hd    
 

مستل من كتاب إسلام بلا هوية

أزمة العقل المسلم

التقليد نموذجا:

 إذن فجواز اخذ العلم عن الفقهاء في المسائل الفرعية مما لا مرية فيه، ولكن الكلام في شكل هذا الأخذ وطريقته وحدوده والنتائج السلبية التي يمكن أن تنتج عن سوء تطبيق أو فهم هذا التقليد.


المشكلة التي نعاني منها إن التقليد توسع في عقول الناس في صورة سؤال الفقهاء عن كل شيء، وفي كل أمر.. وأصبح الإنسان المسلم يقلد الفقيه في أصول الدين وفروعه على حد سواء، ويقلده حتى فيما هو منطقي وعقلي ولا يجب التفحص فيه ولا النظر.
  التقليد في صورته الحالية كما نرى شل عقل الإنسان عندنا وجعله يقلد أباه وعالم المنطقة التي يعيش فيها فقط، وساهم في قتل روح البحث والتقصي التي شجعها الإسلام في العقل الإنساني.. ليرجع الإسلام إلى الدائرة التي سقطت فيها كل الأديان والمذاهب القديمة والجديدة وهي، دائرة التقليد الأعمى للموروثات القديمة..

 هذه الموروثات أصبح يشرف عليها ((علماء المذهب)) بحيث يمتنع الناس عن التفكير في أصول الاعتقادات بل يتركون كل شيء لعقل الفقيه يتصرف به كيف يشاء وكل ذلك تحت شعار التقليد.


عقلية التقليد جعلت الشيعي هو الذي يولد شيعيا، وكذلك السني هو الذي يولد سنيا، وكل ذلك لان العقل السني ربط عقلية المسلم بتقليد أئمة المذاهب الأربعة وجاء العقل الشيعي بعد ذلك ليحور فكرة التقليد وليوسعها بشكل سلبي لتصبح بالشكل التقليدي المعروف الآن.. وليسلم العقل المسلم لها كتقليد أعمى في كل شيء.


إن أكثر ذلك راجع إلى ثقافة الخطاب الديني التي لا تنهى المسلم عن التقليد، ولا تقول له إن التقليد هو في تلك الأمور الفرعية فقط، والتي هي ليست بذات أهمية كبيرة عند الشارع المقدس لذلك يمكن للإنسان أن يتبع فيها إنسان آخر مجتهد في تحصيل المعارف المتعلقة بها، وإلا فأن الدين لا يتخصص فيه احد بل هو العلاقة بين العبد وبين الرب والتي على كل إنسان أن ينميها ويرتقي بها، ويصبح من خلالها ((رجل دين)) كما هو حال التسمية المتعارفة عندنا اليوم.


الخطاب الديني المعاصر يقول للمسلم أن عمل المكلف دون احتياط أو تقليد باطل، وحيث إن الاحتياط هو طريق صعب، فألاولى هو التقليد.


التقليد في صورته النظرية الحالية هو إن المكلف العامي (يستعمل الفقهاء كلمة العامي لمن لم يكن مجتهدا) يقلد واحدا من المجتهدين ويشترط أن يكون الأعلم ويلتزم بقوله، ولا يجوز عندهم التقليد الابتدائي للميت، ويجوز البقاء على تقليده بعد موته فقط، ولا يجوز العدول من مجتهد إلى آخر إلا إذا كان اعلم.. وان عمل العامي بلا تقليد ولا احتياط باطل.
وان التقليد يجب في الواجبات والمحرمات والمستحبات والمكروهات ويجب تعلم كل فعل يصدر عن المكلف سواء في العبادات أو المعاملات أو العاديات (وهي سائر الأمور الحياتية الأخرى كما يصرح الفقهاء).


