hd    
 

 

Almasri Al-Youm


٢/٨/٢٠٠٦ صفحة ٤ قضايا ساخنـــــة

الكاتب اللبناني معن بشور يكتب لـالمصري اليوم: هـــــــل بدأ أفــــول العصر الصهيـــــوني؟ 



في إطار حرص المصري اليوم علي دعم مساحات الرأي والتحليل بأقلام مصرية وعربية بارزة.. يبدأ الكاتب اللبناني الكبير معن بشور الكتابة بمقال أسبوعي، وبشور هو أحد أشهر القوميين العرب، ومنسق الحملة الأهلية لنصرة فلسطين والعراق.. معن بشور يؤمن بمبدأ المقاومة، وأعلن صراحة أنها الطريق الوحيد أمام العراقيين للوحدة واستعادة السيطرة علي مقدراتهم.

بعد عمليتي الوهم المتبدد في غزة، والوعد الصادق علي الحدود بين لبنان وفلسطين المحتلة، تصاعد النقاش حول ما إذا كان الارتباك الإسرائيلي في مواجهة المقاومة في فلسطين وغزة، تعبيراً عن قصور استراتيجي يطال بنية الدولة العبرية والمشروع الصهيوني أم أنه خلل تكتيكي وتنظيمي أصاب المؤسسات العسكرية الصهيونية.
وكلما طال أمد المواجهة واشتدت الهمجية الدموية الصهيونية بحق المدنيين الأبرياء في غزة ولبنان، وآخرها مجزرة قانا ـ ٢ ـ وظهر عجز جيش الدفاع عن التقدم كيلو مترات قليلة خصوصاً في مناطق بنت جبيل ـ مارون الراس ـ عيترون، بدأ الحديث عن ترهل بنيوي لا يقتصر علي مؤسسات الدولة وأجهزتها فقط بل يطال المشروع ذاته الذي يخسر مع الوقت خصائصه وركائزه.
المتحدثون عن هذا الترهل يعتبرون أن للمشروع الصهيوني خصائص ثلاثاً، من الصعب الحديث عنها دون الإشارة إليها، بالإضافة إلي الاحتضان الغربي لها والتي تشكل عمقه الاستراتيجي الدائم.
أولي خصائص العقيدة الصهيونية ما هو معروف بأرض الميعاد، أو بالشعار الذي يتصدر المشروع الصهيوني أرضك يا إسرائيل من الفرات إلي النيل أو بشكل أدق ما كان يسمي بإسرائيل الكبري.
لقد اهتز هذا الركن الرئيسي في العقيدة الصهيونية منذ أن بدأ الانسحاب من أراض عربية وفلسطينية محتلة، بما في ذلك تفكيك مستوطنات في سيناء وغزة والضفة الغربية وجاء الجدار الفاصل الذي أقامته حكومة تل أبيب ليشير بوضوح إلي انكفاء تاريخي للدولة الصهيونية إلي جزء من فلسطين بعد أن كان الطموح هو وضع اليد علي فلسطين كلها، واستخدامها كمنطلق لسوق شرق أوسطية مفتوحة أمام الرساميل والسلع والمشاريع الإسرائيلية، كما كتب شيمون بيريز أحد الآباء المؤسسين في الكيان الصهيوني بعد اتفاقية أوسلو ١٩٩٣.
وهكذا تراجعت فكرة المشروع التوسعي المفتوح، علي مصراعيه أمام منطق القلعة المغلقة الذي فرضه واقع الانتفاضة في فلسطين والمقاومة في لبنان، تماماً كما تراجعت العقيدة أمام السياسة، والطموح العقائدي أمام ضرورات الأمن.
أما الركن الثاني في هذه العقيدة فهو فكرة صفاء الهوية اليهودية للدولة الصهيونية والتي وفق قانون العودة تسمح لكل يهودي في العالم أن يحمل الجنسية الإسرائيلية والتي حاولت ولا تزال تهجير السكان الأصليين من أهل فلسطين من بلادهم عبر المجازر وغيرها من وسائل الإبعاد والإقصاء.
ولقد اصطدم هذا الركن بالحاجز الديموغرافي والنسبة المرتفعة للنمو السكاني بين الأقلية العربية المرشحة للتزايد بسرعة، فبدأت الأحزاب الصهيونية تتسابق علي الصوت العربي، قبل أن يتجه هذا الصوت نحو الأحزاب العربية بشكل عام، وبدأ صهاينة معروفون بتشددهم كأولمرت رئيس حكومة تل أبيب، والليكودي المنشأ، يتحدث أمام الكنيست الصهيوني في الأيام الأولي للحرب علي لبنان، عن دولة يتعايش فيها بالإضافة إلي اليهود مسلمون ونصاري ودروز وشركس، وهو يشير بذلك إلي بدء التراجع عن فكرة النقاء اليهودي للدولة الصهيونية والاعتراف بمواطنين من انتماءات أخري ربما بمواجهة النموذج اللبناني الذي جسد فكرة العيش المشترك بين أديان ومذاهب في دولة واحدة.
