hd    
 

هيفاء زنكنة

فلندع سفسطة تقاطع المصالح مع امريكا وتغير السياسة الامريكية تجاه الشرق الاوسط بعد الحادي عشر من ايلول (سبتمبر)، تتهاوي مع أوهام البعض في ان تساعد امريكا دول المنطقة علي بناء الديمقراطية والمجتمع المدني واستتباب الامان والسلام . فبعد تجويع الشعب الفلسطيني ومعاقبته عسكريا واقتصاديا ومنع الماء والدواء والطعام في الشهور الاخيرة لانه انتخب، ديمقراطيا، من يريد انتخابه وليس من تريد امريكا والكيان الصهيوني فرضه، وبعد ان داهم البرابرة باسلحتهم وعتادهم لبنان وهدموا المدن والقري والمستشفيات والمدارس وقتلوا الاطفال والنساء وحاصروا الشعب في طعامه واساسيات حياته، واستخدموا كما في العراق كل مختلف الاسلحة المحرمة دوليا، هل هناك من يساوره الشك في ان السياسة الامبريالية لامريكا وكيانها الصهيوني هي ذاتها لم تتغير اطلاقا؟
انها السياسة التي حاربناها، كشعوب، علي مدي عقود لانها تستند في جوهرها الي التوسع والهيمنة واستلاب الارادة مهما غلفت طبيعتها القبيحة باقنعة تجميل الادوار والمصطلحات الجديدة وتزويقها ببهارات الديمقراطية وحقوق الانسان وبناء المجتمع المدني. وهي السياسة التي لا تري في فلسطين والعراق ولبنان شعوبا بل موانع تعيق توسعها وامتدادها لذلك تري ان من حقها الطبيعي للدفاع عن مصالحها اما ان تخضعها لارادتها او تبيدها. وابادتها هو ما يجري الآن علي ارض الواقع. 
ان وجه امريكا، اذا اخترنا الا نتطرق الي مآسي الشعوب في جميع انحاء العالم من سكان امريكا الاصليين الي امريكا اللاتينية، لم يتغير مهما تبدلت اقنعتها التي يروج لها محليا من قبل عملائها من ملوك وحكام الي صغار المتعاقدين. فقبل تدمير لبنان، كان غزو العراق. وقبل غزو العراق كان تبني امريكا المطلق لكيان الاحتلال الصهيوني لفلسطين. 
مشاهد القتل والخراب في جنين ورام الله وغزة والمذابح في المخيمات الفلسطينية، تكررت اثناء غزو العراق وتتكرر اثناء احتلاله. وها هي نفسها تتكرر في لبنان. تخريب البنية التحتية، تهديم الجسور والمستشفيات والمدارس وطرق الاتصالات واستخدام انواع الاسلحة المحرمة دوليا، هي ذاتها التي شهدناها في حملة الصدمة والترويع في عام 2003 وهي ذاتها المستمرة في معظم المدن العراقية منذ ما يقارب الاربعة أعوام. التخريب المتعمد المنظم وليس البناء والاعمار حسب ادعاء مروجي الغزو الامريكي . يستهدف تهديم الصحة والتعليم واساسيات تكوين المواطن ونموه وتطوره تحت ذرائع مختلفة. 
في فلسطين يتم التخريب لان الشعب الفلسطيني تجرأ فانتخب من تعتبره امريكا والكيان الصهيوني ( منظمة ارهابية). في العراق لان امريكا والكيان الصهيوني اختلقوا اكذوبة اسلحة الدمار الشامل ( الارهابية) التي ستستهدف سلامة امريكا وبريطانيا خلال 45 دقيقة! وفي لبنان رأينا مسح القري والمدن بذريعة وجود منظمة (ارهابية) اختطفت جنديين صهيونيين! 
