HEAD

تغير قواعد اللعبة ، كيف ولصالح من ؟

 
 

بقلم: عوني فرسخ

"لقد تغيرت قواعد اللعبة " كذلك قال اولمرت غداة إعطائه إشارة البدء بحرب الأرض المحروقة في لبنان ، لاستكمال ما كانت قد بدأته آلة حربه في قطاع غزة من تدمير للبنى التحتية وتقتيل وترويع المدنيين العزل ، سعيا لتحقيق هدفين متكاملين : الأول ، استعادة هيبة الجيش وقوة ردعه بعد تلقيه ضربتين موجعتين ومذلتين ، على حد تعبير جدعون ليفي في هارتس يوم 16/7 . والثاني ، الضغط على الشارع في الساحتين للتحرك ضد حماس وحزب الله ، بعد وضوح فشل تفجير الصراعات اللامجدية فيهما لتمكين قوى الاستسلام من تمرير التسوية بالشروط الأمريكية الصهيونية .

وليس من شك أن ميزان القدرات والأدوار لدى طرفي الصراع العربي الصهيوني هو اليوم غيره سنة 1982 . ولا خلاف أن أولمرت يقصد تغير قواعد اللعبة لصالح التحالف الأمريكي الصهيوني ، مؤسسا ادعاءه على ما لالة حربه من تفوق نوعي ، ولكونه قد تلقى الضوء الأخضر من القوة الأعظم ، ولإدراكه لمدى تهافت إرادة ممانعة النظام الرسمي العربي ، ولاتساع دائرة المهرولين للصلح والتطبيع ، وشيوع دعوات الخلاص الفردي في الوسط العربي ، والنظر للصراع ذي البعد القومي باعتباره مجرد نزاع فلسطيني إسرائيلي ، يجوز فيه اتخاذ موقف الحياد بين طرفيه . 

غير انه ليس واقعيا حصر النظر بالخلل الاستراتيجي لصالح آلة الحرب الصهيونية قياسا بالجيوش العربية وانتصاراتها الماضية في الحروب النظامية ، وتجاهل التطور النوعي في الأداء المقاوم . ففي تقويم عمليتي "الوهم المتبدد" و"الوعد الصادق" يقول قائد سلاح البحرية الإسرائيلية السابق ، والنائب العمالي الحالي ، الجنرال عامي أيلون : "إن هاتين العمليتين اللتين نفذتهما حماس في كرم سالم وحزب الله في الشمال كانتا عمليتي كوماندو مركبتين ومهنيتين . أنا رجل عسكري مع ماض جدير ، وأقول لكم إنني كنت سأفخر بأن اقودهما " ، مخاطبا كتلة العمل في الكنيست يوم الجمعة 16/7 . 

وفي حديث الجنرال أيلون في اليوم ذاته مع صحيفة "معاريف" ورد قوله : "إن ضرب بارجة حنيت هو إنجاز لحزب الله . فلا ريب أنه من ناحية العدو يعتبر ضرب بارجة حديثة لسلاح البحرية إنجازا ، مثلما هو إطلاق الصواريخ نحو طبرية وحيفا . وعليه فان على سلاح البحرية أن يجري تحقيقا شاملا فيما حصل واستخلاص العبر" . وتعتبر "حنيت" السفينة الأكثر حداثة بين سفن الصواريخ من طراز "ساعر 5 " التي يحوزها سلاح البحرية الإسرائيلي . وهي مزودة بأفضل أجهزة الدفاع والهجوم . وكانت قد بنيت في حوض بناء السفن "انجلاس" في الولايات المتحدة ، حسب توصية سلاح البحرية . وطولها 86 مترا ، ومؤهلة بثمانين بحارا بعضهم مسؤول عن استخدام أجهزة الدفاع المتطورة . وهي مزودة برادار متطور من إنتاج شركة "التا" وبحساسات الكتروبصرية من إنتاج شركة "L.O.B " ترتبط مباشرة بمنظومة السلاح في السفينة . ولديها صواريخ "باراك " ضد التهديدات من الجو ، وصواريخ "غبريئيل" التي تطلق تلقائيا فوق سطح البحر لمقابلة صواريخ العدو . وفي تدميرها شهادة كفاءة مقاتلي حزب الله ، ومؤشر آخر على التطور النوعي في أداء المقاومة العربية . 

