكية الأحادية، وأن النباهة والفطنة تتطلبان إدراك هذه الحقيقة، والتكيف معها إلى درجة الانصياع لكل أملاءاتها ومتطلباتها، فالسياسة الأمريكية قدر لا مرد له وأي خروج عنه يؤدي حتماً إلى القضاء على الخارجين عليه.

وفي ضوء هذا التحليل حصلت تغيرات، وأحياناً انقلابات، حاسمة في مواقف أفراد وجماعات وحكومات ودول من مجمل القضايا الوطنية والقومية والعالمية.

فهل يمكن اليوم، وفي ظل ما يعكسه الأفق المسدود للمشروع الأمريكي البريطاني في العراق، والذي عبّر عنه بلير بكل وضوح، إجراء المراجعة الجذرية لسياسات ومراهنات ومواقف كان لها، وما زال، تداعيات خصوصاً في لبنان.

هل يخرج اليوم من صفوف أصحاب التحليل "السبتمبري" (نسبة إلى 11 سبتمبر) من يظهر استعداداً للتكيّف مع المعطيات الجديدة، ولإغلاق كل حساباته التي أجراها في ظل المعطيات القديمة؟

هل نجد بيننا، وخصوصاً في لبنان، من يلاحظ بدقة انه وهو يحاول الفصل بين الأزمة اللبنانية وأزمة الصراع العربي الصهيوني، تحت شعار انه لا يجوز أن يتحمل لبنان وحده تبعات هذا الصراع (وهو شعار جذاب لكنه بحاجة إلى تدقيق)، انه ربط أزمة لبنان بالعديد من الأزمات الإقليمية والدولية، بما فيها الأزمة العراقية ذاتها، وهي أزمة قادت مع احتلال العراق إلى تصاعد الضغط الأمريكي من اجل تغيير جذري في المعادلات الحاكمة في لبنان آنذاك، وتتحول اليوم إلى نموذج يجري دفع لبنان إلى الاقتداء به باعتبار أن "النموذج العراقي" هو النموذج "الديمقراطي" المطلوب تعميمه في المنطقة.

طبعاً ليس قرار بلير وحده ما يحتاج إلى وقفة، بل هناك أمور عدّة تحتاج إلى وقفات بدءاً باهتزاز الكيان الصهيوني بعد حرب تموّز، إلى التحولات الهامة في أمريكا اللاتينية، إلى حل الأزمة الكورية الشمالية بما يرضي قادتها، والى إعلان الانتفاضة البوتينية الروسية ضد القطبية الأحادية الأمريكية التي وصلت إلى حد محاصرة الاتحاد الروسي بأنظمة صاروخية في بولندا وتشيكيا وأوكرانيا، والى التحذيرات الأمريكية من نمو القدرات العسكرية الصينية، والى الإخفاقات في افعانستان بعد العراق والاستجداء الأمريكي لإرسال قوات إلى البلدين، والى تمسك الفلسطينيين بوحدتهم رغم التحذيرات الأمريكية الصهيونية، والى إفلات سوريا من قضبان العزلة التي حاولوا لوي ذراعها من خلالها، والى ارتباك الغرب في التعامل مع المشروع النووي السلمي الإيراني، والى احتمالات بروز مواقف عربية مستقلة نسبياً عن الاملاءات الأمريكية بدأت تطل علينا من الرياض التي رعت لقاء (مكة المكرمة الفلسطيني) والتي تسعى مع طهران، وعبرها مع دمشق ودول أخرى بصياغة حل للازمة اللبنانية.

لكن بين كل هذه التحولات، يبقى القرار البريطاني الأخير ذات تأثير متميّز، لا لأنه يتصل بالقضية العراقية التي شكلت ذروة الهجوم الأمريكي على المنطقة والعالم فقط، بل لأنه يشير أيضا إلى وصول الاختلالات الجديدة في موازين القوى التي بدأت تلمسها "إدارة بوش" ومحافظوها الجدد لغير صالحها إلى ذروتها، سواء على المستوى الداخلي من خلال الانتخابات النصفية للكونغرس الأميركي وتقرير بيكر هاملتون أو على المستوى الدولي من خلال حرب باردة جديدة بدأت تطل في الأفق مع الموقف الروسي الحار، وبشكل خاص على مستوى الحلفاء كما ظهر بالأمس مع موقف بريطانيا والدنمارك وربما استراليا.

إن اهتزاز علاقة واشنطن بحلفائها، واهتزاز صورة إدارة بوش أمام الأمريكيين أنفسهم، مجتمعاً وكونغرس، ديمقراطيين وجمهوريين، ما كان لها ان تحصل لولا بطولات المقاومة العراقية وانجازاتها ورغم محاولات تشويهها وربطها بجرائم ضد العراقيين، ولولا انهيار أسطورة التفوق الصهيوني على يد المقاومة اللبنانية، ولولا الإصرار التاريخي لشعب فلسطين على التمسك بحقوقه رغم قرون من النضال والتضحية، هو ما يتطلب منا جميعاً ان نتطلع إلى حركات المقاومة في الأمة كقوة لنا جميعاً، فندعمها جميعاً بدلاً من التنصل من بعضها أو التمييز بينها، ونصونها كلها بدلاً من التخلي عن بعض منظماتها أو التحيّز لبعضها على حساب البعض، كما ندعو هذه الحركات بالمقابل إلى التنسيق بينها على امتداد الأمة وعلى السعي لتعزيز الوحدة داخل الكيانات الوطنية وعلى مستوى الأمة، لأن السلاح الافعل والأخير لأعداء الأمة هو سلاح الفتنة بعد فشل كل الأسلحة الأخرى ولأن تعطيل هذا السلاح هو المدخل لتحرير الأمة ونهوضها.

 
 

 
  Back to top