hd    
 

العراق عَلَم بلا دولة ودولةٌ بلا عَلَم

محمد عارف 

مستشار العلوم والتكنولوجيا

وأخيراً اكتمل بيت الشعر العراقي المشهور: 

"علمٌ ودستورٌ ومجلس أمةٍ... كلٌ عن المعنى الصحيح مُحرّفُ". والله وحده يعلم ما إذا كان قائله الشاعر معروف الرصافي يبكي الآن في قبره أم يضحك؟.. والضحك أقرب إلى العراقيين "الأحياء" الذين استقبلوا بالنكتة موافقة "البرلمان العراقي" على العَلَم الجديد. تقول النكتة إن شاباً التقى فتاة ترتدي قلادة على شكل العَلَم فهمس: "أموت على العراق!"، سألته: "هيج تحب العراق"؟!.. قال: "لا... أحب دول الجوار"!

وأيُّ نكتة أقسى من العلم الوطني لبلد لا يتفق مواطنوه عليه، وهو من أهم مقومات كيانهم الوطني؟.. حتى الذين راهنوا على الاحتلال وخدموه، يعترفون بأن العلم الجديد لا يرمز إلى وحدة العراقيين، بل إلى الخلاف بينهم. ذكر ذلك السياسي الكردي محمود عثمان مستخدماً النكتة في حديثه إلى صحيفة أميركية: "نحن متفقون تماماً على لاشيء". وبدا حجم هذا "اللاشيء" في تصويت 110 نواب لصالح العلم، أي أقل من نصف أعضاء البرلمان البالغ عددهم 275 نائباً. وأعلن الناطق بلسان البرلمان محمود المشهداني أن العلم سيرفع في جميع أنحاء العراق حال الموافقة عليه، لكنه لم يرفع في اليوم التالي حتى على منصته داخل قاعة البرلمان! 

وسيضيف العلم الجديد ضحايا جدداً إلى قائمة قتلى العراقيين اليومية. رئيس ما يسمى "مجلس الصحوة" في الأنبار أقسم أنهم لن يرفعوه، وقال إن البرلمان والحكومة تبرقعا بالعلم لإخفاء عدم وجود خدمات في البلد. وهدّد بأنهم سيتركون المنطقة تحت رحمة "القاعدة"! وصوّتت ضد قرار تغيير العلم كتلة مقتدى الصدر في البرلمان، وذكر رئيسها نصار الربيعي أن القرار اتخذ لإرضاء مسعود البرزاني، رئيس حكومة كردستان، لكنه سيثير السخط في مناطق أخرى من البلاد. وتوّعدت جماعات مسلحة الدوائر الحكومية التي ترفع العلم الجديد. وأصدرت "هيئة علماء المسلمين" بياناً ذكرت فيه أن تغيير العلم "يأتي في ظل عملية سياسية تجري في زمن الاحتلال، الأمر الذي يفقده صفة الشرعية"، وأكدت أنها "على قناعة تامة بأن ما يسنّ في زمن الاحتلال لن يبقى بعد رحيله".

وهذه ثاني مرة يُطرح فيها على استعجال مشروع تصميم علم عراقي مؤقت بموجب ما يُسمى قانون "إدارة البلاد" الذي وضعه حاكم الاحتلال بول بريمر. كان الهدف في المرة السابقة تدبير علم يرفعه الرياضيون العراقيون في أولمبياد أثينا صيف عام 2004. والهدف الحالي إقناع الأكراد الذين يرفضون العلم العراقي بأن يرفعوا نسخته المعدّلة خلال مؤتمر "الاتحاد البرلماني العربي" المتوقع عقده في مارس القادم في مدينة أربيل.

وكما في جميع شؤون الاحتلال، يمكر الواقع على الماكرين. فالإصرار على تغيير ما يُسمى "علم صدام"، انتهى بإزالة النجوم الثلاث التي وضعها الرئيس الأسبق عبد السلام عارف بعد انقلاب عام 1963 كرمز للوحدة الثلاثية المنشودة بين العراق وسوريا ومصر، وبقيت عبارة "الله أكبر" التي أضافها صدام حسين خلال حرب الخليج عام 1991!