وهذا القبول بالانتماءات الأخري ستكون له حتماً عواقبه علي المشروع الصهيوني حين يطالب هؤلاء بالمساواة الكاملة، وبالحقوق المسلوبة منهم، وحين يسمح لهم النمو الديمغرافي بأن يتحولوا إلي قوة فاعلة داخل مجتمع تتزايد به حالة الانشطار علي أسس عرقية وجهوية وحضارية بين مكوناته اليهودية التي باتت تعبر عن نفسها بأحزاب متنازعة ومتنوعة، بل عن حال من التشظي الحزبي السياسي لم يعد معه سهلاً تحقيق الاستقرار السياسي ذاته كما كان في الأيام الأولي لقيام الدولة.
أما الركن الثالث في المشروع الصهيوني فهو الهجرة التي لا تزدهر إلا في حال توفر الأمن.. ثم الأمن.. ثم الأمن.
في هذه المسألة بدأ الصهاينة يشعرون أنه منذ انتفاضة الأقصي ٢٠٠٠ بدأ أمنهم الداخلي يهتز، بعد أن كان أمنهم الخارجي قد اهتز فعلاً بعد اندحار جيشهم المحتل من جنوب لبنان علي يد المقاومة اللبنانية عام ٢٠٠٠ وقبلها علي يد الجيشين المصري والسوري في حرب تشرين ١٩٧٣ وبينهما الصواريخ العراقية التي سقطت في العمق الإسرائيلي في مطلع عام ١٩٩١.
فالعمليات الاستشهادية داخل ما يسمي بالخط الأخضر تركت في المجتمع الصهيوني ندوباً وقلقاً وتساؤلات عميقة حول مستقبل الكيان ذاته وقدرته علي الصمود، وهو الأمر الذي أدي إلي تزايد الهجرة داخل الدولة العبرية، كما أدي إلي تناقص ملحوظ في الهجرة إليها.
وعلي الرغم من كل المقويات الخارجية، خصوصاً تلك التي جاءت من واشنطن بعد أحداث ١١ سبتمبر المأساوية، ومع كل محاولات التجميل التي حاولت الرباعية وخارطة الطريق أن تضفيها علي تعنت شارون وخليفته أولمرت، فإن النهج الصهيوني العدائي بقي يتحرك ككل نهج فاشي متطرف، بين غلو في التشدد إزاء الحلول السياسية، وبين مغالاة في الرعب من عمليات تقوم بها المقاومة فلا يجد سبيلاً للتحرك إلا عبر العنف ثم الإفراط في العنف ثم الإفراط المبالغ في العنف فيزداد أمنه اهتزازاً ومواطنوه قلقاً ومجتمعه تصدعاً.
وإذا كان المشروع الصهيوني قد وجد في الجدار الأمني الفاصل بين فلسطين وفلسطين ملاذاً أمنياً بوجه العمليات الاستشهادية التي لم توقفها إلا اتفاقات التهدئة فلقد جاءت صواريخ المقاومة اللبنانية التي وصلت حتي الآن إلي أعماق الكيان الصهيوني والمرشحة لأن تصل إلي ما هو أبعد من حيفا والعفولة وطبريا وصفد، لتظهر أن هذا الجدار ما هو إلا وهم متبدد وأن الأمن الصهيوني سيبقي مهدداً سواء من الشمال أو من الجنوب ودائماً من القلب أي من الضفة الغربية ذاتها.
وبعد أن ظن الصهاينة أنهم قد نجحوا بالاتفاقات التي عقدوها مع مصر والأردن ومنظمة التحرير وبفك الارتباط مع سوريا، في ضمان أمنهم أي في ضمان تدفق الهجرة إلي كيانهم وجدوا أن الرياح لا تجري كما تشتهي سفنهم، فوقعوا في سلسلة من الأخطاء والخطايا في فلسطين ولبنان ساهمت في تقوية المقاومة بدل إضعافها، وفي اهتزاز الأمن وارتباك الهجرة بدلاً من إقامة دولة آمنة جاذبة ليهود العالم.
وبعد أن كان يقال إن إسرائيل جيش له دولة بدلاً من أن تكون، كما هو الحال في سائر دول العالم، دولة لها جيش وجدت الدولة الصهيونية نفسها مع حرب لبنان تبتعد تدريجياً عن جيشها، وتتنصل من فشله، وتضطر واجهتها الحكومية المدنية رئيس الحكومة، وزير الدفاع، وزيرة الخارجية إلي أن تجد نفسها في مواجهة يومية مع قيادتها العسكرية فترفض خيارات تقدمها، وتتبرم من قصور وتقصير في أجهزتها وألويتها، بما فيها ألوية النخبة وبدا التضامن الذي أبداه المواطنون الإسرائيليون، الموزعون بين الملاجئ ومطار تل أبيب والطرقات الموصلة إلي إيلات في أقصي الجنوب، يتحول إلي تضامن فولكلوري شكلي لا يخلو من ضيق ونزق وتوتر.
