hd    
 

تكلمون... كما كنا ونفعل... كما كانوا

معن بشور

ارغب بالتوقف امام جانب واحد من هذه الحرب وهو الجانب الاعلامي.
وهنا لا اريد التوقف امام الشجاعة البالغة التي يظهرها المراسلون الشبان لعدد من الفضائيات والاذاعات والصحف العربية في حرصهم على تغطية الحرب من قلب نقاط الخطر على امتداد جبهة المواجهة.

ولن اتوقف ايضاً امام الانحياز الظالم لبعض الوسائل الاعلامية التي حاولت ان تشيع مناخ الاحباط بينما المعركة، على ضراوتها ووحشيتها، مملوءة بعناصر الامل والتفاؤل، فاننا واثقون ان حب الحقيقة في هذه الوسائل سيتغلب في النهاية على مختلف الضغوط او الاملاءات او التوجيهات التي تصدر اليها.
سأركز كلامي اليوم على التخبط الاعلامي الملحوظ الذي يلف تصرفات مسؤولي العدو وتصريحاتهم في مقابل الهدوء الرائع الذي يطبع تصريحات قادة المقاومة وعلى رأسهم السيد حسن نصر الله، حيث لا ضجيج ولا وعود فارغة ولا محاولات ممجوجة لتبرير الهزائم.
ولنأخذ قصة البارجة الصهيونية التي اصابتها صواريخ المقاومة مثلا على ساحل بيروت.
ففي حين دعا السيد نصر الله بكلمة هادئة واثقة العالم باسره لرؤية هذه البارجة تحترق، في تنسيق غير مسبوق، بين القول والفعل، بين الوعد وتحقيق الوعد، رأينا الاعلام العسكري الصهيوني يتخبط في التعامل مع هذه البارجة.

لقد نفى العدو أولا الخبر جملة وتفصيلاً، ثم تحدث عن اصابات طفيفة وعرض صوراً لبارجة شبيهة لم يكن سوى "خدشين بسيطين" هما آثار تلك العملية، ثم تحدث في ما بعد عن اضرار بالغة، ثم عن شحن السفينة الى داخل فلسطين المحتلة ليعلن عن اربعة جنود بحريين مفقودين.
فخلال ساعات صدرت مواقف متناقضة وبلاغات متنوعة، لنكتشف حجم الاضطراب في الاعلام العسكري الصهيوني.
وبدا التناقض على أشده في تصوير العدو طريقة قصف البارجة، فبعد ان صوّر "الفجوتين الصغيرتين" على جسم البارجة المزيفة، عاد ليقول ان القصف تم من "طائرة من دون طيار" دون ان يشير كيف يمكن لصاروخ نزل من فوق ان يحدث هاتين الفجوتين، بل دون ان يفسر لنا كيف يمكن لهاتين الفجوتين البسيطتين ان تؤديا الى فقدان اربع جثث.
مقابل هذا التلعثم الاعلامي الصهيوني غير المعهود، والبعيد عن كل مظاهر "الرصانة" و"الموضوعية" التي كان يحاول العدو ان يسبغها على اعلامه، كنا نرى في المقابل اعلام المقاومة سلساً، منسجماً، هادئاً، بسيطاً، واثقاً من نفسه.
فهنا الاعلام يشير الى نجاح العملية في تحقيق هدفها ثم ينكفىء عن نشر معلومات عديدة تمتلكها المقاومة مع وعد بنشرها في الوقت المناسب، اي اننا امام اعلام يقوم على مبدأ بسيط "دعوا اعمالنا تتكلم"، دون بهورة، ودون مبالغة...
المثال الآخر على التخبط الاعلامي الصهيوني هو نشر اخبار عن اصابة السيد نصرالله، فمرة يعلن عن استشهاده (حفظه الله) في قصف مقر الامانة، ومرة اخرى عن اصابته، وفي كل مرة كان سيد المقاومة يرد بظهور مباشر على الشاشة، نافيا بهذا الظهور، وبه فقط، شائعات العدو التي باتت سلاحه الوحيد بعد أن عجزت كل اسلحته الاخرى إلا عن القتل بدم بارد لمدنيين عزّل والقصف الممتلىء بالحقد على كل مظاهر الحياة والاعمار في لبنان.
من الامثلة الاخرى على هذا الارتباك ما يتعرض له مراسلو الفضائيات العربية من اعتقال واحتجاز، كما جرى مع طاقم "الجزيرة" مثلا، خصوصا بعد اقترابه من مناطق حساسة كحيفا، لكي ينقل للعالم كيف تظهر وعود السيد نصرالله صادقة، وقدرات المقاومة عالية... وهو امر يذكرنا بالطريقة التي يتعامل بها جيش الاحتلال الاميركي مع وسائل الاعلام.
ولعل تراكض المسؤولين السياسيين والعسكريين الصهاينة لعقد المؤتمرات الصحافية، والادلاء بالتصريحات والتهديدات، (وبالمناسبة فقد تراجعت حدة هذا التراكض في اليومين الاخيرين اي بعد قصف حيفا، كما انكشفت هشاشته امام الرأي العام الاسرائيلي مع قطع التلفزيون الاسرائيلي وقائع مؤتمر صحافي لرئيس هيئة الاركان الاسرائيلي لتبث مكانه كلمة السيد نصرالله في اليوم الاول للعدوان)، لا يكشف فقط عن الرغبة الفاجرة في استخدام دماء اللبنانيين كوسائط دعاية لحملاتهم الانتخابية، بل يكشف ايضاً عن حجم التناقض في المواقف والمعلومات على حد سواء، ويكفي ان نستمع لرزمة الشروط الاسرائيلية كيف تتغير بين مسؤول وآخر، لنكتشف تفاوت الاحساس المبكر، بالواقع الميداني غير المريح لجيش الاحتلال.
ففي ظل هذا التراكض ايضاً بدأت الشروط الاسرائيلية مع اولمرت (رئيس حكومة العدو) عالية حين دعا الى تدمير "حزب الله" وازالته من الوجود، لتتراجع الى شرط سحب قواته الى مسافة 30 كلم (متناسية ان الحزب هو جزء من الشعب اللبناني)، ثم تصل مع بيريس (نائبه) بالامس الى اعادة الجنديين فقط ووقف القصف من جانب "حزب الله". وفي المقابل نجد كلام قادة "حزب الله" قليلا، لكنه دقيق لا تناقض فيه وموقفهم واضح لا تغيير فيه.
اما محاولة الحديث عن وجود مئة ايراني مشاركين في عملية قصف البارجة، وعن ان الصواريخ التي استهدفت حيفا هي صواريخ سورية، فهو حديث يذكرنا، بالاضافة الى ما ينطوي عليه من اقرار بفاعلية العملية البحرية والقصف البري، باحاديث طالما رددها المسؤولون العرب في معاركنا العسكرية حين كانوا يحاولون تبرير هزيمتنا عبر الحديث عن مساندة دول كبرى لعدونا.
هنا المسؤولون الصهاينة يهددون ويتوعدون ويبالغون ويتكلمون كما كنا نهدد ونتوعد ونبالغ ونتكلم دون جدوى.
وهنا أيضاً قادة المقاومة صادقون في وعودهم، مقلّون في كلامهم، هادئون في اعصابهم، يفعلون كما كان العدو يفعل في حروب سابقة.

وكما للهزيمة بوادرها حين تلوح في الافق، فللنصر ايضا عناوينه وشروطه ومؤشراته.
وما النصر الا صبر ساعة.

 
 

مقالة نشرت في جريدة النهار يوم الخميس 20/7/2006

 
  Back to top