HEAD    
 

من اليسار المتطرف إلى الليبرالية المتوحشة!

بقلم: نصر شمالي

تشهد ساحات النشاط الفكري والسياسي في بلادنا تحولات مثيرة للعجب، من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، من القومية إلى العدمية، ومن الاشتراكية العلمية إلى الليبرالية المتوحشة. وقد برزت هذه الظاهرة في أوساط اليسار المتطرف أكثر من غيرها، خاصة بين أولئك الذين قضوا سنوات طويلة في السجون. وأعترف أنني كنت على قدر من قلة الإطلاع والسذاجة حين اصطدمت بالظاهرة العجيبة لأول مرة، فقد عزوتها إلى مجرّد المعاناة والاضطهاد والخيبة، بينما هي ليست كذلك قطعاً، حيث لا يعقل أن يتحوّل الإنسان إلى عدوّ لدود لما عانى في سبيله وصديق لما عانى ضدّه وبسببه، فتصبح كوبا المظلومة المحاصرة مثلاً هي عدوه بعد أن كانت مثاله الشجاع النبيل، ويصبح الكيان الصهيوني مثلاً واحة للديمقراطية والحرية ونموذجاً من نماذج الخلاص، وتصبح الولايات المتحدة مركز التحرر والتحرير بعد أن كانت تعتبر مصدر البلاء والتدمير! بل إن المتحولين ذهبوا إلى أبعد من ذلك بكثير، فصارت أمتهم هي المسؤولة عن تخلفها ومعاناتها، وهي مصدر الخطر على العالم بسبب تاريخها المشين وتراثها المهين! وقد كتب أحدهم عن أمته العربية قائلاً:" إنهم يسمّون البلطجة وقطع الطرق والانحراف الجنسي نبوّة ووحياً. يخلقون دين الصحراء ويختارون له علماً أخضر. يطلقون جراد يثرب الدموي ينهش الأخضر واليابس في كل العالم ويسمون هذا سماحة الإسلام. يخلقون أشرس مؤسسة دينية في التاريخ ويقولون أن الإسلام لا يعرف الكهنوت. يطلقون على "إسرائيل" وصف الدولة الدينية وهي أكثر علمانية مليون مرّة من أي بلد عربي. لقد كان غزو العرب المسلمين (لسورية) عنيفاً ودموياً ومفعماً بالإرهاب. صارت دمشق موئلاً لغباء ثلّة من البدو لم يتركوا للتاريخ الحضاري الإنساني غير كمشة أشعار تافهة، وحكايا قيان وجواري وخلفاء يذبح واحدهم الآخر في سبيل الملك..الخ"! فأي تحوّل هذا التحوّل، وأي انقلاب هذا الانقلاب؟!
أمن أميركا وأمن العالم!
غير أن أسوأ ما في الأمر هو أن تكتشف، بالوقائع والوثائق، أن الرؤية الجديدة الإنقلابية لهؤلاء اليساريين السابقين ليست من إبداعهم وإنتاجهم الخاص، ولو كان الأمر كذلك لوجدنا لهم العذر واحترمناهم مهما بلغ الخلاف معهم، إنما هي بالكامل من إبداع اليسار السابق اليهودي الأميركي، الذي تشكلت منه اليوم مؤسسات اليمين الجديد الحاكم في واشنطن بقيادة جورج بوش! إن من يسمّون بالمحافظين الأميركيين الجدد، وجلّهم من اليهود الصهاينة، هم مصدر الإمداد الفكري والسياسي لليمينيين الجدد في بلادنا، الذين تحولوا بدورهم من اليسار المتطرف إلى الليبرالية المتوحشة! 
