hd    
 

يا أشقانا ألم تحركّم غزة وقانا؟

د.إبراهيم حمّامي 

قبل غزة وقانا كانت دير ياسين وبحر البقر والخيام وصبر وشاتيلا وقانا 1 وجنين وجباليا والمغازي وغيرها من المجازر، سمعنا عنها وربما لم نشاهدها، اليوم نرى ونسمع ونشاهد مباشرة على الهواء، أشلاء أجزاء ودماء، دمار وتهجير وتنكيل، يتملكنا الغضب، نسب نلعن نهتف نحقد لكن ما نلبث أن ننسى وتعود الأمور كما بدأت، يتم تنويمنا ببيانات الشجب والاستنكار واجتماعات الوزراء والأمناء، وبلجان تحقيق تبرأ المجرم القاتل وتجد له الأعذار، ونكتفي بذلك القدر وبتحميل حكوماتنا وحكامنا المسؤولية، هم قدرنا وبيدهم الحل والربط، أما نحن يا اشقانا قيكفينا أحزانا، فقد مللنا قصص حانا ومانا وغزة وقانا!

حكام العرب بصموا بالعشرين، وشيوخ السلاطين أصبحوا بلا ذمة ولا دين، والأحزاب العربية وما تسمى المعارضة تتكتك إلى حين، والمقاومة أصبحت في رأيهم من عبث العابثين، والشعوب أذن من طين وأخرى من عجين، لا تحركها الدماء ولا صور المذبوحين.

عجبت لأمر الشعوب التي تقول لا، وتصمد وتناضل وتقاوم وتفشل مخططات كل الحاقدين، شعوب رفضت التطبيع الاجباري الالزامي، ورفضت أن تتنازل عن المباديء والقيم، لكنها تقبل بأن تُسيّر وتقاد كمن لا حول له ولا قوة، كم من الدماء يجب أن تراق؟ كم من الأطفال يجب أن تقضي تحت الأنقاض؟ كم من المجازر يجب أن ترتكب قبل أن تسري في عروقنا الدماء؟ لا أقول تغلي فهي راكدة ساكنة لا تحركها الفظائع والجرائم، وإن تحركت فالدعاء لنا من أشقانا، وإن قلنا يكفينا اصدار بيانا.

يا أشقانا

لست أدعوكم لتضحوا بأنفسكم في سبيل لبنان أو فلسطين، ولا أن تمتشقوا المهند وتلتحقوا بالمجاهدين، ولا أن تتبرعوا بالمال أو بالبطاطين، لكن أن تحموا أنفسكم من خطر يقين، وأن تهبوا من أجل أنفسكم قبل غيركم، كيف لكم أن ترضوا بسفير وعلم لمن يذبح اخوانكم واشقاءكم؟ كيف تقبلون فتاوى علماء السلاطين؟ وتتأطأوا الرأس لحكام أصبحوا من التابعين للشياطين؟

يا أبناء جلدتنا

هل كتب علينا أن نعد شهداءنا وجرحانا وخسائرنا لينعم أعداؤنا من احتلال وأذناب الاحتلال بثرواتنا ومقدراتنا وليتاجروا بكل شيء في أوطاننا؟ أيعقل أن أمة كانت من أعظم الأمم وأشجعها تصبح في هذا الوهن الغريب؟ حتى الجاهلية كان لها حمية وغيرة، أبعد أن أعزنا الله بدينه نفقد غيرتنا ونخوتنا ونتحول إلى أصنام بلا احساس؟ أنكتفي بلوم غيرنا وننسى أنفسنا؟

لا يحق لنا أن نلوم الجامعة العربية ولا الأمم المتحدة ولا أمريكا ولا بريطانيا ولا حتى الإحتلال، أتدرون لماذا؟ لأننا ضعفاء بصمْتنا، أذلاء بخنوعنا، ولأن العالم لا يحترم إلا القوي العزيز، ولأن الحقوق لا تُستجدى أو تُستعطف لكن تنتزع انتزاع، ولأن المهزوم لا يستمع له أحد، أعداؤنا يريدون سحقنا ومحونا لاعجب في ذلك، فهم أعداء متربصون يتآمرون كل يوم، فلما اللوم على من نعرف نواياه؟

لا يحق لنا أن نلوم الحكام والحكومات لأنه إضافة أن هذا دورهم وواجبهم في تنفيذ أوامر أسيادهم ومن وضعهم في كراسيهم، فهم يستمدون شرعيتهم من مباركتنا لهم، ومن سكوتنا عنهم، ومن رضانا على أفعالهم، وهتافنا لهم، ومن لا يفعل يسكت دهراً وبعد أن ينطق لا ينطق إلا كفراً، والمعارضة تكمل الصورة، ولاستمرار الأنظمة ضرورة، وحماية لها بحجة الديمقراطية!