فما هي الحدود التي سيتوقف عندها الغزو الامريكي ـ الصهيوني للعالم؟ ما هي حدود توسع الامبراطورية ومتي سينطفئ لهيب جشعها في الهيمنة العسكرية وسلبها لموارد الشعوب؟ 
فلنتوقف في العراق لانه المحطة الاساسية في الطريق ما بين فلسطين ولبنان وبقية الدول التي سيطأها الهجوم قريبا بحجة محاربة الارهاب. قيل للعالم أجمع بان العراق سيكون منارا للديمقراطية واحترام حقوق الانسان بعد ( تحريره) . وها هو العراق مبتلي بمصيبتين: بقوات الاحتلال العسكرية التي تعيث في الارض فسادا واغتصابا وقتلا وتتمتع بالحصانة من العقاب وبحكومة عميلة محجورة في زاوية محاطة باسيجة كونكريتية تماثل في ارتفاعها وسمكها جدار العنصرية الصهيوني. حكومة تتحدث لغة المحتل وتدافع عن مصالحه. مهمتها الاولي والاخيرة هي تكرار صوت السيد في الدفاع عن سلامة المواطن الامريكي ضد الارهاب، بينما وصل عدد ضحايا الغزو الامريكي وما ترتب علي وجوده من انواع الارهاب المحلي والمستورد المئتي شهيد يوميا. 
ماذا عن الوطنية والدفاع عن الوطن؟ بالنسبة الي امريكا والصهيونية والمتعاونين معهما، هذه مشاعر طبيعية وحق من حقوق الشعب الامريكي والصهيوني وواجب يستحق ان يقتل من اجله آخر عراقي وفلسطيني ولبناني. الا انها سرعان ما تصبح، حالما يبدأ احد مواطنينا بالدفاع عنها، اتهاما بالفاشية والتخلف والقومجية. 
ماذا عن الديمقراطية وحقوق الانسان ومنظمات المجتمع المدني وبضمنها النسوية؟ هذه ايضا مثل الوطنية موجودة في امريكا أكثر من غيرها وينشط بعضها في العراق، نموذجا، مستندا الي المنح والدعم المادي الامريكي ولكن بشرط اساسي واحد وهو الا تحيد هذه المنظمات ومشاريعها في كل المجالات عن صراط السياسة الامريكية المستقيم في العراق. الخطوط الحمراء لهذا الصراط هي: الا يقاوم الاحتلال والا يذكر الاحتلال بسوء والتخلص ممن يناهض الاحتلال. مفهوم؟ كلا؟ في هذه الحالة ستصبح مؤهلا للاتهام بانك ارهابي تكفيري من حزب الله ومدعوم من محور الشر الايراني السوري وربما الكوري في آن واحد! 
مع كل هذه الضغوط علي كافة الاصعدة سياسيا وعسكريا واقتصاديا هل نجح المشروع الامريكي الصهيوني في العراق ليتم تطبيقه في بقية الدول العربية والاسلامية ومنها لبنان وسورية وايران ولن اقول فلسطين المحتلة اذ لولا فشل المشروع فيها لتحقيق الامان للكيان الصهيوني لما كان هناك مشروع امريكي صهيوني جديد؟ 
لقد اثبت الشعب العراقي وهو من لم يحسب حسابه بل ومسح من الوجود اثناء التخطيط الورقي للاحتلال في مؤتمرات وورشات الادارة الامريكية مع عملائها في لندن وواشنطن، اثبت بانه موجود بتاريخه وحضارته واعتزازه بهويته ورفضه للاحتلال وقدرته علي محاربة اكبر قوة عسكرية في العالم بوجهيها الصهيوني ـ الامريكي. ان المقاومة العراقية الباسلة المستهدفة لقوات الاحتلال ومنشآته العسكرية ودورياته ونقاط تفتيشه وسجونه ما كان لها ان تستمر وتنمو لولا دعم الشعب العراقي لها. اذ ازداد عدد العمليات العسكرية المستهدفة للاحتلال في الشهور الاخيرة حسب تقرير مؤسسة بروكنز الامريكية وبلغ معدلها 80 عملية في شهر ايار (مايو) من العام الحالي. وادت عمليات المقاومة الي قتل 2556 جنديا امريكيا و113 بريطانيا وجرح 18 ألفا و 696 جنديا معظمهم سيبقي مقعدا بشكل دائم . بالاضافة الي قتل 340 متعاقدا اجنبيا عسكريا خاصا اي المرتزقة البالغ عددهم رسميا 20 ألفا. 