إن هذه المساحة النظرية للتقليد قد لا تكون خطرة بالشكل الذي نراه اليوم، ولكن الخطر الذي لم ينتبه له الكثير من أعلامنا إنما هو في طبيعة التوسيع في نمط التقليد ليشمل كافة مناحي الحياة، وليخلق حالة اتكالية في طبيعة الإنسان.
الحادث في واقعنا المعاصر اليوم إن التقليد ربط الإنسان ضمن توجيهات الفقيه وجعله في عقل الفقيه... ولما كان هناك خلل سياسي واضح في عقل الفقيه المعاصر، وخصوصا تركه للسياسة وتخليه عن إصلاح الأوضاع العامة للدولة والمجتمع وتقوقعه حول القضايا الفرعية البسيطة، فأن عقل الإنسان ارتبط بهذا التراجع السياسي أيضا وأصبح يردد مقولة الفقيه حول ذم السياسة وتركها وإشاعة المفهوم الانتظاري وترسيخه في العقل الشيعي.
في بعض الأحيان كان الفقيه أساسا يتم خلقه في عقل السلطان ويرتبط عامة الناس بعقل الفقيه من خلال تعمية مفهوم التقليد ليرتبط الناس بعد ذلك ومن حيث لا يشعرون بعقل السلطان الجائر.. وليسكتوا عن إصلاح أوضاعهم الحياتية والسياسية العامة.
مشكلة التقليد تظهر من خلال تعمية مفهومه وتوسيعه بشكل مطرد على كافة مراحل الحياة وبذلك يرتبط كافة الناس مع فقيه واحد (الأعلم) ويرتبط بعد ذلك مصيرهم مع حركاته وسكناته.


ان ربط مصير الأمة بعقل إنسان واحد مسألة في غاية الخطورة وتعتبر مسألة التقليد واحدة من أقوى عناصر هذا الربط، التقليد جعل الإنسان المسلم يتصور إن قيادته السياسية والاقتصادية والاجتماعية تتمثل في من يقلده .. وهذا الإنسان لا يلتفت إلى انه إنما يقلد في مسائل الصلاة والصوم الفرعية فلماذا يجعل منه قائدا سياسيا ومنظرا اقتصاديا
وعالما اجتماعيا وكل شيء.. وعلى أساس ذلك خلقت أزمات قيادية فظيعة في مجتمعنا العراقي المعاصر، بل معظم المجتمعات الدينية


حالة واحدة في البلاد الإيرانية فقط كانت الناس فيها تلتف او تقلد شخصية امتازت بوعيها السياسي وكانت تملك رؤية ومنهج متكامل للتحرك والإصلاح السياسي والاجتماعي وضمن ظروف معينة استطاعت أن تحصل على نتائج جيدة.. فهل نبقى ننتظر ظهور مثل هذه الشخصية لنضيف عقلية انتظارية جديدة على عقليتنا الانتظارية المهدية؟. وهل نستمر في ربط مصير الأمة بخصائص الرجال..؟


مفهوم التقليد مع مفهوم الاعلمية تشكلان سوية وسيلة للدعوة إلى العلماء الساكتين الذين لا يكترثون للشؤون الحياتية، ولو سألنا أي شخص عن كيفية ثبوت الاعلمية لفلان؟ سيقول لك بالشياع المفيد للعلم، ومعلوم انه اليوم مفيد للجهل، وإعلام موجه، ويسيطر عليه الممولون الذين يرتبطون بالجهات الأجنبية المشبوهة.. أو يقول لك شهادة أهل الخبرة، ومعلوم ان هؤلاء يميلون للقريب وتخضع آراءهم للرغائب والميول والصداقات والصلات.
أساس دليل وجوب تقليد الأعلم هو دليل عقلي يذهب الى ضرورة تحري اعلم اهل الاختصاص في الإتباع، وهو راجع الى الدقة العقلية، وينسى أصحاب هذا الرأي ان الفقه انما ابتنى على المسامحة.


ومعلوم ان العقل الإسلامي المعاصر محمل بمشاكل تتعلق بالصراع حول تقليد الاعلم بحيث تشغل مساحة واسعة من وقت وتفكير الناس، والجميع ينسى ان الله يكتفي من العبد بأن يكون عمله في المسائل الفرعية راجع إلى حجة معتبرة كان يكون تقليدا لمن اجتهد في ذلك الحكم الفرعي، وبعد ذلك فان اللطيف الخبير بنى هذا الحكم على أساس المسامحة سواء مع الفقيه الذي جعل له حسنتان لو أصاب الحكم الواقعي الفرعي وحسنة لو أخطأه، او مع المتعلم الذي جعل له التخيير في اخذ هذا الحكم الفرعي من أي فقيه ممن توفرت فيه الشروط.


