hd    
 

إجمال مكوّنات المشهد العربي الراهن!
من المحرّمات تدخّل العرب في شؤون منطقتهم،
فإن فعلوا تعرضوا لحملات الإخضاع والتأديب!

بقلم: نصر شمالي

يستدعي اتساع العمليات الأميركية الصهيونية، لتشمل لبنان مجدداً، العودة إلى السؤال الأساسي المزدوج: هل العدو الأميركي الصهيوني في وضعية دفاعية أم هجومية؟ وهل الأمة العربية والإسلامية في وضعية دفاعية أم هجومية؟
إن التصور السائد على نطاق واسع هو أن العدو في وضعية هجومية وأن العرب والمسلمين عموماً في وضعية دفاعية، وهذا التصوّر يعني أن أوضاع العرب تحديداً طبيعية ومستقلة وعلى مايرام، لولا أن العدو يشن الحملات العسكرية من حين لآخر من أجل الاستيلاء على مغنم ليس في حوزته، بينما الأمة تحاول منعه من الاستيلاء على هذا المغنم الذي هو في حوزتها ومن ممتلكاتها! أي أن الفكرة السائدة تصوّر العدو قادماً من خارج الحدود، أو من خلف المحيطات، ليشن غارة غادرة عابرة وليقتنص غنيمة محدّدة، ثم يعود إدراجه!
غير أن الأمر ليس كذلك كما تؤكد تفاصيل أوضاعنا بمجملها على مدى عقود من السنين، والتي تقطع بأننا مجرد مناطق مدارة لكل منها حكمها الذاتي، أي أننا لا نمتلك إرادتنا ولا قرارنا السياسي، ولا الحق بالتصرف بأرضنا وبثرواتنا ومصيرنا، وأن أراضي هذه المناطق، وثرواتها ومصائر مجتمعاتها، هي شأن من شؤون إدارة هذا النظام الاحتكاري الربوي العالمي، فهي تقع في نطاق سيطرته المباشرة، على مدار الساعة، في أدق تفاصيل حياتها، وهذا ما أكده هنري كيسنجر، الذي صرّح، عندما كان وزيراً للخارجية الأميركية في سبعينات القرن الماضي، بأن ثلاثة جهات محرّم عليها التدخل في شؤون المنطقة العربية: أوروبا الغربية واليابان، والاتحاد السوفييتي،و...العرب! وهكذا فإن العرب محرّم عليهم التدخّل في شؤون منطقتهم، التي هي شأن أميركي صهيوني، والمقصود بتدخلهم هو ما يقدمون عليه من أعمال تمسّ الترتيبات الجغرافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية الموضوعة بالصورة التي تحقق مصالح النظام الربوي العالمي! أي أن البلاد العربية على هذا الأساس، مجرد "كامبات" أو "كانتونات" أو معسكرات أو مخيمات، وأن أية محاولة لخروج نزلائها على هذه الترتيبات يعرضهم لحملات الإخضاع والتأديب العسكرية البالغة القسوة! فإذا كان الحال كذلك، وهو كذلك حقاً، فإن العدو ليس في وضعية هجومية بل دفاعية عن مناطق يعتبرها تخصه وتدخل في نطاق سيطرته وإدارته شبه المباشرة والمباشرة، أما العرب فإنهم ليسوا في وضعية دفاعية كما ظلوا يتوهمون دهراً، وهاهم الآن يأخذون الوضعية الهجومية الصحيحة لاسترداد ما هو مسلوب منهم وأوله ذواتهم!
***
بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة، أقام العدو الأميركي الصهيوني هيكليته الدفاعية في هذه المنطقة، وعن هذه المنطقة، على ثلاث دعائم، الأولى هي النظام الرسمي العربي عموماً، والثانية هي الكيان الإسرائيلي في فلسطين العربية المحتلة، والثالثة هي قوات الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي المستعدة على الدوام للعمل الميداني في مختلف القارات، فكان النظام الرسمي العربي ، الذي تمّت عملية إحكام أوضاعه، خط الدفاع الأول عن ترتيب المنطقة العربية لصالح النظام العالمي، وكان الكيان الإسرائيلي خط الدفاع الثاني، وكانت القوات الأميركية الأطلنطية خط الدفاع الثالث!
