HEAD


 
 

الحفاوة الأميركية بأولمرت تشبه صفير الخائف!
فرض نظام المناطق المدارة بحكم ذاتي
لا يقتصر على الفلسطينيين، بل يشمل العرب والمسلمين عموماً!

بقلم: نصر شمالي

 
 
خلال الزيارة التي قام بها إيهود أولمرت رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى واشنطن الشهر الماضي أعدّت له استقبالات ولقاءات لا مثيل لها من حيث الحفاوة، فقد قاطع الشيوخ والنواب خطابه بالتصفيق الحاد حوالي عشرين مرّة، وقوفاً لمرات عدة ولبضع دقائق متواصلة، كما أن الرئيس بوش عقد معه لقاءات حميمة لساعات طويلة، وفيما صفق له الشيوخ والنواب الأميركيون ونصب أعينهم مأزقهم في العراق، حيث بلغ تقاطع وتمازج العلاقات والمصالح الأميركية/ الإسرائيلية الذروة، أكّد له الرئيس الأميركي أن المشروع النووي الإيراني لن يمّر إلا على جثته! غير أن ما يجب أن يكون مفهوماً هو أن تلك الحفاوة والتأكيدات هي حفاوة بالسياسة الأميركية وتأكيد على المصالح الأميركية، حيث الكيان الصهيوني هو الوحيد في العالم المندمج فيهما إلى حدّ الانصهار العضوي المصيري، وهكذا فإن المسؤولين الأميركيين كانوا يحتفون بأنفسهم وليس بعميلهم رئيس الوزراء الإسرائيلي، وكانت المبالغة في استقباله، لا كإسم بل كرمز، أشبه بصفير الخائف في الظلام، والمتخبط في المجهول، يتظاهر أنه ليس كذلك! إذ من الثابت أن الإدارة الأميركية ليست راضية ولا مطمئنة لأدائها السياسي في العراق، ولا لأداء الإسرائيليين في فلسطين، غير أنها لا تملك إلا التظاهر بالعكس، لأنها لا تزال مصممة على المضي قدماً في تنفيذ إستراتيجيتها العالمية التي تتعثر وتتخبط في العراق وفلسطين ولبنان وأفغانستان والسودان، وفي أماكن أخرى من العالم.
* * *
إن الاحتفاء غير الطبيعي بالمسؤول الإسرائيلي، يعكس مظهراً من مظاهر العناد والمكابرة والتغطية على التعثر والتخبط الإستراتيجي الأميركي، فمثلما يفترض بالإسرائيليين أن يكونوا قد أنجزوا عملية تصفية الشعب الفلسطيني نهائياً، قبل سنوات طويلة، لكنهم لم ينجحوا في تحقيق ذلك وانكفؤوا، كذلك يفترض بالأميركيين أن يكونوا قد أنجزوا عملية تصفية الشعب العراقي نهائياً قبل سنوات طويلة، منذ الحصار المحكم المميت في عهد كلينتون، لكنهم لم ينجحوا في تحقيق ذلك وانكفأت إستراتيجيتهم في العراق.
لقد اعتقد الأميركيون، بعد انهيار الكتلة الأشتراكية، أن انفرادهم في حكم العالم أصبح متاحاً وميسوراً، ولعل أول إشارة صريحة تدل على هذا الاعتقاد ظهرت في 8/9/1990، أي قبل أشهر قليلة من الحرب الأميركية الأولى على العراق، حيث حاضر المحلل الصحفي الأميركي تشارلز كراوثمر عن مفهوم القطبية الأحادية في إدارة العالم، ومن أهم النقاط التي تعرّض لها في محاضرته قوله أن سقوط الاتحاد السوفييتي يعني نهاية أية تهديدات جدّية للولايات المتحدة، أما عن تبرير الإجراءات الأميركية اللاحقة في اتجاه السيطرة القطبية الأحادية، فقد حدّده بحيازة الدول الصغيرة المغامرة على أخطر الأسلحة، أسلحة الدمار الشامل!