وبعد أربعة وعشرين يوما على مباشرة حرب الأرض المحروقة في قطاع غزة ، وثمانية أيام على مباشرتها في لبنان ، الأمر الجلي أنها عملت بالاتجاه المعاكس لما استهدفه اولمرت والإدارة الأمريكية وتوابعها الدولية والعربية . إذ تسببت بتعظيم تأييد حماس وحزب الله وخيار المقاومة في عموم الأرض العربية ، مقابل تراجع فريق اوسلو الفلسطيني وتيار 14 آذار / مارس اللبناني . وعليه فحرب الأرض المحروقة ، وإن دمرت البنى التحتية في قطاع غزة ولبنان ، وأوقعت عشرات القتلى ومئات الجرحى ، إلا أنها فشلت فشلا ذريعا في تحقيق إنجاز يذكر ، سواء على صعيد استعادة هيبة جيش العدوان الصهيوني وفعالية قوة ردعه ، أو على صعيد تحريك الشارع المستباحة دماء أبنائه ضد حماس وحزب الله . الأمر الذي يصيب في الصميم أسطورة "الجيش الذي لا يقهر " ، ويزلزل بالتبعية قواعد "ثقافة الهزيمة " الشائعة في أوساط النخب العربية محدودة المعرفة ومتدنية الوعي . 

وحين يقارن توفر الملاجىء الآمنة والمزودة بكل متطلبات العيش المريح لأسابيع في حيفا وطبرية وبقية مدن ومستعمرات شمالي فلسطين بانعدام ذلك في الضفة والقطاع ، أو تقابل قدرات التدمير المحدودة لصواريخ القسام بدائية الصنع بفعالية آلة الدمار الصهيونية . ثم تدرس الآثار النفسية للعدوان الصهيوني على المواطنين العرب والمقاومة المشروعة دوليا على المستوطنين الصهاينة يتضح التمايز الكيفي بين الشعور بالتجذر في الأرض واليقين والثقة بالمستقبل الغالب لدى أبناء الأرض الشرعيين وبين الخوف الشائع لدى مغتصبيها ، المهجرين طوعا أو قسرا من أوطان آبائهم وأجدادهم ، ليكونوا المادة البشرية لاستعمار استيطاني عنصري يدفع من دماء ابنائه ضريبة تأمين مصالح قوى الاستغلال والهيمنة الكونية في الارض العربية . 

ومن أبرز المستجدات في ميزان القدرات والأدوار ، التي لم يأخذها بالحسبان اولمرت والذاهبون مذهبه ، أن للتحدي في حياة البشر استجابة تساويه في المقدار وتعاكسه في الاتجاه . ولقد أدى التغول الأمريكي والعربدة الصهيونية إلى انكسار حاجز خوف الجمهور في فلسطين ولبنان والعراق ، فضلا عن بدايات ذلك في غالبية الأقطار العربية ، خاصة مصر ، حيث يتنامى الحراك الوطني والرفض الشعبي للصلح والتطبيع مع العدو الصهيوني . ويعلمنا تاريخ المنطقة منذ بداياته الأولى انه كلما استعاد شعب مصر عافيته الوطنية كلما نمت فعاليته القومية . وفي ما تضمنه البيان التأسيسي ل " تجمع القوى الوطنية من أجل فلسطين " الصادر بمصر مؤخرا ، وأسماء القوى المشاركة فيه ، ما يؤشر لاحتمالات واعدة على محور فعالية القوى الشعبية العربية الملتزمة بالمقاومة خيارا استراتيجيا .

وفي ضوء ما سبق بيانه يمكن القول بأن إدعاء أولمرت تغير قواعد اللعبة لصالح التحالف الأمريكي الصهيوني ليس سوى أمنية رغائبية ، أراد بها رفع الروح المعنوية للصهاينة الذين فوجئوا بالأداء العربي المقاوم ، كما التأثير سلبيا في التجاوب الشعبي العربي مع إبداع ابطال عمليتي "الوهم المتبدد " و"الوعد الصادق" . وفي ارتباك الإعلام الصهيوني ، وخطاب أولمرت الانفعالي في الكنيست برهان ساطع . 

 
 

 

 
  Back to top