hd    
 

الحاج مُحرراًً: تناقض الخطاب الإعلامي، بسام الكعب
بسام الكعبي



بدا المصور الصحافي سامي الحاج تحت عدسة الكاميرا غائباً عن الوعي منهكاً أثناء مغادرته الطائرة العسكرية الأميركية التي أقلته من معتقل غوانتانامو إلى مطار الخرطوم وقد حط على أرض السودان عشية اليوم العالمي لحرية الصحافة.

ربما لحسن حظ الحاج أنه كان في حالة غيبوبة مؤقتة حجبت عنه تصريحات الرئيس بوش بمناسبة الثالث من أيار يوم شمس الصحافة العالمية:"بعض الصحافين انتزعوا من عائلاتهم سنوات طويلة فيما تعرض آخرون للخطف والقتل والضرب على يد ارهابيين يسعون للحيلولة دون حصول الناس على الحد الأدنى من المعلومات" هل كان يعلم الرئيس الأميركي مهمة الصحفي سامي الحاج بكشف الحقائق مجردة عبر شاشة الجزيرة الفضائية عقب قيام قوات التحالف باحتلال أفغانستان؟ مَنْ الذي انتزع سامي ست سنوات من عمر زوجته الأفغانية أسماء ونجله الوحيد محمد وألقى به بعيداً عن مهنته ودون تهمة رسمية معلنة في زنازين غوانتانامو؟

على مدار ساعات طويلة من البث الفضائي أثبتت "الجزيرة" وفاءها لجميع طاقمها المهني، عندما أعلنت بخبرها العاجل أن سامي الحاج يحلق عبر السماء في طريقه للحرية والخلاص، بينما ينتظره على مدرج مطار الخرطوم مدير عام المحطة الفضائية وضاح خنفر، وتابعت "الجزيرة" حواراتها وتقاريرها عبر شبكة المراسلين وطاقم التحرير الصحفي، وسجلت التقارير بامتياز تداخل حرفيتها بلمساتها الانسانية تعبيراً عن الفرح باطلاق سراحه وتعزيزاً لوفاء الزمالة التي باتت عملة نادرة.. غطت التقارير والمقابلات رحلة سامي على متن الطائرة العسكرية حتى هبوطها ونقله للعلاج الطارئ ولقائه نجله الصغير وذويه وزملائه ومناصريه وأركان الحكومة، وأبدعت في خلق موقف تضامني وانتزعت احتراماً يليق بمؤسسة اعلامية كبيرة تحافظ على بريق الغائبين عن شاشتها قسراً.

لم يغب سامي عن فضائيته، كان يطل علينا يومياً كطائر أبيض بريء يهبط من السماء إلى الأرض ليمسح بجناحه الأيمن شاشة فضية فيسحرها بشعاره المتواضع الواضح المتشكل من ريشه البسيط المتعانق: الحرية لسامي الحاج..وقد باتت الملامح الهادئة للصحفي السوداني بنظرته الرزينة تخفق على جناح طير أبيض، جزءاً من طقوس المشاهدة اليومية للفضائية الإخبارية المنافسة.

جريمة سامي الوحيدة أنه وثّق بالصورة العدوان على أفغانستان، وقد أعتقل أواخر عام 2001 بعد ثلاثة أشهر من الاحتلال الأميركي، ونقل أواسط حزيران 2002 إلى معتقل غوانتانامو في أقصى شرق جزيرة كوبا، وعلى مدار ست سنوات من الاحتجاز تعرض لمئات جلسات الاستجواب، ولم يتمكن المحققون من ادانته "بالارهاب"، وتركزت التهمة الرئيسة على اجراء مقابلة صحافية مع زعيم القاعدة الشيخ أسامة بن لادن. خاض الحاج منذ مطلع العام الماضي اضراباً مفتوحاً عن الطعام وتعرض لانتهاك ادخال السوائل عبر الأنف، وقد خسر من وزنه الكثير، وأصيب بوهن شديد..وخلال ست سنوات رفضت الادارة الأميركية الاستجابة لطلبات المنظمات الصحافية والحقوقية العالمية بالافراج عنه.

في خطبته الأخلاقية الأخيرة المتعلقة بمهنة الصحافة، شدد الرئيس بوش على حق الصحافيين بنقل تقاريرهم دون شعور بالخوف من الاضطهاد، وأنتقى في خطبته العصماء احدى عشرة دولة من العالم الثالث ووجه لها نقداً مباشراً باعتبار أن قوانينها تحدُ من حرية التعبير وتعبد الطريق أمام احتجاز الصحافيين فيها، وأعلن أن ادارته أقرت في موازنتها نحو ثمانين مليون دولار لضمان حرية الصحافة في أربعين دولة..كم انتهاكاً ارتكبت الادارة الأميركية في السنوات الأخيرة فقط؟

رفضت عام 1999 إخلاء مقاطعة غوانتانامو الجبلية بعد انتهاء عقد الايجار الذي أبرمه الرئيس الكوبي طوماس مع نظيره الأميركي روزفلت عام 1901 ولمدة مائة عام، وحولت المقاطعة إلى قاعدة عسكرية وافتتحت فيها معسكراً للاعتقال خارج سياق القوانين المتبعة عالمياً. اعترف الجندي الأميركي إيرك سار في كتابه "داخل الأسوار الشائكة" بفداحة التعذيب الذي شهده أثناء خدمته كمترجم مدة ستة أشهر، وأكد أن الممارسات الشاذة ضد معتقلي غوانتانامو أسست للممارسات الفاحشة بحق معتقلي أبو غريب في العراق، معتبراً أن افتتاح غوانتانامو تدنيس للقيم التي تقاتل من أجلها الولايات المتحدة.

أخيراً إذا صدقت الأنباء التي سربتها منظمات صحفية عالمية بأن صفقة الافراج تقتضي حرمان سامي من ممارسة مهامه الصحافية طوال حياته وعدم مغادرة وطنه السودان، فإن الخطاب الأخلاقي الأميركي بالدفاع عن حرية التعبير يُدخل فعلياً السلوك الفيزيائي في تناقض فاحش للمرة الألف، ويصبح مجرد منح الهبات المالية والجوائز ممراً اجبارياً للوقوف بوجه إعلام مهني يكشف حقائق الاحتلال وجرائم جنوده في العراق وأفغانستان والصومال وفلسطين.

 
 

 

 
  Back to top