لو ان الإنسان انفق الوقت الطويل لتحرز اعلم الأطباء واعلم المهندسين واعلم الأساتذة وامهر السائقين وأفضل البنائين فانه سيشل الحياة في البحث عن الأعلم.. ولكن حياته بنيت على المسامحة العرفية لتسير عجلة الحياة بسهولة.
نعم لو كان يعلم ان فلان اعلم من فلان في الطب وكان يتيسر الوصول الى كليهما فأنه بحسب العقلاء يقصد الأعلم أما إذا كان إحراز الأعلم يكلفه الوقت او الجهد فأن العقلاء يكتفون بكل طبيب وبكل اختصاص.


علينا إذن أن نحاول تقليص مساحة التقليد قدر الإمكان وإرجاعها إلى الحدود العقلانية التي كانت عليها أيام فقهاءنا المتقدمين حيث كانت الناس تأخذ الأحكام من دون تقييد.
لذلك علينا أن ننبه الناس إن التقليد غير جائز في الشريعة وانه مسموح به فقط في مساحة ضيقة من الأحكام وإنها تختص في الأحكام التعبدية الفرعية لا أكثر، وان سحب مفهوم التقليد إلى كل مناحي الحياة هو شيء خطير جدا.
وان المكلف يستطيع ان يأخذ المسألة من أي شخص على أساس صحة التبعيض في التقليد.
ــ راجع الملحق الخاص بمسألة التبعيض في التقليد وان المكلف يستطيع أن يأخذ بعض المسائل من احد العلماء الأموات ويعمل على طبق رأيه إذا كان يرى في الأخذ بتلك المسألة ما ينفعه ويخدم قضيته، في حياته وأثناء عمله.

 ان أساس كل ذلك ان المستند في التقليد هو الركيزة الفطرية في نفس الإنسان التي تقول له: يجوز لك التقليد للمجتهد إذا كنت تحرز في هذا اللون من التقليد فائدة لعملك الرسالي والحياتي.. وان العمل بهذا الشكل يستند إلى حجة معتبرة وانه تدعمه سيرة العقلاء الذين يتفقون على اخذ الحكمة والموعظة والرأي وكذا الحكم ممن كان مستجمعا للشرائط، بل لا يكترثون لحياته او موته في شأن التمسك بآرائه وأقواله إذا كان في نظرهم ممن يصحح التمسك بآرائه.


أنا شخصيا ارفض تقليد الميت، واراه ربط للإنسان بعجلة الماضي، ولكن عندما ترى المجتمع يقلد مجتهدا يرفض تطوير هياكل الحياة ولا يتفاعل مع قضايا المجتمع ولا يطرح مسائل وأفكار جديدة ويقلد الأقدمين ولا يخالف فتاواهم فما هو المعنى من منع تقليد الأموات وعدم السماح للمكلف بتقليد الفقيه الميت مباشرة.
عند ذلك من الطبيعي ان أقول للمكلف: قلد الميت، فعلى الأقل أنت لن تعود تخدع نفسك وتتصور انك تقلد بشكل عصري، بل ستفهم انك تقلد الأموات كما هو الحاصل فعلا وأكثر من ذلك فانك ستذهب بنفسك للبحث عن الأحكام ثم تتخلى عن التقليد في كل شيء وتقلد في المسائل الفرعية فقط أما سائر قضايا الحياة فسوف تعتمد على نفسك..وكذلك ولائك وأموالك ستذهب فقط للفقيه أو الإنسان المتدين الذي ينهض بمشروع إصلاحي أو تغييري سياسي نافع للبلد، ولن يعود ارتباطك بالمراجع الساكتين أو الرجعيين لأنك لن تحتاجهم بعد ذلك.
على أساس هذه الإشكالية لماذا لا أقول بجواز تقليد الميت، خصوصا إذا كانت هناك ثغرة في الإجماع الذي ادعوه بعدم جواز تقليد الميت وادعوا الناس ان يأخذوا المسائل والأحكام كلها او بعضها من الأموات إذا كان ذلك انفع لهم.
راجع الملحق الخاص بمسألة تقليد الميت ـ