لقد شرح كراوثمر أن مرحلة ما بعد الحرب الباردة تتسم بظهور بيئة إستراتيجية تتميز برواج أسلحة الدمار الشامل، مثل ألمانيا قبل خمسين عاماً، وأن هذه البيئة تشكل تهديداً للأمن العالمي مثلما كانت ألمانيا! لقد كان المحلل السياسي الأميركي يشير إلى العراق الذي إن لم تتم عملية نزع أسلحته فسوف يحوز على صواريخ عابرة للقارات خلال عشر سنوات ويشكل خطراً على العالم مثل ألمانيا، وإنه لمن الواضح مغزى المقارنة بين العراق وألمانيا كأسلوب صهيوني في الخطاب! ولمواجهة مثل هذا التهديد (الذريعة) اقترح كراوثمر اعتماد إستراتيجية أميركية هجومية استباقية، أي مهاجمة البلدان الأخرى وإخضاعها من دون أسباب محدّدة ملموسة بل بناء على مجرد الاحتمالات! وتجدر الإشارة إلى أن المحاضر (في 8/9/1990) استند في عرضه إلى معلومات رقمية أعدّها ديك تشيني وزير الدفاع حينئذ، في عهد بوش الأب، لدعم أطروحته حول الانتشار السريع لأسلحة الدمار الشامل في دول الجنوب!
* * *
لو أن إستراتيجية القطب الواحد، المرتكزة إلى الحرب الاستباقية، سارت كما قدّر الأميركيون ورسموا منذ عام 1990، أي بعد انهيار عالم القطبية الثنائية بانهيار الاتحاد السوفييتي، لأصبح وضع العالم اليوم مختلفاً كل الاختلاف، خاصة في البلاد العربية والإسلامية، فهذه البلاد تحديداً كانت ستخضع لنظام المناطق المدارة بحكم ذاتي، وهو بالضبط النظام الذي اختاره الإسرائيليون للشعب الفلسطيني قبل سنوات طويلة، أي إدارة شؤون السكان اليومية من دون أية سيطرة للإدارة الذاتية على الأرض وما في باطنها، ومن دون أية علاقات حرة مع خارج الحدود، ومن دون أية قوات عسكرية وطنية! لقد كان مثل هذا المصير المقرر غير مقتصر على الفلسطينيين وحدهم، بل يشمل العرب من المحيط إلى الخليج، ويشمل معظم الدول الإسلامية إن لم يكن جميعها، غير أن هذا المصير الذي بدا تقريره وفرضه متاحاً للأميركيين والإسرائيليين تعثّر في العراق بفضل صمود ومقاومة الشعب العراقي البطل، وبعد أن أعلن أن الحرب على العراق سوف تشمل، في الوقت نفسه، السعودية ومصر وسورية ولبنان وإيران..الخ، كما أعلن المسؤولون الأميركيون على لسان وولفويتز وبيرل عشية احتلال العراق، بمنتهى الوضوح وبالأسماء، تراجعت لائحة الأهداف لتقتصر اليوم تحديداً على لبنان وسورية وإيران، وتراجعت أيضاً حدّة تلك النبرة الواثقة المتعالية، التي لا تريد مساعدة من أحد، ولا تقبل أي حوار مع الدول المستهدفة!
إن التهديدات الأميركية لجميع الدول تختلف اليوم عنها قبيل وأثناء شن الهجوم على العراق واحتلاله، فالتعثر في العراق جعل الأميركيين يتردّدون حالياً، ويشكّون في مقدرتهم على الدخول بحروب أخرى في وقت واحد، غير أن ذلك لا يعني التراجع عن إستراتيجية الحرب الاستباقية وهيمنة القطب الواحد، بل يعني ارتباك هذه الإستراتيجية وتعرضها لخطر التقهقر والفشل، الأمر الذي تجري معالجته بعناد ومكابرة، عبّر عنهما الاستقبال الحافل لرئيس الوزراء الإسرائيلي، الذي يشبه صفير الخائف في الظلام!
www.snurl.com/375h 
 
 

 

 
  Back to top