hd    
 

الخروج من عنق الزجاجة: العراق وأمريكا، من تورط بمن؟

د.منذر الكوثر

هل يخطط الأمريكان لتقسيم العراق أم أنهم لايكترثون أم هم لايدرون مايفعلون وكل ما يقومون به من أفعال ويتخذونه من قرارات هو من باب التخبط الأعمى؟ أم أنهم متفائلون بصورة ساذجة الى حد الإعتقاد بمبدأ ما يدعى الفوضى الخلاقة؟ أما إحتمال أن مايريدونه حقا هو مايقوله الساسة الأمريكان والرئيس بوش من أنهم يريدون تحقيق الديمقراطية في العراق وسيادة مفاهيم حقوق الإنسان واحترامها والخير للمنطقة، فكل أفعالهم ومايترتب عليها يناقض ذلك بما لايترك مجالا لأعمق الحالمين نوما أن يصدقهم.

يبدو أن شهر نيسان من الشهور غير العادية لدى العراقيين، ففيه تأسس حزب البعث وفيه ولد صدام حسين وفي يوم 9 نيسان من هذا العام تكون قد مرت على سقوط بغداد تحت سيطرة القوات الأمريكية اربعة أعوام. مما يستدعي الى الذاكرة قول الشاعر الإنكليزي تي اس اليوت في قصيدة الأرض اليباب "نيسان أقسى الشهور" T.S. Eliot (18881965). The Waste Land. 
APRIL is the cruellest month
ولكن مالفرق بين حرب الخليج عام 1991، أو حرب الكويت وبين حرب 2003 التي مازالت مستمرة رغم إلان الرئيس جورج دبليو بوش إنتهاءها في وقت مبكر لتثبت الأيام والسنوات اللاحقة مدى غفلته. في حرب 1991 فضل الأمريكان الذين قادوا القوات المتحالفة بتفويض من مجلس الأمن الدولي أيقاف العمليات بعيد خروج القوات العراقية من الكويت وبعد تدمير قدرة العراق العسكرية بحيث لم يعد قادرا على القيام بعمل عسكري مؤثر ضد أي جيش نظامي، ورغم جاذبية فكرة التقدم نحو بغداد التي راودت نورمان شوارسكوف حينها إلا أن الرئيس جورج بوش الأب قرر إيقاف الزحف. مع تمكن القوات المتحالفة من فعل ذلك وبدون مقاومة. وكان السبب الذي أبداه الرئيس بوش الأب حينها مبررا إحجامه عن أمر قواته بالتوغل نحو بغداد هو إن قرار مجلس الأمن 678 (نوفمبر 1990) ينص على تحرير الكويت وليس احتلال العراق أو إسقاط نظام بغدادوأن التحالف القائم بين الولايات المتحدة والدول التي شاركتها الحرب قد يتصدع نتيجة عمل كهذا. ولكنه لم يذكر سبب دعوته للشعب العراقي أن يثور على حكامه حينها ثم سبب غضه النظر عن قوات صدام حسين وهي تكتسح الثائرين بعنف. (بل أنه سمح لقوات صدام حسين بخرق شروط وقف إطلاق النار بين القوات العراقية وقوات التحالف، ومنها منع طيران أية طائرة عراقية ذات جناحين، فكان أن قامت مقاتلات الجيش العراقي ذوات الجناحين بقصف المدن العراقية تسهيلا لإكتساحها من قبل المدفعية والصواريخ والدبابات والمشاة، وسماح كهذا لايمكن أن يتم إلا بموجب عقد إتفاق قذر)
جورج بوش الإبن قرر إحتلال العراق من دون إنتظار غطاء من شرعية دولية أو ماشابه، وقد فعل ذلك لمجرد أن أمريكا قادرة على فعل ذلك، تماما كما برر بل كلنتون سبب فعلته مع مونيكا لوينسكي. ومن بين الحقائق التي صرنا نعرفها بعد أربع سنوات من إحتلال العراق والحرب المأساوية المستمرة وأعداد من القتلى العراقيين والأمريكان وصلت الى مئات الألوف، ومهجرين عراقيين بالملايين، من بين الحقائق التي صرنا الآن نعرفها أن أسباب شن الحرب التي أعلن عنها قبيل الحرب لم تكن حقيقية، فلم يتم العثور على اي من أسلحة الدمار الشامل ولم يتم إثبات وجود علاقة بين صدام حسين وهجمات 11 سبتمبر أو علاقة بينه وبين تنظيم القاعدة. وصرنا الآن نعلم أن ثمة حرب تخوضها أمريكا وبريطانيا في العراق ولكننا لانعلم على وجه الدقة لماذا. وبعد أربع سنوات مازال الإحتلال مستمرا مصحوبا بالقتال المستمر والفوضى وإنعدام الأمن ومرة أخرى لاندرى الى متى ستستمر الأوضاع على ماهي عليه. 