إن على خط الدفاع الأول، الرسمي العربي، القيام بواجباته كإدارة حكم ذاتي، أي إخضاع شعوبه وحفظ الأمن والاستقرار بصورة تكفل عدم المساس بالترتيبات الاستعمارية في المنطقة عموماً، فإذا عجز عن القيام بواجباته، سواء في إحباط تمرّد رسمي أقدم عليه أحد الأنظمة العربية، أو في تدمير ثورة شعبية خرجت عن نطاق سيطرة نظام عربي رسمي، تحرّك خط الدفاع الثاني "الإسرائيلي" لنجدة النظام الرسمي العربي وتلافي تقصيره، فإذا لم تنجح القاعدة الصهيونية في مهمتها تحرّك خط الدفاع الثالث الأميركي الأطلنطي!
بالطبع، إن الوضع المثالي لصالح الترتيبات الاستعمارية، التي تحكم المنطقة العربية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، هو أن ينجح خط الدفاع الأول، الرسمي العربي، بالقيام بوظيفته من دون الحاجة لتدخل خط الدفاع الثاني الإسرائيلي، الذي يدل تدخله الوحشي على تضعضع وعجز خط الدفاع الأول، فما بالكم إذا عجز خط الدفاع الثاني الإسرائيلي بدوره عن ضبط الأمور، واضطروا للجوء إلى خط الدفاع الثالث والأخير، الأميركي الأطلنطي؟ إن هذا يعني خللاً خطيراً بموازين القوى في غبر صالح النظام الربوي العالمي الذي تقوده واشنطن، وإن هذا هو عين ما نعيشه اليوم، في العراق على وجه الخصوص، حيث نزل إلى الميدان خط الدفاع الثالث الأميركي الأطلنطي!
***
غير أن خط الدفاع الثالث الأميركي الأطلنطي، بكل عظمته وجبروته، يواجه مأزقاً لا مثيل له في العراق، وقد سارعوا إلى ترميم خط الدفاع الثاني الإسرائيلي الذي هشّمه الشعب الفلسطيني الأعزل الثائر منذ انتفاضة أطفال الحجارة أواخر الثمانينات الماضية، فجدّدوا بنيته وأساليبه، وأطلقوا يده إلى أقصى الحدود ضدّ الشعب الفلسطيني المحاصر بتواطؤ مفضوح من النظام الرسمي العربي، كي يتمرن ويسترد عافيته ويستعد للانخراط من جديد في مهام عسكرية حربية إقليمية خارج فلسطين، وهاهو يباشر هذه المهام في لبنان، يسانده النظام الرسمي العربي بما يستطيع، وهي مساندة ذات قيمة وأثر خطير بسبب الأوهام الشائعة، حيث هناك من لا يزال يعتقد أن النظام الرسمي العربي لنا، ولم يكتشف بعد أنه علينا!
خلاصة القول، في هذه المساحة الضيقة، هي أن المشهد العربي الراهن يشير إلى أزمة عميقة يعيشها النظام الربوي العالمي، جعلته يزجّ في المعركة بخطوطه الدفاعية الثلاثة، ويفضح مضطراً تكاملها ووحدتها بعد طول تمويه وتضليل، خاصة فيما يتعلق منها بالنظام الرسمي العربي، وبالمقابل يشير المشهد إلى تطور نوعي في البنية الداخلية التاريخية للأمة، حيث حقق التراكم الكفاحي على مدى القرن الماضي هذه النتائج الباهرة في ميادين القتال، ممثلة بقوى المقاومة التي تمتلك قدراً كافياً من الإرادة وحرية الحركة والتكافؤ في مواجهة قوى العدو، والتي أصبحت تعي جيداً أن معركتها هجومية لا دفاعية، من أجل استرداد الأمة المضيّعة والحقوق المنهوبة المغتصبة، والمثال اللبناني هو دليل آخر مستجد على ذلك!

www.snurl.com/375h

 
 

 
  Back to top