hd    
 

تعنت إسرائيل يحول قضية الأسرى إلى أزمة إقليمية

بلال الحسن

دخلت المنطقة العربية في حالة حرب. أصبحت المعارك هي الحديث اليومي. وفي جو المعارك لا يجدي التحليل والاستنتاج، بينما يشكل توصيف الوضع والمواقف العلامة الأبرز لفهم ما يجري. وهو ما يجب أن نحاوله وأن نركز عليه. 
نبدأ من إسرائيل التي هي أصل الشر، لنجد أن الوضع الداخلي فيها يعاني من مشكلة كبيرة. مندوب أوروبي زار إسرائيل والأردن وسورية والتقى مع الفلسطينيين في دمشق، قال: يوجد في إسرائيل وضع غريب، فحين تحادثت معهم اكتشفت وجود حكومات لا حكومة واحدة، حكومة الجيش وحكومة المخابرات وحكومة ايهود أولمرت وعمير بيرتس. أوحى في حديثه أن القرار ليس في يد الحكومة الرسمية، إنما هو في يد جنرالات الجيش الذين يعدون التقارير حسب تحليلاتهم وتقديراتهم للوضع، ويضغطون على أولمرت ووزير دفاعه لينفذا ما يجتهدون هم في رؤيته، واجتهادهم يرتكز فقط على ضرورة التصعيد العسكري ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، مع رفض لمبدأ التفاوض من أجل الإفراج عن الجندي الأسير. إنهم يشعرون بالإهانة العسكرية ويريدون الانتقام لتلك الإهانة، ويرتكبون من أجل ذلك مجازر يومية، آخرها قتل عائلة الأستاذ الجامعي بالكامل (9 أشخاص)، وفي يوم بلغ فيه عدد الشهداء 23 شهيدا. يواجه هؤلاء الجنرالات قادة أجهزة المخابرات الذين ينصحون بالتروي والاعتماد على الوساطات والمفاوضات لإطلاق سراح الجندي، وساطة مصر ووساطة تركيا بشكل خاص، ولكن هذه الوساطات تصطدم برفض إسرائيل، ذلك أن إسرائيل تعتبر مناطق السلطة الفلسطينية مناطق تابعة لها، وهي لا تريد أن تسجل على نفسها أنها اعترفت من خلال التفاوض والتبادل للأسرى بالمقاومة المسلحة التي تتصدى لاحتلالها. وقد كان من نتيجة ذلك، أن معركة إسرائيلية ـ فلسطينية مسدودة الأفق هيمنت على المشهد السياسي، واتخذت ميدانيا وجهة تدمير البنية التحتية للسلطة الفلسطينية، والعمل تحت شعار إسقاط حكومة حماس. 
ويشكل الوضع الفلسطيني الصورة المقابلة للوضع الإسرائيلي؛ فعلى الأرض تدمير وجوع، حتى أن مستشفيات مدينة غزة أصبحت من دون وقود، حتى بادر الاتحاد الأوروبي إلى تنظيم حملة طارئة لإرسال وقود يضمن تشغيل المستشفيات. بينما بدأت الصحف الإسرائيلية تحصي أنواع المواد الغذائية من المياه إلى الطحين والرز والسكر والزيت، وتحدد مدى الأيام التي سينتهي بها وجود أية مادة من هذه المواد في الأسواق. وعلى قاعدة هذه الصورة المأساوية للحياة اليومية يتبلور موقفان سياسيان؛ موقف تمثله الحكومة برئاسة إسماعيل هنية يدعو إلى الصمود، ويقترح التهدئة والتفاوض على شروط إطلاق الجندي الأسير، وموقف الرئاسة الفلسطينية الذي يرى أن الوضع مقبل على كارثة، ويشجع قبول صيغة الوساطة المصرية المعتمدة على وعود إسرائيل الشفهية، تجنبا لعمليات التدمير التي تواصلها إسرائيل. وحين