هنا إذن بدأ الركن الثالث بالتصدع، جيش مرتبك أمن مهتز، وهجرة من الخارج متعثرة.
يبقي الدعم الخارجي بكل أشكاله، والذي لا نستطيع الحديث عن الدولة العبرية دون الحديث عنه سواء كان دعماً مالياً وعسكرياً أو كان غطاء سياسياً وإعلامياً ودبلوماسياً، بل إنه الدعم الذي لا يتورع عن تبرير أبشع جرائم تل أبيب ومنع إدامتها، وحتي لو أقاموا جسوراً جوية من الاسناد العسكري، كما حصل إبان حرب تشرين ١٩٧٣ وكما يحصل اليوم في الحرب الإسرائيلية علي لبنان، حيث انكشف فقر المخزون العسكري لتل أبيب حتي في مواجهة منظمة شعبية للمقاومة كحزب الله.
في الحرب الإسرائيلية علي لبنان، أو الحرب السادسة كما يحب البعض تسميتها، بات هذا الدعم مهتزاً، بل بات الداعم الرئيسي للدولة العبرية، أي واشنطن، محرجاً شديد الإحراج إزاء جرائم تل أبيب بل فاقداً للسيطرة حتي علي حلفائه وأصدقائه كما بدا في اجتماع روما الذي اختارت واشنطن المشاركة فيه من بين أقرب الحلفاء والأصدقاء ولكنها وجدت نفسها في مواجهتهم لدي الحديث عن وقف إطلاق النار في لبنان.
فعدا التظاهرات والتحركات التي طالت كل مدن العالم وعواصمه، وعدا نتائج استطلاعات الرأي في البلدان المعروفة تاريخياً بتعاطف شعوبها مع العدو الصهيوني بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية حيث الحنق العالمي من الإجرام الصهيوني يتزايد، فإن ما واجهته وزيرة خارجية الولايات المتحدة الأمريكية كذلك في اجتماع رابطة دول أسيان في كوالالمبور من أصوات مرتفعة داعية لوقف النار أظهر مدي انحسار الدعم العالمي للحرب الصهيونية كما للغطاء الأمريكي لها.
لقد وصلت ذروة الإحراج الأمريكي مع مجزرة قانا ـ ٢ ـ بعد ساعات علي وصول رايس إلي تل أبيب فلم تجد رئيسة الدبلوماسية الأمريكية مفراً من أن تعلن أنه قد حان الوقت لإنهاء القتال في لبنان، فيما حليفها الاستراتيجي يطالب بمهلة ما بين ١٠ و١٥ يوماً بل لم تغادر تل أبيب قبل الحصول علي وقف مؤقت وجزئي للغارات الجوية من أجل التخفيف من وطأة الضغوط الدولية المتصاعدة.
فهل نستطيع القول إن الدولة العبرية ستحظي بعد الحرب علي لبنان وفلسطين بالدعم ذاته الذي كانت تحظي به قبل هذه الحرب؟، بل هل يستطيع يهود العالم الذين هلل معظمهم في السابق لقوة دولتهم في وجه العرب مجتمعين مسترجعين القصة التوراتية عن المواجهة بين داوود الصغير وغوليات الكبير، أن يتحملوا جرائم الدولة العنصرية التي تذكر بجرائم هتلر بحق اليهود حسب قول الرئيس الفنزويلي شافيز خلال زيارته الأخيرة لقطر؟.
لقد تبدلت الأدوار فإذا بداوود الصغير يتجسد اليوم في المئات من رجال المقاومة اللبنانية والفلسطينية الباسلة، بينما الكيان الصهيوني المدجج بأحدث وأقوي وأخطر ترسانة عسكرية في المنطقة يتحول هو الآخر إلي غوليات.
الضحية القديمة باتت جلاداً، واللبنانيون والفلسطينيون باتوا ضحاياه المتجددين فهل يستطيع المشروع الصهيوني أن يصمد أمام كل هذه التحولات لاسيما مع التعثر الواضح لرديفه المتمثل بالمشروع الأمريكي في العراق.
هل بدأ الترهل والوهن يصيبان المشروع الأسطورة والكيان الذي لا يقهر.. وماذا بعد الترهل والوهن غير الشيخوخة..
وماذا بعد الشيخوخة؟!

 
 

 
  Back to top