hd    
 

إن كانوا يدرون بالقنابل السائلة فالمصيبة أعظم

محمد عارف 

مستشار في العلوم والتكنولوجيا

في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 سارعت منظمات علمية عربية عدّة إلى إرسال برقيات تعازٍ ومواساة إلى مثيلاتها الأميركية. وأشارت رسالة، ساهمتُ بكتابتها مع عدد من أبرز العلماء العرب إلى مسؤولية العلماء والمهندسين عن نتائج أعمالهم. وجاء في الرسالة أن استخدام تكنولوجيا الطيران في الهجوم الانتحاري بطائرتي ركاب لتدمير ناطحتي سحاب في نيويورك، وتوزيع رسائل بريدية تحمل عُصيّات الجمرة الخبيثة، التي قد تبيد آلاف الناس، يقدمان أمثلة عن المفارقة المؤلمة بين تقدم العلوم وتدهور دور العلماء في التأثير على السياسات العامة للدول والرأي العام. الكوارث التي نجمت عن الأسلحة النووية والكيماوية، أو عن ما يُسمى "الجنون البقري"، أو خطر تراكم غازات الدفيئة في جو الكرة الأرضية تبرهن على أن استخدامات العلوم والتكنولوجيا أخطر من أن تُترك، ليس للإرهابيين فقط، بل أيضاً للسياسيين والجنرالات ورجال الأعمال. 

واليوم مع اقتراب الذكرى الخامسة لمأساة 11 سبتمبر هل هناك مفارقة أكثر مدعاة للسخرية من الإعلان عن مخطط مزعوم لاستخدام "قنابل سائلة" لتفجير 10 طائرات متجهة من لندن إلى المطارات الأميركية؟ تكنولوجيا "المتفجرات السائلة" التي زعمت مصادر الشرطة البريطانية أن المتآمرين خططوا لاستخدامها قديمة ِقدم أصابع الديناميت. وتدّعي هذه المصادر أن السوائل المتفجرة سهلة الحمل كمشروبات في قنانٍ إلى قمرة الطائرة، حيث يتم مزجها لإنتاج القنبلة موقعياً أثناء تحليقها في الجو. ويُستخدم الهاتف الجوال، أو المسجل الموسيقي، كجهاز تفجير. ولا تثير هذه المكوّنات الاعتيادية شكوك المسؤولين عن رصد المسافرين، ولا تكشف عنها أجهزة الأشعة السينية، ورصد المعادن المستخدمة في المطارات. 

عدد المعتقلين بتهمة التآمر 24 شخصاً، معظمهم شباب بريطانيون من أصل باكستاني. وإذا لم تكن المخابرات البريطانية والأميركية تدري بتكنولوجيا "القنابل السائلة" قبل اكتشاف مخطط الباكستانيين المزعوم فتلك مصيبة، وإذا كانت تدري فالمصيبة أعظم. والاحتمال الثاني أقرب للتصديق، وهذا سبب التشكيك بالمؤامرة حال الإعلان عنها. أشار إلى ذلك الأكاديمي الأميركي بول كروغمان في مقالته الأسبوعية في صحيفة "النيويورك تايمس" حيث تحدث عن شكوك حول توقيت الإعلان عن المؤامرة، ونقل عن قناة التلفزيون "إن بي سي" أن البريطانيين كانوا يريدون التريث كي يستكمل المتآمرون خطتهم، لكن واشنطن ضغطت بشدة من أجل الإعلان المبكر عنها. والمُرّجح أن انتخابات نصف أعضاء الكونغرس في نوفمبر المقبل قد تكون سبب الاستعجال في الإعلان عن المؤامرة، حتى قبل أن يحصل بعض القائمين بها على جوازات سفر. واستعاد كروغمان أحداث 11 سبتمبر ملاحظاً "نحن نعلم الآن أن إدارة بوش وحلفائها في الكونغرس لم يكونوا يعتبرون خطر الإرهاب مشكلة تحتاج إلى حل، بل فرصة سياسية ينبغي أن تُستغل". وكشفت "نيويورك تايمس" في افتتاحيتها حول الموضوع أن المسؤولين كانوا يناقشون منذ فترة هذا الضعف الأمني، لكنهم لم يفعلوا شيئاً لتطوير ونشر تكنولوجيا تكافحه داخل المطارات. 