تسير الأمور في اتجاه غير قابل لذلك يهدد الرئيس محمود عباس بالاستقالة، ويبدو أنه كان جادا بها، فعقد مؤتمره الصحافي الوداعي في غزة ثم غادر إلى الضفة الغربية ليلتقي مع القنصل الأميركي، ويتلقى اتصالا هاتفيا من وزيرة الخارجية كونداليزا رايس، تركزا حول ثنيه عن الاستقالة، بينما سمعت منه رايس كلاما غاضبا تناقلت الصحف العربية شذرات منه. وعلى الفور اتصل ملك الأردن وأرسل له طائرة خاصة تقله إلى عمان ليواصل بدوره إقناعه بعدم الاستقالة. وفي عمان انضم الرئيس حسني مبارك إلى عملية الضغط والإقناع. 
جوهر موقف الرئيس عباس ليس الاستقالة فقط، إنما الإعلان عن حل السلطة الفلسطينية، حيث تجد إسرائيل نفسها أمام ضرورة العودة إلى الاحتلال المباشر، وتحمل مسؤولية الاحتلال، وذلك بديلا عن الوضع الغريب القائم، حيث الاحتلال هو السيد، ولكن الاحتلال معفى من تحمل المسؤوليات، وحتى المسؤوليات المالية يتولاها الاتحاد الأوروبي نيابة عنه، وهو يرفض الآن دفعها للحكومة. لقد تراجع الرئيس عباس عن الاستقالة، ولكن هذا وحده لا يكفي، ما لم يبرز في الأفق حل للوضع المتأزم. 
من يستطيع فتح باب الحل أمام الوضع المتأزم؟ إنها الولايات المتحدة الأميركية، والولايات المتحدة الأميركية وحدها. ولكن من الواضح أن واشنطن تدعم الموقف الإسرائيلي وتتبناه، حتى أنها تعرقل مجرد بحث الموضوع في مجلس الأمن، وهي توسع من نطاق الأزمة الإسرائيليةـ الفلسطينية لتشمل إيران وسوريا، فتحولها (سياسيا) من أزمة محلية إلى أزمة إقليمية. وهي علنيا تريد القضاء على حكومة حماس واستسلام المقاومة الفلسطينية للاحتلال إلى المطلب الإسرائيلي بتسليم الجندي الأسير من دون أية شروط أو مكاسب حتى إنسانية (الإفراج عن الأطفال والنساء الأسرى). أما بعيدا عن العلن، فهي تحرض على انقلاب فلسطيني داخلي يعبر عنه اقتراح دنيس روس الذي أدار المفاوضات العربية ـ الإسرائيلية الفاشلة في عهد الإدارتين الجمهورية والديمقراطية حتى بداية عام 2001. دنيس روس يقترح تشكيل حكومة فلسطينية جديدة، يتم إبعاد حركتي فتح وحماس عنها، وتتولى هذه الحكومة تشكيل قوة أمن محترمة (الأمن دائما ولا شيء غير الأمن)، ويتولى قيادتها شخص قادر هو محمد دحلان. إن كلمة انقلاب هي أقل وصف يمكن إطلاقه على هذا الاقتراح الذي يحاول أن يبدو بريئا، فإبعاد أكبر حركتين فلسطينيتين عن السلطة، هو تمهيد لبروز قوة ثالثة، يتطلع الأميركيون دائما إلى بروزها، منذ أن قدم الرئيس بوش مبادرته الشهيرة (مبادرة الدولتين) عام 2002، وناشد الفلسطينيين فيها انتخاب قيادة جديدة لا تمارس الإرهاب. ولكن هذا الاقتراح بتنظيم انقلاب فلسطيني علني، من شأنه أن يعمق الأزمة لا أن يساعد في حلها. وهكذا فإن سياسة الولايات المتحدة هي عنصر أساسي من عناصر التأزيم وليست أبدا عنصرا مساعدا على الحل. 