وتكشف نقاشات المثقفين العراقيين حول الموضوع، عن الهوّة التي تفصل بين مؤيدي الاحتلال ومناهضيه. وقد بدت في ذلك "هيئة علماء المسلمين" أكثر "ليبرالية" و"عقلانية" من مثقفين مغتربين في دول ليبرالية غربية انبروا لتقديم اقتراحات وتصاميم لعلم جديد. أليس من أول شروط الليبرالية الالتزام بالقانون، ومن أبسط مواصفات العقلانية إدراك الظرف القائم؟.. فما شرعية إصدار علم في بلد تحتله قوة انتهكت شرعة "الأمم المتحدة"، وارتكبت جرائم تدينها اتفاقات جنيف ولاهاي الخاصة بإدارة المناطق المحتلة؟ 

وقد أدرك المثقفون العراقيون في الداخل، عواقب تصميم علم جديد "في زمن الاحتلال والتعاسة والعنف". كتب هذا الناقد البارز سهيل سامي نادر في مقالة مشحونة بالغضب والأسى عنوانها "علم بلا دولة" منشورة في موقع الفن العراقي على الإنترنت IraqArt.com. وذكر نادر أن العراقيين "منقسمون سياسياً اليوم بشأن عدد كبير من القضايا في حين أن المسألة الرمزية مثل الأعلام والرايات وما شابه، هي من المسائل الاتفاقية ولها وضع خاص في الدستور أو الحياة الجمعية. وما دمنا لا نحركها فهي تظل في موقعها الخاص، أما إذا وخزناها -في شروط من التفاعل المجتمعي- فعلينا أن نتوقع حالتين : إفراغ الرموز من الدلالات حتى اليباس أو شحنها بالدلالات حتى الفيضان". 

وما بين عَلَم بلا دولة ودولة بلا عَلَم، يظل العراق البلد الوحيد في العالم الذي يدخله من دون سمة دخول أو استئذان، دبلوماسيون ومقاولون وعسكريون ورجال مخابرات تابعين لجهات أجنبية! ويبدو العلم العراقي نكتة سخيفة في "العراق الآخر" الذي يتكون من قواعد عسكرية ومنشآت ومطارات وشبكات استخبارات... تحت سيطرة واشنطن. أيّ علم يُرفع في مطار بغداد الدولي، حيث يدير الأميركيون مطارهم الخاص الذي يستقبل ويودع الطائرات القادمة من الخارج، وتحطّ فيه المروحيات التي تنقلهم خلال 10 دقائق إلى "المنطقة الخضراء"؟.. وما عَلَم "المنطقة الخضراء" حيث تحل حكومة العراق ضيفة على قيادة الاحتلال؟ 

وما يعنيه علم العراق بالنسبة لرئيس الولايات المتحدة ونوابه ووزرائه وأعضاء الكونغرس... الذين يدخلون البلد على هواهم من دون إذن أو إشعار؟.. وأيّ رمز للسيادة يمثله العلم بالنسبة لمسؤولين عراقيين ينفذون تعليمات واشنطن في كيفية إدارة بلدهم، ويطبقون قراراتها بتعديل القوانين العراقية، بما في ذلك الدستور، ويأتمرون بأوامرها في رفد أي منهم، من دون استثناء، بما في ذلك رئيس الحكومة العراقية؟ 

نعثر على أجوبة عن هذه الأسئلة لدى شاهد عيان حضر ساعة تبليغ رئيس وزراء العراق السابق إبراهيم الجعفري بقرار واشنطن إقالته. يقدم الشهادة "جوناثان ستيل"، وهو معلق صحيفة "الغارديان" اللندنية، في كتابه الجديد. كان الجعفري قد دعا في تشبثه اليائس بمنصبه "جوناثان ستيل"، المعروف بمعارضته للاحتلال. ولن نجد في كل ما يُذكر أو يُلفقُ من حكايات عن حكام العراق الحديث، منذ تأسيسه في عشرينيات القرن الماضي، مهانة تماثل معاملة واشنطن للجعفري. هذا والجعفري أول رئيس وزراء منتخب في نظام "ديمقراطي" كلّف العراقيين نحو مليون قتيل!

يصف المشهد "جوناثان ستيل"، والذي صادف وجوده في مكتب سكرتيرة الجعفري عند تبليغه بالقرار من قبل وزيرة الخارجية الأميركية كونداليزا رايس وزميلها البريطاني جاك ستراو. بدا الجعفري داخل مكتبه كرهينة يصغي لرايس وستراو اللذين كانا قد قرّرا قبل يوم فقط التوجه إلى بغداد من دون إشعار المسؤولين العراقيين. حدث ذلك بسبب نفاد صبر بوش من الجعفري الذي لا يفهم تعنيفه عبر الهاتف. وبدا بوش كبطل نكتة عراقية عندما استصرخ رؤساء أميركا السابقين لتقريب كلامه من ثقافة الجعفري الطائفية: "أين جورج واشنطن وتوماس جيفرسن... ليصرخا بأعلى أصواتهما؟!".

قصص هزلية أخرى يرويها "جوناثان ستيل" في كتابه الذي يتضمن عنوانه "الهزيمة" Defeat النكتة الكبرى لحرب انتهت بهزيمة المنتصرين!

http://www.alittihad.ae/wajhatdetails.php?id=34211

 
 

 

 
  Back to top