ثم حين لم يتم العثور على أسلحة الدمار الشامل أو دليل يربط بين العراق وهجمات 11 أيلول صار أحد أكثر أهداف الحملة الأمريكية على العراق بريقا هو الدعوة الى إقامة نظام ديمقراطي في العراق بعد إسقاط نظام صدام حسين. ولكن للنظر الى ماحدث فعلا لهذه الديمقراطية وكيف جرت محاولة تطبيقها وماهي النتائج التي أدت اليها لحد الآن وماهي النتائج المتوقعة. الخارطة العراقية هي من صنيعة الإستعمار البريطاني الذي ورث كثيرا من المناطق التي كانت تحت سيطرة الدولة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى. فأثناء الحرب وفي عام 1916 الحرب إتفقت كل من بريطانيا وفرنسا على تقاسم مناطق النفوذ، وحددت الخرائط بحسب ما إتفق عليه المفاوضون البريطانيون والفرنسيون. فكانت سوريا ولبنان من حصة الفرنسيين في حين أصبحت كل من فلسطين والعراق وأجزاء من بادية الشام الواقعة بين فلسطين والعراق تحت سيطرة البريطانيين. كان الرجل القوي في شبه الجزيرة العربية هو عبد العزيز بن سعود، وكان واسع الطموح وحظي بدعم البريطانيين ولكن ضمن حدود. فقد سمحوا له بالسيطرة على أجزاء كبيرة من شبه الجزيرة العربية ليؤسس فيها مملكة تحمل اسمه هي المملكة العربية السعودية ولكنهم أوقفوه بالتنبيه والبقوة أحيانا عن أن يمد نفوذه الى العراق أو فلسطين أو بادية الشام الواقعة بينهما والتي يفصلها عن فلسطين نهر صغير يدعى نهر الأردن. فتم تأسيس إمارة أطلق عليها إسم إمارة شرقي نهر الأردن لتضمن أجزاء من بادية الشام والمدن الصغيرة المتناثرة فيها. ثم تم تأسيس دولة سرائيل على جزء من أرض فلسطين على أن تقام دولة للفلسطينيين على الضفة الغربية لنهر الأردن بقرار من الأمم المتحدة عام 1947، ورفض العرب المقترح فتمت عملية ضم الضفة الغربية لنهر الاردن الى إمارة شرقي الأردن عام 1949. فأصبحت تسمية إمارة شرقي الاردن غير دقيقة مما إستدعى تعديلها لأن تلك الدولة صارت تضم شرق نهر الاردن وغربه، فسميت إسما جديدا يليق بحجمها الجديد (المملكة الأردنية الهاشمية). وبقيت على تلك التسمية على الرغم من أن إسرائيل قد إحتلت الضفة الغربية عام 1967 وأعادت تلك الدولة الى حجمها السابق، ولكن ربما بسبب اللياقة أو المكابرة لم يعد للإمارة إسمها القديم. 

في ذلك الاطار ساعدت بريطانيا على تاسيس المملكة العراقية على أرض تمتد بين تركيا شمالا والخليج جنوبا وإيران شرقا وسوريا وشرقي الأردن غربا. وسكان العراق خليط من أقوام هم عرب (غالبية) وأكراد وتركمان وأقوام اخرى. تحت الحكم العثماني لم تكن في العراق مشاكل انقسام قومي لأن الدولة كانت تحكم باسم الإسلام وأكثرية العراقيين مسلمون. العرب في العراق ينقسمون الى غالبيتهم من الشيعة وأقلية من السنة. حين تأسست الدولة العراقية الجديدة على الطريقة البريطانية، بدات المشاكل تظهر نتيجة السبب القومي أولا. فالعراق تم تصنيفه على أنه دولة أساسية من دول الجامعة العربية مما ولد شعورا بالإقصاء لدى الشعب الكردي فتوالت ثوراته على السلطة المركزية في العراق التي تعاملت بالعنف مع ثورات الأكراد وتتوج ذلك العنف بعمليات الأنفال في نهاية الثمانينات من القرن الماضي. الدولة العراقية الحديثة بدات مملكة تم إستبدالها بنظام جمهوري عام 1958 بواسطة انقلاب عسكري لتتوالى الإنقلابات بعد ذلك وصولا الى حكم صدام حسين وبقية القصة معروفة، ولكن ما يمكن فهمه منها أن الخارطة التي رسمتها بريطانيا للمنطقة سارت بشكل متعثر لعقود من الزمن ثم وصلت الى مأزق حرج. فقد أدث الى نشوء دول غير واضحة المعالم تعاني مشالك في الحدود وفي الإنتماءات وفي الهوية. فالعراق الموحد شكلا لم يكن موحدا داخليا بشكل يمكنه من افستمرار، والأردن إسم لنهر أريد له أن يصبح إسما لشعب وأرض مما جعل هذا البلد يعيش حالة نزاع من أجل البقاء إزاء نفسه اولا وإزاء جميع جيرانه، والمشكلة الفلسطينية ووضع إسرائيل مازالت تكتب حولها الكتب ويعيد العنف المستمر تشكيلها كل يوم. وكذلك المشكلة بين سوريا ولبنان وبين لبنان واسرائيل وهكذا.