أما الديمقراطية الموعودة القادمة من وراء المحيطات فهي التي تبيح ذبحنا وتمنعنا من أن نصرخ خشية أن نزعج الجزار، والديمقراطية الموعودة هي التي تعاقب شعبي فلسطين ولبنان جماعياً لأنهم قالوا كلمتهم ورفضوا التنازل والاستسلام، وديمقراطية الأمل المنشود باسمها يحترق العراق وتحاصر فلسطين وتدمر لبنان.

يا أشقانا

قرأت فيما قرأت وتحت عنوان " آخر سلالات العربان" هذا الوصف المتهكم: " غير أن أحد أهم، وأكبر قبائل العرب، حالياً، هم العرب الراقدة، ويسكن هؤلاء في المنطقة الممتدة، من المحيط الجامد، إلى الخليج الراكد، ويتميزون بالأدمغة المغسولة، والمنوّمة غيبياً، ولم توقظهم جميع صرخات وامعتصماه، ولا تكبيرات الله أكبر، أومشاهد الضحايا والشهداء، ولا قصف الأطفال، ولا حتى صواريخ حزب الله".

هل نحن كذلك؟ لا والله فكما يقول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم: "الخير في وفي أمتي إلى يوم الدين"، قولوا كلمتكم اليوم أو اصمتوا للأبد، هبوا هبة رجل واحد، أخرجوا إلى الشوارع في مظاهرات سلمية متحضرة، ناموا على الأرصفة، لا تذهبوا لأعمالكم، قاطعوا كل من يعادينا ومن يدعم من يعادينا، لا تعودوا لمنازلكم إلا بعد أن تسقط رموز الذلة والمهانة من سفارات وأعلام ترفرف فوق عواصمنا وفوق دبابات المجرمين الارهابيين، لا تعودوا إلا بعد أن تكون كلمتكم هي العليا وفوق كل حاكم ومستبد، أما أحزاب المعارضة فاليوم يومكم لتثبتوا أنكم لستم تبّعا، وأن فيكم الخير والأمل، وكونوا سنداً لشعوبكم وقادة لهم.

لا تعطوا المبرر للطغاة للنيل منكم، أخرجوا بأمن وأمان، لا تكسير ولا تدمير، ولا استفزاز لبشر أو بعير، اخرجوا بملايينكم افترشوا الأرض والتحفوا السماء، أخرجوا بشيبكم وشبابكم، برجالكم ونسائكم، بأولادكم وأطفالكم، هذه معركتكم جميعاً، فوجودكم قبل وجود غيركم هو المستهدف، والمباديء والحقوق والتراث والأخلاق أول المستهدف.

تقاعسكم اليوم هو رسالة للمجرم بأن يستمر في إجرامه، وللخانع بأن يستأسد علينا، وللعميل بأن يثخن فينا، تقاعسكم هو جبن وتخاذل، دماء شعب فلسطين ولبنان ليست رخيصة، وكل قطرة تسال ستكون لعنة تلاحق كل متخاذل جبان، وأعلموا أن اليوم تسيل دمانا وفي الغد ستكون لباقي العربانا، اقرأوا تاريخ الأندلس والتتار، اقرأوا تاريخ الوطن العربي قبل 100 عام، من يتفرج اليوم ويستسهل تحميل المسؤولية للغير سيكون هو من يصرخ مستنجداً في الغد، كفانا خنوع وذلة واستكانة.

لن ينفع اليوم غضب أو بكاء، ولا تنديد ولا شجب، ولا لعن ولا سب، بل التحرك الجماهيري الشعبي العارم، لن ينفع سوى الحسم ونفض غبار المهانة، إن كررنا ما نفعل كل مرة فعلينا أن نتهيأ لمجزرة جديدة من تنفيذ الإجرام الدولي وبمباركتنا، نعم مباركة أبناء يعرب من خلال صمتهم، وتذكروا أن المجرم الإرهابي سفاح قانا الأولى شمعون بيريز قال قبل أيام أن الحرب على لبنان هي مسألة حياة أو موت، فماذا تكون بالنسبة لكم؟

أما لأبناء شعبنا في فلسطين ولبنان، للصامدين الصابرين المرابطين، أنتم عنوان الكرامة والمجد، أنتم فخر الأمة وعزتها، لكم ننحني، ومنكم نعتذر فالشعوب العربية لم تستيقظ بعد، وأشقانا لم تحركهم غزة ولا قانا، بالأمس كانت غزة واليوم قانا، قانا التي سالت دماء أهلها الزكية اليوم في آخر حلقات ارهاب الدولة المنظم، بل ارهاب العالم بأسره، العالم الذي استعذب القتل والتدمير وبات شاهد زور على ما يجري، لأهل قانا أستذكر هذه الكلمات للشاعر يحيى برزق التي قيلت بعد مجزرتها الأولى قبل عقد من الزمان وأوجهها لكل عربي شاهد وسمع ما جرى اليوم:

دمُنا على أبوابكم .. 
دمُنا على أثوابكم ..
دمُنا يلوّن خبزكم ..


لا نامت أعين الجبناء

د.إبراهيم حمّامي 

 
 

 
  Back to top