ونقول له: إن على الإنسان أن يشغل المساحة الخاصة بينه وبين الله بالدراسة والبحث والتقصي العقلي والتفقه الدائم وان هذا الواجب متعلق به وليس بأحد غيره، ويحرم على الإنسان ان يلقي بهذا الواجب على غيره لأنه هو المسئول أمام الحق عن كل أعماله وأفكاره ومعتقداته، واللطيف الخبير سمح بالتقليد بالمسائل الفرعية ليقوم الإنسان بمليء هذا الجانب بطريقته الخاصة بالأخذ عن الفقيه ولم يحدده ضمن إطار خاص او لون خاص من الأخذ، بل حدوده فقط أن يكون هذا الأخذ عن حجة معتبرة .

 
أما وجوب تقليد الأعلم وعدم جواز التبعيض ووجوب التقليد للحي كلها محددات يستطيع المكلف بنفسه ان يتصرف بها بحسب ما يراه من المصلحة،وقد كان كثير من علمائنا يقولون بجواز التبعيض وتقليد الميت ابتداءا وعدم وجوب تقليد الأعلم كالشيخ يوسف البحراني صاحب الحدائق، والتقليد الذي ثبت جوازه بالفطرة حدوده أو المستفاد منه جواز الأخذ من الفقيه المجتهد الجامع للشرائط وهذه المساحة لم تفرض جهة التقليد فتبقى هذه بحسب نظر المكلف ولم يثبت رجوعها إلى نظر المجتهد..

 نعم يمكن للمقلد ـ بالكسر ـ ان يسترشد برأي المجتهد في ذلك ولكن لا يفرض ذلك عليه.
المحصل ان جواز ومساحة التقليد إنما وجدت لخدمة الإنسان المسلم للمساهمة في بناء الحياة الإيمانية الصحيحة والمجتمع الهادف والحضاري فيتصرف هذا الإنسان بشكلها بالطريقة النافعة التي يرتأيها، أما أن يجمد على أسلوب أو قالب معين ليشل به عقله ويلغي به أفكاره فأن ذلك ليس من أغراض الشارع المقدس.
الذي اقصده من كل ذلك ان علينا ان نتفحص كل مفهوم شرعي نزاوله ونرى ان كان فيه المنفعة للمجتمع وإلا فأننا نستطيع دائما تغييره أو توسيعه أو تحجيمه بحسب مقتضيات المصلحة الاجتماعية ونمتلك لذلك كل الوسائل الشرعية في إثبات ذلك، وحتى عندما يعوزنا الدليل الشرعي فأننا نمتلك العناوين الثانوية..


هذا الكلام يتوجه للفقهاء من جهة ان الناس تستشهد بآرائهم، فعليهم ان يبحثوا عما هو أفضل للمجتمع فأن كان التبعيض أفضل حثوا الناس عليه، وان كان في تقليد الميت ما ينفع دعوا الناس الى ذلك وهكذا بالنسبة إلى تقليد الأعلم فالجمود على طريقة واحدة يؤدي إلى ظهور الكثير من الآثار السلبية التي تعطل وعي المجتمع
كذلك هو دور المثقفين بالمطالبة الدائمة بتحريك الحكم الشرعي ضمن اطار المصلحة الشعبية وخدمة المجتمع وتقديم المصالح ودرء المفاسد.


الشارع المقدس يريد للعقل الإنساني ان يتحرك ويفكر ويبدع ويبني ويعمر أكثر من حرصه على الاحتياط بالتثليث في التسبيحات الأربعة في الصلاة او البحث في مفطرية او عدم مفطرية الغبار الغليظ، فإذا كان التقليد يشل العقل ويلغي التفكير فأن علينا تحجيمه او تحديده بل إلغائه ان تطلب الأمر.


