hd    
 


لندن الملف برس

استغربت صحيفة "الغارديان" البريطانية من الطريقة التي تتعامل بها الإدارة الأميركية مع أزمات الشرق الأوسط، فهي بعد أنْ فشلت فشلاً شنيعاً في مغامراتها ضد أفغانستان والعراق ولبنان، راحت تكشف عن تحضيراتها لمهاجمة إيران. وفي هذه الأثناء فإن جميع النزاعات في الشرق الأوسط ارتدت فجأة أثواب الطائفية، وأخذ أقطابها يصوّرون إيران على أنها "المذنب الرئيس".

ولا شيء تقول الصحيفة- يبدو مفهوماً بالنسبة لوسائل الإعلام والمؤسسات السياسية الغربية، فكلها تردّد أنّ ما يحدث مرتبط بالطموحات الإيرانية في أفغانستان، العراق، لبنان، فلسطين، وحتى بالنزاعات البعيدة مثل التي تحدث في الصومال ودارفور السودانية.

وتبدي الصحيفة استغرابها أكثر فأكثر لتقول: إن كل خصوم إيران وكارهيها لسبب أو لآخر في المنطقة أو في خارجها، لم يعودوا يريدون رؤية التدخلات الأميركية السياسية والعسكرية، سبباً رئيساً لمشاكل المنطقة، ناهيك عن السبب الأساسي للفوضى والإضطرابات العنيفة التي تغلف كامل الحياة في دول الشرق الأوسط. 

وترى صحيفة "الغارديان" أنّ الادعاء بأنّ التعصب الطائفي هو الذي يؤجج النزاعات على امتداد العالم الاسلامي لا يكتسب درجة كبيرة من الدقة، بالرغم من المحاولات التي صوّرت إعدام صدام حسين على أنه نتيجة لهذه النزاعات. وقبل أسابيع فقط، كشف استطلاع رأي في مصر، التي يسكنها غالبية سنية مطلقة، أنّ حسن نصرالله زعيم حزب الله اللبناني، والرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، وخالد المشعل زعيم حماس، صُنفوا على أنهم أشخاص شعبيون جداً في مصر، علماً أنّ إثنين منهم شيعة.

إنّ القتل المنظم للرئيس العراقي السابق حسب الصحيفة البريطانية- الذي صوره الأميركان وحلفاؤهم ولفترة طويلة على أنّه دكتاتور سنـّي، وُوجه بمتغيرات حادة في تصوّر الحالة، فالملايين من السنة على مستوى العالم رأوه "عملاً شنيعاً ارتكبه بعض الشيعة" الذين يشكلون أقلية في المجتمع الإسلامي ذي الأغلبية السنية التي لا يمكن أنْ تتحمّلهم بعد الآن. هذا ما حاول الأميركان زرعه في الذاكرة العربية. 

ومنذ ذلك الحين يعامل بعض المتحمسين في فتح داخل فلسطين "منظمة حماس" كما لو أنها منظمة شيعية، لإنّ الحركة موعودة بمساعدات مالية من إيران. وتؤكد "الغارديان" أنّ بعض العناصر السنية في التحالف الحاكم في لبنان يبرّرون معارضتهم لحزب الله على الرغم من دوره الكبير في تحقيق النصر على اسرائيل- كضرورة لإيقاف المدّ الشيعي في لبنان. وثمة شائعات سرت كالنار في الهشيم تقول إن هناك سوريين تحوّلوا طائفياً الى المذهب الشيعي، لكنها مجرّد شائعات بدون أي برهان.

وتزعم بعض المصادر أنّ عدداً من علماء السنة في إيران استنكروا الحملات التبشيرية التي تقوم بها إيران في شمال أفريقيا والسودان لنشر الفكر الشيعي.

وتستنتج الصحيفة البريطانية أنّ العراق هو المكان الوحيد بين كل البقع الساخنة في المنطقة، الذي تحوّلت فيه التوترات الطائفية الى نزاع دموي قاس وعنيف ومتواصل. لكنّ ذلك حدث فقط كنتيجة للاحتلال الأميركي. وقالت: إنّ الأميركان والبريطانيين بعد أنْ أخفقوا في تقديم أي دليل يبرّر عدوانهم على العراق، زعموا أنـّهم كانوا يهدفون الى إنقاذ الأكثرية الشيعية من نظام صدام حسين السني. وفي الحقيقة ليس هناك دليل إحصاء سكاني يؤكد أنّ الشيعة يشكلون الأكثرية في البلد، كما أنّه ليس هناك موثوقية بالمزاعم التي تقول إنّ نظام صدام كان سنياً. لقد كان نظاماً علمانياً وقومياً وكان حزب البعث الحاكم كما يُعتقد يضم عناصر شيعية بين أعضائه المتقدمين أكثر من العناصر السنية. ودليل ذلك أنّ 32 من أصل 52 مطلوباً من أعضاء قيادة البعث كانوا من الشيعة، وكان صدام حسين يعاقب من يقف بوجه نظامه بصرف النظر عن الدين والطائفة والعرق.