ان من حق الشعب العراقي والفلسطيني واللبناني واي شعب آخر في العالم مقاومة الاحتلال والعدوان علي سيادته بكل الاساليب المتوفرة لديه وبضمنها المقاومة المسلحة. هذه الشعوب، وعلي الرغم من حملات التمويه والتضليل السياسي والاعلامي المحاطة بها، خاصة من قبل المتعاونين مع الغزاة، تدرك وبحسها الفطري العميق ان جوهر الاحتلال هو العنصرية وسلب الكرامة وان اتهامها بالارهاب هو مهزلة لا تماثلها مهزلة. 
ان الجيش الامريكي يدافع عن أمن المواطن الامريكي وسلامته ويحافظ علي أمن وسلامة الصهيوني في كل دول العالم ولديه قانون يسمي بقانون الوطنية وقانون آخر يرعب كل من يحاول لفظ حرف واحد ضد اليهود لاتهامه بمعاداة السامية، فلماذا لا يحق لنا الدفاع عن وجودنا وبلداننا وسيادتها وحدودها ازاء كل انواع العدوان والاحتلال الذي نتعرض له؟ لماذا يحق للامريكي والصهيوني ما لا يحق لنا؟ 
ان فعل مقاومة الاحتلال والعدوان سيؤدي، عند استمراره ونجاحه، لا الي استعادة الاراضي المحتلة والحرية والكرامة فحسب بل وستؤدي الي اسقاط الهياكل الهزيلة المسماة بالحكومات العربية المتحالفة مع سادة الامبراطورية الامريكية الصهيونية في قمع مواطنيها واذلالهم. لذلك نري الحاكم العبد متحمسا في ادانته للمقاومة حرصا علي سلامته وادامة لبقائه. ان المقاومة الوطنية في فلسطين والعراق ولبنان هي مقاومة الانسان المدافع عن انسانيته، الصوت الصارخ علي الرغم من كل محاولات الغرغرة بمال الامبراطور ومغرياته، الصامد ضد تفتيت القضايا والشعوب، المقاتل من اجل الحفاظ علي وطنه ووحدة وطنه ضد سياسة تقسيم كل عرق الي غيتو وكل دين الي غيتو وكل شعب الي غيتو وعزل كل واحد منهــــا عن الآخر في خنادق محفورة خصيصا بمواصفات طائفية وعرقية وجنسوية. 
ان القضية الفلسطينية ومحاصرة الشعب الفلسطيني وتجويعه والهجوم البربري الكاسح علي لبنان هو هجوم علي الشعب العراقي، وان مقاومة الشعب العراقي هي مقاومة الشعبين الفلسطيني واللبناني لاننا تربينا علي الايمان بحقائق اخلاقية بسيطة وهي ان الاحتلال جريمة وان قتل الابرياء جريمة وان السلام بلا عدالة هو محض افتراء. 
ان تحقيق العدالة هو جزء من مسؤوليتنا الانسانية والثقافية والحضارية، وان الارهاب سيسود حقا يوم ننكر علي الناس حق المقاومة. ويصبح عالمنا هو الغابة بعينها ليس لان القوانين والتشريعات غير موجودة ولكن لانها موجودة وتطبق لصالح دولة او فئة دون غيرها، بينما يصمت العالم مراقبا بلا مقاومة

 
 

http://www.alquds.co.uk/index.asp?fname=2006\07\07-22\a39.htm

 
  Back to top