التقليد في صورته الحالية لم يثبت على نحو الموضوعية (بل بعضهم يقول انه لم يثبت حتى على نحو الطريقية) فلماذا نجمد عليه ونلغي عقول أبنائنا بسببه، هو ليس سوى طريقة من الطرق المحضة لدرك الأحكام، فلو عمل المكلف بلا التزام أو تقليد سهوا أو جهلا أو عمدا، وكان عمله مستجمعا لشرائط الصحة ومطابقا لرأي من يصح الاعتماد على رأيه كان عمله صحيحا وليس هناك دليل يقول ان التقليد هو شرط لصحة العمل كشرطية الإيمان.


لو ان الفرد المسلم اخذ مسألة شرعية من هنا ومسألة من هناك، وكلما احتاج إلى حكم معين اخذ برأي أي واحد من المجتهدين من دون فرق بين الأعلم أو غيره أو الحي أو الميت أو يستطيع أن يحتاط في مسألة ويقلد في أخرى وهكذا يتحرر عقله من التبعية للآخر ولا يتكل على المرجع في كل شيء بل هو الذي سيحرص على أعماله وتكاليفه الشرعية ويستطيع ان يأخذ من الآراء الاجتهادية ما يشاء وما يواكب حاجاته ويستطيع أن يرجع إلى المراجع الأحياء في خصوص المسائل المستحدثة التي لم تكن موجودة في كتب السابقين.
هذا التحرر عن عقل الفقيه سيجعل الفرد المسلم يفهم إن تكاليفه الشرعية مرتبطة به وليس بالمرجع وعليه هو ان يتخذ القرار في أعماله، بعض الأعمال هي من البديهيات لا يحتاج فيها لا الى التفكير ولا التقليد، وبعضها وخصوصا أصول الدين تحتاج من الإنسان التأمل والتفكير والمراجعة نظرا لأهميتها عند الشارع المقدس، وبعضها يستطيع الإنسان ان يسترشد فيها برأي الآخرين ويقلدهم وهي المسائل الفرعية التي يجوز التقليد فيها لرأي احد المجتهدين.


هذه الحرية ستجعله يفكر وينسى ان هناك من يفكر عنه بالنيابة، ويعرف  الحدود التي يمكنه فيها ان يأخذ برأي الغير، وان ليس كل شيء يذهب بالسؤال به الى المرجع، ولا يقول ماذا سيفعل المرجع، وماذا سيقول، بل ماذا يمكن أن افعل أنا وماذا يمكن ان أقول.


إبعاد مفهوم التقليد وإعطاء الحرية للمكلف للأخذ من الفقهاء يحرر الناس من قيود رمزية العلماء ويحرر الناس من التبعية الفكرية ويحث الناس على التفقه في الدين ومعرفة الأحكام،وحتى لو اخذ يبحث عن الرخص والتسهيلات فان هذا لا يعتبر خطئا لان الفقه مبني على المسامحة كما هو معلوم


الذي حدث من خلال التقليد إننا ربطنا كل المجتمع بعقل المرجع الديني فقط، وسمحنا له ان يفكر لوحده ومنعنا ذلك عن سائر الناس، أما لو أوقفنا التقليد أو حولناه إلى مفهوم الأخذ من الفقهاء والعمل بآرائهم ضمن مساحة واسعة من الحرية فأننا سنجعل كل المجتمع يفكر ويطرح ويتساءل ويشكل ويعترض ويطرح المشاريع السياسية الكبرى، ويوسع الفهم الاجتماعي ويجعل الناس أكثر دركا للواقع.


التقليد ربط مصير الناس بالمرجع وعلينا ان نفهم الناس ان مصيرهم مرتبط بهم.
لو كان هذا التقليد الحالي منظما ويقوم الفقهاء بتذكير الناس دائما بحدوده الضيقة المختصة بالأحكام وعمد الفقهاء الى تشجيع الناس على الإبداع وطرح الأفكار مهما كانت، وقاموا بتحديد النظرية السياسية وعملوا على أساسها وقادوا المجتمع لتنظيم شؤون الحياة وبناء الحضارة  لكان من الممكن السكوت على ظاهرة التقليد، ولكن هذا لم يكن موجودا، بل راحت ظاهرة التقليد تكرس إلغاء عقول الناس وتربطهم بشخص ديني واحد لا يفقه السياسة ولا يبني الهياكل الحضارية المطلوبة ولا يطور المجتمع