ولم تصدر حتى الآن تقديرات للخسارة المترتبة على الإعلان عن المؤامرة المزعومة. فالإجراءات الأمنية الجديدة شلّت حركة الطيران في مطار "هيثرو"، الذي يمر عبره يومياً نحو 200 ألف مسافر. وبعد أسبوع من الإعلان عن المؤامرة خفضت درجة الخطر من "حرج" إلى "حاد"، ويعني هذا، حسب مصادر وزارة الداخلية أن خطر وقوع هجمات "ممكن بشكل كبير" لكنه لم يعد "وشيكا". وبموجب تغيير درجة الخطر، سيُسمح للمسافرين باصطحاب حقائب يدوية صغيرة وحمل هواتف جوالة وأجهزة كومبيوتر نقالة، على أن تخضع للفحص الإشعاعي، وسيستمر إلى وقت غير معلوم فرض قيود أخرى، كالحظر على جميع السوائل والجيلي، التي تشمل أدوات الزينة النسائية، وتُستثنى من ذلك الأدوية، وغذاء الأطفال الرضع. وتؤخر هذه القيود حركة الطيران وتؤدي إلى إلغاء رحلات كثيرة، حيث بلغ عددها أول أمس بالنسبة لـ"الخطوط الجوية البريطانية" فقط 41 رحلة من "هيثرو"، و11 من مطار "غاتويك". وتحدثت صحيفة "الغارديان" عن مسافرين تحت المطر خارج قاعة المطار ينتظرون في خيام مرتجلة منذ 3 أيام طائرات تقّلّهم، وذكرت أن "هيثرو" تحول إلى منطقة قتال، "حيث يتزاحم المسافرون على مواقع في صف الانتظار، ويتدافعون بعربات الحقائب، ويتشاتمون ويتصايحون". ونقلت الصحيفة عن مسافر قوله أن الإرهابيين لن يحتاجوا الآن إلى المغامرة بحمل قنابل إلى الطائرات، فالحشود التي تنتظر دورها خارج المنطقة الأمنية أسهل هدف لتفجير القنابل والقتل بالجملة. وعلّق مسافر آخر على منظر مئات القناني، التي أجبر المسافرون على رميها في سلال المهملات بأنها ستقوض مطار "هيثرو"، لو كانت تحتوي فعلاً على سوائل متفجرة. 

وشهد "هيثرو" انفجارات من نوع آخر بين شركة إدارة المطارات البريطانية "بي أي أي"، وشركات الخطوط الجوية، التي هدّدت بإقامة دعاوي للتعويض عن خسائرها الفادحة. وقال رئيس "الخطوط البريطانية" أن "خمس سنوات مرّت على 11 سبتمبر، ويُفترض أن تكون "بي أي أي" متهيأة لحالات الطوارئ". وهذه المهزلة الأمنية من "المنجزات التأريخية" لمارغريت ثاتشر، رئيسة الوزراء البريطانية السابقة، التي خصخصت "بي أي أي" وانتقلت ملكيتها إلى شركات همّها الأساسي الربح. وظهر رد الفعل أخيراً في الولايات المتحدة، حيث أعلن وزير الأمن الداخلي عن عزمه على أن يتولى موظفو وزارته التحقق من المسافرين في نقاط التفتيش في المطارات بدلاًَ من المقاولين.

وليس هناك أشنع من تحميل جورج بوش "المسلمين الفاشست" مسؤولية ما يجري سوى ادّعاء شريكه توني بلير أن لا علاقة لما يحدث بموضوع غزو العراق. هذا الادّعاء يناقض حتى تقارير المحللين في وزراة الخارجية البريطانية، و"المعهد الملكي للشؤون الدولية"، والتي أكدت على أن مشاركة بريطانيا في الحرب ضد العراق أثارت غضب المسلمين حول العالم، وعرّضتها لخطر الهجمات الارهابية. وأكد استقصاء للرأي العام في أعقاب تفجيرات قطارات الأنفاق في 7 يوليو من العام الماضي أن 85 في المائة من البريطانيين يعتقدون بأن حرب العراق كانت إحدى الأسباب وراء التفجيرات.

لقد أحيا بلير بمشاركته في حرب العراق تراث جرائم بريطانيا العظمى في فلسطين والعراق ومصر والسودان والأردن وإيران والباكستان وكشمير وماليزيا. وفاتت على بريطانيا فرصة لا تُعوّض للتبرؤ من الماضي الأسود حين خرج نحو مليوني شخص في لندن إلى الشوارع متظاهرين ضد الحرب على العراق. ولا أنسى شخصياً حشود الباكستانيين، الذين يشكلون أكبر الجاليات المسلمة في بريطانيا يسيرون خلف زعمائهم المسنين، بلحاهم المصبوغة بالحناء، وسراويلهم التقليدية، يتظاهرون لأول مرة في حياتهم مع أطفالهم ونسائهم المحجبات. منظر غابة الشعارات والرايات خلفهم على مدى البصر، وقرع الطبول وأغاني السلام والتضامن مع العراق وفلسطين ألهمتني آنذاك أن أكتب في هذه الصفحة "سيبتكر ملايين الناس، وفي مقدمتهم العرب والمسلمون وسائل أخرى للتعبير عن الرأي لو اندلعت هذه الحرب القذرة.. وستحرق الطبخة الطباخين".

http://www.wajhat.ae/details.php?id=21840&journal=2006-08-17&active=1

العدد 21840 بتاريخ 2006-08-17
www.wajhat.com 

مؤسسة الإمارات للإعلام 
www.emi.ae

 
 

 
  Back to top