وعلى الرغم من أنّ التحالف "الأميركي الشيعي" حسب الصحيفة- أنهى حكم صدام حسين، فإنّ التطرّف الطائفي لم يصبح حالة جدية إلا بعد أنْ أوجد الأميركان المحتلين نظاماً مستنداً على المحاصصة الطائفية، وهي العملية التي أوجدت في العراق خطوط التقسيمات الطائفية. ثم جاء تدمير ضريح أحد الأئمة الشيعة في مدينة سامراء ذات الأغبية السنية في شهر شباط من العام الماضي، ليمنح الذريعة لجيش المهدي والفئات الإيرانية المتدخلة في شؤون العراق وعناصر الميليشيات المحتمية بوزارتي الدفاع والداخلية، لتثير هياجاً شعبياً عارماً أدّى الى القبض على بعض سكان بغداد السنة وذبحهم. ومنذ ذلك الوقت فإن ما يقارب المائة مواطن عراقي من الشيعة والسنة يقتلون يومياً في نزاع طائفي لم يكن مسبوقاً.

ويبدو أنّ الأميركان وحلفاءهم من عرب المنطقة، باتوا مقتنعين الآن أنّ "عدوّهم الإيراني" هو "الرابح الحقيقي" من احتلال العراق. وصار في عرف الجميع- أنّ التهديد الحقيقي للمصالح الأميركية في المنطقة سببه رفض إيران التخلص من برنامجها النووي. وتشترك في هذه الرغبة اسرائيل على وجه الخصوص ودول عديدة في العالم.

وتعتقد الصحيفة التي نشرت تحليلها السياسي المعمّق باسم عزام التميمي مدير معهد الفكر الإسلامي السياسي في لندن، ومؤلف كتاب (حماس: الفصول غير المكتوبة) أنّ التحالف الشيعي الأميركي في العراق أسفر عن نتائج معاكسة في الولايات المتحدة. الآن تقول الصحيفة- وفي الذكرى الرابعة للاحتلال فإنّ هذا التحالف يمهّد الطريق لهجوم على إيران. وهناك ظنون واسعة النطاق في المنطقة بإنّ الاجتماع الذي عقد في الأردن في العشرين من شهر شباط الماضي بين "كونداليزا رايز" وزيرة الخارجية الأميركية، ورؤساء مخابرات السعودية ومصر والأردن والأمارات، كان يهدف لتحضير أرضية الحرب ضد إيران.

وتعلق الصحيفة على ذلك بقولها: إن هذه التمهيدات للحرب تبدو للعالم السني الذي كان يعارض حتى فترة قريبة أي هجوم تتعرّض له إيران- كما لو أنّها استحقاقات يجب تشجيع الأميركان على تنفيذها. إنّ دور أصدقاء واشنطن في المنطقة سيكون بشكل محدّد تصوير إيران على أنها تهديد حقيقي للعرب وللسنة. وفي الحقيقة فإن أفضل مناخ لتحقيق هذا الهدف "الحرب ضد إيران" هو المناخ الطائفي سواء أكان ذلك داخل العراق أم على نطاق المنطقة كلها.

وتستدرك الصحيفة البريطانية قائلة: لكنّ التحالف الأميركي السني من الممكن أن يجلب أيضاً نتائج عكسية، تماماً كما آلت اليه امور التحالف الشيعي الأميركي. فإذا كان واحداً من النتائج الأخيرة للصراع ردّ فعل سني، علينا أنْ ننتظر لنرى ما الذي سيفعله الغضب الشيعي الداعم لإيران في عالمنا. إنّ الغضب لن ينحصر في أوساط الشعية وحدهم، فالتحالف الأميركي السني مرتكز في الحقيقة الى الأنظمة الفاسدة في السعودية، مصر، الباكستان التي تدعي زيفاً أنها تمثل الإسلام السني، وأنـّها كما تقول صحيفة الغارديان- محتقرة من قبل شعوبها، التي تحتقر أيضاً من يساندها في الغرب.

وترى الصحيفة أنّ إيران إذا ما هوجمت، فإنه من غير المحتمل بشكل كبير أنْ لا يبالي المسلمون السنة بذلك؛ فهم قد وقفوا الى جانب حزب الله في الصيف الماضي. ومن المؤكد أنهم سيقفون الى جانب إيران إذا ما اندلعت الحرب الأميركية ضدها. إنّ المحاولة لخلق تحالف أميركي سني فشلت حتى الآن لإقناع معظم السنة أنّ إيران وليس الولايات المتحدة الأميركية- هي العدو الرئيس.

وكانت الأوساط السياسية والثقافية والعلمية العربية في لندن قد أعربت عن ارتياحها لما جاء في تقرير المفكر السياسي عزّام التميمي الذي نشرته الغارديان، ورأت أنّ الولايات المتحدة تصطاد دائماً في المياه العكرة. وإنه لأمر كارثي أنْ تنظر أميركا كدولة عظمى الى إيران على أنها "سوبر بور" أو قوة عظمى في الشرق الأوسط. وأكدت هذه الأوساط في رسائل مكتوبة نشرها موقع الصحيفة على الانترنيت إنّ الولايات المتحدة تريد اقناع السعودية ومصر والأردن على أنّ ايران يمكن أنْ تهاجم الدول الاسلامية العربية السنية نووياً، وهو أمر من المستحيل على إيران الإقدام عليه. فهناك شيعة في هذه البلدان وهناك سنة في إيران نفسها، وفي كل الأحوال فإن إيران دولة اسلامية. أما هذه الحرب "المتخيلة" فهي كذبة اميركية عظم

 
 

 
  Back to top