قبل أربعة أعوام تدخلت أمريكا ومعها الخبير القديم بريطانيا، لحل مشكلة جزء من أجزاء المنطقة هو العراق حيث وصل تعقيد الأوضاع الى حد حرج. فالدولة الوطنية الحديثة في العراق أثبتت فشلها وانتهى مشروعها بشكل مأساوي ومع الإحتلال دخلت مرحلة جديدة لابد فيها من إعادة الهيكلة بشكل جذري. ولقد جرت محاولة إقحام العملية الديمقراطية على العراق، وقد يكون الأمريكان هنا قد إرتكبوا خطأ مشابها للخطأ الذي إرتكبه البريطانيون حين أرادوا تأسيس دول حديثة على أنقاض أسلاب الدولة العثمانية. فحتى الأصناع حين يريدون تصدير بضاعة الى منطقة معينة يضعون في إعتبارهم ظروف تلك المنطقة الإقتصادية والمناخية والثقافية، فحين يريدون تصدير سيارة يحسبون حسابات المناخ، وحين يصدرون ملابس يحسبون حساب الثقافة وهكذا... ولكن الأمريكان أرادوا تصدير الديمقراطية بلا حساب. وحين ذهب العراقيون الى صناديق الإقتراع لينتخبوا الأحزاب والأشخاص الذين يمثلونهم، قام الشيعة بإنتخاب أحزاب وشخصيات شيعية والأكراد إنتخبوا أكراد والسنة انتخبوا سنة، لمجرد الهوية والإنتماء ولم يهتم كثيرون بالطروحات أو المشاريع السياسية، فكانت النتيجة من الناحية العملية إنشاء دولة ممزقة الولاءات لاتستطيع أن تؤدي عملها كدولة.

لابد للأمريكان من إعادة حساباتهم طالما أنهم أخذوا على عاتقهم إعادة تأهيل العراق. لقد وصل هذا البلد الى منعطف لارجعة عنه وهو يقف الآن أمام عدة خيارات: 
إستمرار الفوضى الحالية، وهذا أمر مستحيل بحكم طبيعة الأشياء كما أن إطالة أمده ليس في صالح أحد، فقد جلب الدمار للعراقيين وشعورا بالقلق وقلة الأمان لدى جميع دول الجوار.

العودة الى بداية القرن العشرين والى ماحاوله البريطانيون في ذلك الحين. وهو أمر غير ممكن لسببين، الأول أنه أمر تمت تجربته وهو السبب الذي أوصل الأوضاع الى المأزق الحالي، والسبب الثاني أن التاريخ لايعود الى الوراء.

الإستمرار في محاولة تثبيت الديمقراطية الأمريكية ( وهو مايجري حاليا) بالعمليات العسكرية المستمرة من الفلوجة الى النجف الى خطة بغداد الأمنية الى النسر الأسود. وهذا أمر لايمكن له النجاح، فمع تزايد العمليات الأمريكية تتزايد أعمال العنف وتتخذ أشكالا متجددة أكثر مأساوية وأكثر خطورة.

إقامة حكومة عسكرية دكتاورية، لتقوم بضبط الأمور على أرض الواقع، وهذا حل فيه خطأين. الأول أنه حل مؤقت يمثل قنبلة موقوتة إذ لايمكنه الإستمرار ولايمكن التعويل عليه لبناء دولة مستقرة ولا يتوافق مع الوعد الوردي الأمريكي بالديمقراطية في العراق نموذجا يحتذى في المنطقة كلها، والمسألة الثانية أنه يمثل نكوصا الى طريقة صدام حسين بل هو إعتراف صريح بإنتصاره وهو في قبره.

بلقنة وتقسيم العراق الى مجموعة دويلات، ثلاثة على الأقل: كردية في الشمال وشيعية في الجنوب وسنية في الوسط والغرب. ولكن هذه الدويلات ستكون ضعيفة البنية الداخلية كثيرة المشاكل قليلة الإستقرار، متصارعة ومتعادية فيما بينها.

الإحتمال الأخير الذي يبدو فيه شيء من المغامرة ولكنها مهما كبرت فلن تكون بحجم مغامرة إحتلال العراق، هذا الإحتمال أن تخرج القوات الأجنبية من العراق بشكل سريع، تاركة العراق لأهله، عند ذلك سيدخل العراق مخاضا لفترة من الزمن لن تطول كثيرا، تسقط الحكومة فيها ويهرب الوزراء والنواب الذين ساندوا أمريكا الى الخارج، ثم تقوم حكومة إئتلافية لها مساندة شعبية. 

قد يمثل هذا حلا للمشكلة العراقية الحالية، ولكنه ليس حلا للخطأ الذي إرتكبه الأمريكان بتدخلهم في العراق، فأصداء هذا الخطأ ستبقى تتوالى في دول المنطقة مولدة مشاكل تلو أخرى لمدة من الزمن يصعب حسابها.

 
 

 
  Back to top