لقد تبلورت عقيدة المحافظين الأميركيين الجدد في الثمانينات، مستفيدة من أفكار ليفي شتراوس، حيث تسربت وثيقة عام 1992، أعدت برعاية وزير الدفاع ديك تشيني، تؤكد على أهمية منع ظهور أي منافس للهيمنة الأميركية، وعلى أهمية بقاء أميركا الدولة العظمى الوحيدة في العالم، من أجل أمنها وأمن العالم! لقد أعدّ تلك الوثيقة كل من زلماي خليل زاد وأبرام شولسكي، وأشرف على إعدادها بول وولفويتز، وتلك الوثيقة لم تتحدث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، فهذه القضية تم تبنيها لاحقاً لأسباب عملية محض سياسية، وإن تبنيها لاحقاً هو ما يفسّر تحول بعض الأوساط اليسارية العربية إلى الليبرالية، حيث من دون الحديث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان لن يجد اليساريون السابقون العرب ما يبّرر تأييدهم لفكرة هيمنة الولايات المتحدة عالمياً، من أجل أمنها وأمن العالم!
يسوّغون إهلاك أمتهم!
إن فريق المحافظين الأميركيين الجدد، الذي يقود اليوم أممية ليبرالية لها فروعها في بلادنا العربية، جاء في معظمه من أوساط اليسار الأميركي، وما يجمعهم، وفي مقدمتهم وولفويتز، أنهم لم يؤدوا الخدمة العسكرية، خاصة في مرحلة حرب فيتنام، وقد حاولوا إيجاد الأعذار، فقال السفير الحالي في الأمم المتحدة جون بولتون، مثلاً، ما يلي: عليّ الاعتراف أنني لم أكن راغباً بالموت في حقول الأرز، في جنوب شرق آسيا"! غير أن هذا المجرم لا تضيره المشاركة في هلاك شعوب بأكملها في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، أما تبريره لذلك فنجده في ما كتبه اليساري العربي السابق عن تاريخ أمته مسوّغاً إهلاكها!
وجدير بالذكر أن الوثائق الأولى التي صدرت عن المحافظين الأميركيين الجدد، خاصة وثيقة عام 1996، تضمنت أن أي تغيير في العراق سوف يكون لصالح "إسرائيل"، وأن الإطاحة بالنظام العراقي سوف تزعزع استقرار سورية، وتعزل حماس والجهاد الإسلامي وحزب الله، وتعيد تشكيل الشرق الأوسط، وتمكّن "إسرائيل" من ضم الضفة الغربية وتهجير سكانها إلى الأردن، وهذا التوجه الذي تعثّر وتلكأ في العراق بعد الاحتلال هو ما يفسّر لنا مضامين الخطاب الجديد لليمينيين العرب الجدد، الذي لا يعارض احتلال العراق، ويدين المقاومة فيه وفي فلسطين ولبنان، ويبدي إعجابه بعلمانية الكيان الصهيوني، وينتظر الخلاص على أيدي الولايات المتحدة، ولا يجد في تاريخ أمته وتراثها إلا ما يستوجب إدانتها واستعمارها!
تغيير العالم العربي باحتلاله!
ليس من شك أن مصدر الرؤية المتكاملة لليبراليين العرب الجدد، الذين أداروا ظهورهم لليسار بل لأمتهم، هو الولايات المتحدة، فليس لهم أي فضل في إبداعها وصياغتها، من ألفها إلى يائها، فقد ظهرت هناك الفكرة القائلة بأن العرب لن يخرجوا من تخلفهم من دون تدخل أجنبي، وأن احتلال العراق سيكون بمثابة الهزّة والحافز! لقد صدرت مثل هذه الأفكار عن برنارد لويس وفؤاد عجمي قبل أن يردّدها الأتباع في بلادنا. كذلك هناك الأميركي كنعان مكية، الذي جاء كغيره من اليسار، والذي يرى أن تغيير العالم العربي لا يتحقق بحلّ قضية فلسطين، ففلسطين لم تعد لها أية ضرورة أخلاقية، بل بالكفاح السلمي وبالتركيز على الديمقراطية وحقوق الإنسان!
إن مكية يتفق تماماً مع صديقه أحمد الجلبي الذي خاطب اليهود الأميركيين قبل احتلال العراق قائلاً: إن الإطاحة بالنظام العراقي ستأتي بنظام ديمقراطي صديق لإسرائيل!


www.snurl.com/375h 

 
 

 

 
  Back to top