الجمود على تقليد المجتهد الحي الأعلم جعل المجتمع يرتبط بشخص واحد فقط، أما الأحزاب والحركات والكفاءات فليست بشيء أمام المرجع، ولا تستطيع ان تفكر خارج دائرة حركة المرجع


كان هذا هو السبب الذي جعل جناب السيد محمد باقر الصدر (قد) وهو احد أكابر مفكرينا الإسلاميين، وهو الذي انضج العمل الديني السياسي في العراق في أواسط هذا القرن، هذا السبب جعله يترك العمل السياسي على رغم حاجة الشعب الملحة له ويذهب إلى الكتابة في شرح العروة الوثقى والحلقات في الأصول وهو يعلم ان العشرات قبله كتبوا في هذه الأبواب الفقهية والأصولية وانه لن يستطيع أن يضيف شيئا جديدا، إلا انه كان يتصور ان التصدي للمرجعية وتقليد الناس له هو الطريق الوحيد لتعبئة المجتمع، لان الناس تقلد المرجع تقليد أعمى وفي كل شيء.


كانت كل المشاريع السياسية تلغى وتتوقف أو تنتظر إشارة من مرجع التقليد، وإذا لم يوافق عليها فأنها تلغى وتزول... كذلك كل الشخصيات إذا وثقها مرجع التقليد فهي ثقة وإلا فهي فاسقة ويحرم التعامل معها.. في اشد الأزمات التي عصفت بالشعب وكان على كل إنسان أن يتخذ موقف، وكانت تعرض على كل إنسان عشرات القضايا التي يجب ان يحدد موقفه منها، كان بعض الخطباء والوكلاء يسأل عن الموقف فيقول: الغوا عقولكم واتركوا تحليلاتكم وانتظروا ما يقوله المرجع  ولا تنسوا أنكم مؤمنون ومقلدون .

 
هذه تعتبر من اكبر الكوارث على المجتمع، ارتبط مصير الموقف الشعبي الجماهيري كله بعقل رجل واحد، ولما كان هذا المرجع أساسا لا يتكلم، بل لم يكن ليصبح مرجعا عاما للتقليد لو كان يتكلم، فان الشعب كله سيصمت لتمر عليه مشاريع كل السلطات الجائرة والحكومات الاستعمارية اما لماذا يصمت الشعب؟ فذلك لانه ينتظر مرجع التقليد.


في بداية الغزو الأجنبي لبلادنا كنا أحوج ما نكون إلى منهج محدد للمطالبة السياسية للشعب وكانت الناس لا تعرف ماذا تريد، كنا كمجموعة من الشباب حددنا منهج عام للمطالبة الشعبية، ويتوفر على مجموعة نقاط، ولكننا لم نكن نستطيع ان ننشرها نحن، بل كنا ندور ونحاول الالتقاء مع المراجع لتوحيد الموقف العام وعرض ذلك المنهج عليهم ((للمصادقة)) عليه، كان أكثرهم يتهرب من اللقاء او لا يكترث لورقة العمل تلك: بل أمضينا شهرين كاملين في خضم تلك الأزمة في محاولة ترتيب لقاء يجمع بيننا وبين اثنين من المراجع وفي النهاية لم يتم ذلك كنت اسأل أكثر الشباب لماذا لا يمكن ان نفعل نحن وننشر ذلك نحن؟ يقولون كيف يمكن ان نتصرف لوحدنا؟ هذا شيء ربما غير مقبول شرعا، ثم إن الشعب لن يكترث له ما لم يصدر عن مراجعنا العظام..

 كلهم كانوا من المهندسين والأساتذة والمثقفين ولكن الجميع كان قد اعتاد التقليد في كل ما يتعلق بالحياة العامة والخاصة والرجوع للمرجع، وهذا التقليد ينتصر على خطاب العقل في مجتمعنا ليخضع في النهاية كل شيء لعقل المرجع فتلغى به عقول الجميع.

 

 
 

 

 
  Back to top