ويعرف أبسط العاملين في السياسة، أنه لا يمكن نشوب أزمة من هذا النوع، وأن تبقى هذه الأزمة محصورة في نطاقها الجغرافي الضيق. لا بد من أن تكون لهذه الأزمة تفاعلاتها على الصعيد العربي. ومن هذا المنطلق جاءت عملية حزب الله الأخيرة التي تم فيها أسر جنديين إسرائيليين. وبالطبع فإن لـحزب الله دوافعه اللبنانية البحتة للقيام بهذه العملية، ولكن هذه العملية تنتج موضوعيا تناغما لبنانياـ فلسطينيا لا يمكن تجاهله. وبقدر ما تشكل عملية حزب الله تلبية لأهداف لبنانية بقدر ما تشكل دعما للفلسطينيين وتخفيفا عنهم، وبقدر ما تشكل أيضا نقلا للأزمة من إطارها الجغرافي الضيق إلى إطارها الإقليمي الواسع. وحين نتابع إقدام إسرائيل فورا على عمليات تدمير الجسور والمطار في لبنان، وحين نتابع قصف حزب الله للمدن والمطارات ومراكز القيادة في إسرائيل، لا يعود من المبالغة القول إن المنطقة العربية قد دخلت في حالة حرب، ولن تستطيع أية دولة عربية أن تبقى بعيدة عن تأثيراتها. 
ما يلفت النظر في حالة الحرب هذه هو الانقسام اللبناني الرسمي حولها، إذ بينما يدعم رئيس الجمهورية ومعه الجيش، المقاومة اللبنانية في وجه العدوان الإسرائيلي، تلتزم الحكومة موقفا شبه محايد، بل وتنأى بنفسها عما يجري، وتقول إنها ليست مسؤولة عن عملية المقاومة، ولكنها لا تستطيع إلا أن تستنكر العمليات الإسرائيلية، وتطلب انعقاد مجلس الأمن. إن مضي الحكومة بهذا الموقف المحايد لن يكون سهلا بعد أن أعلنت إسرائيل أنها ستحاصر لبنان وتعزله برا وبحرا وجوا. وهي تفعل ذلك على غرار ما تفعله مع قطاع غزة، وكأن لبنان أرض محتلة إسرائيليا. 
ولا بد من التنبه هنا إلى أن حصار لبنان برا سيشمل موقفا عسكريا إسرائيليا إزاء الحدود السورية مع لبنان، وهو ما يعني أن العدوان الإسرائيلي سيشمل سوريا أيضا، ويعمق من تحول الأزمة إلى أزمة إقليمية، وبخاصة بعد تصريحات إسرائيلية قالت إن الجيش الإسرائيلي لن يدع سكان لبنان ينامون بينما ينام سكان إسرائيل في الملاجئ. وقالوا بصراحة أيضا إن ذلك سيشمل سوريا وليس لبنان فقط. 
هل تتحمل السياسة الأميركية انفجار أزمة إقليمية جديدة في إطار الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وهي تواجه مشكلات عديدة مع إيران، وفي الصومال، وفي العراق، وفي أفغانستان، وفي السودان؟ هذا سؤال كبير يحتاج إلى مراقبة وتنبه. 
وسؤال ثان دقيق وحساس: هل تتحمل الأنظمة العربية موقفا محايدا أو مراقبا أو وسيطا في الأزمة الناشبة؟ ماذا ستكون تداعيات الأزمة في الأردن وفي سوريا وفي مصر بشكل خاص؟ لقد اجتمع وزراء الخارجية بدعوة من الجامعة العربية، وهناك دعوة من اليمن لعقد قمة عربية، وهناك إدراك لتداخل أزمات لبنان وفلسطين والعراق. فهل سينفجر الوضع بحيث لا يمكن السيطرة عليه؟ أم أن هناك مخرجا سياسيا سيطل فجأة؟ أسئلة سيتم التداول بشأنها على دوي المدافع والطائرات والصواريخ. 
20/7/2006

 
 

 
  Back to top