hd    
 

الصراع العربي الإسرائيلي وشرط الديمقراطية 

محمد علي جادين 

18 August 2006

العدوان الاسرائيلي الجاري منذ اكثر من ثلاثة اسابيع على لبنان الشقيقة هو استمرار للمواجهات العسكرية والسياسية العربية الاسرائيلية منذ حرب 1948م التي فرضت وجود الكيان الاسرائيلي في المنطقة على حساب الشعب الفلسطيني بمساعدة مباشرة من قوى الاستعمار العالمي بقيادة بريطانيا وهذه المواجهات لن تنتهي الا بمواجهة المشكلة الاساس وهي حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره واقامة دولته المستقلة على ارضه الوطنية ويشمل ذلك حق اللاجئين في العودة الى ديارهم المغتصبة والتعويض العادل عن خسائرهم المادية والمعنوية. 

ومايجري الآن في الاراضي الفلسطينية ولبنان هو عدوان اسرائيلي بربري يجد دعم ومساندة الادارة الامريكية وبريطانيا بشكل خاص وذلك بهدف ارهاب الانظمة العربية والقضاء على حركة المقاومة العربية وتحطيم قدرات لبنان والسلطة الفلسطينية ومن ثم اجبار الانظمة العربية على قبول تسوية مذلة للصراع العربي - الاسرائيلي وفرض الهيمنة الامريكية الاسرائيلية على المنطقة ويساعدهما في ذلك تدهور الوضع العربي وعجز النظام الاقليمي العربي عن القيام باي دور ايجابي معاكس اضافة الى سيطرة القطب الامريكي الاوحد على مسرح السياسة الدولية واحتكاره لادارة الصراع العربي - الاسرائيلي منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي اي منذ اتفاق كامب ديفيد في 1979م وبالتالي ابعاد القوى الكبرى الاخرى عن التدخل في تطوراته. 

هزيمة الانظمة العربية في كافة المواجهات السابقة طوال الخمسين عاما الماضية يشير الي قصور وعجز هيكلي في تركيبة القوى والانظمة التي تولت قيادتها، ويشمل ذلك القوى والانظمة التقليدية وقوى التغيير والتقدم التي طرحت نفسها كبديل لهذه القوى وانظمتها منذ بداية خمسينيات القرن الماضي. 

وفشل هذه القوى الاخيرة وانظمتها (الوطنية والقومية التقدمية) في معاركها مع دولة الكيان الصهيوني، طوال العقود الماضية، يشكل احد العوامل الاساس لنمو واتساع حركات الاسلام السياسي في المنطقة وظهور حركات المقاومة المرتبطة بها منذ ثمانينيات القرن الماضي، من ضمنها حزب الله في لبنان وحركة حماس في فلسطين. 

وفي هذا الاطار يمكن القول ان حسم هذا الصراع لمصلحة قوى النهضة العربية يتطلب التركيز على عاملين مهمين هما: تقوية وتطوير بنية الدول العربية والتأثير الفعال في توازن القوى الدولي في اتجاه تفعيل دور القوى الكبرى الاخرى واضعاف السيطرة الامريكية على المسرح العالمي. 

وبما ان العامل الثاني سينتهي حتما مع نمو وتطور القوى الاخرى، فان العامل الاول يصبح هو العامل الاكثر اهمية والحاحا ونقطة الضعف الاساس في بنية الدول العربية، كما هو واضح، تتمثل في فشل القوى التقليدية والحديثة، على السواء، في بناء انظمة ديمقراطية هي الوحيدة القادرة على تنمية المجتمعات العربية وتطويرها- فالدرس الاساس الذي اكده انهيار المعسكر الاشتراكي السابق وفشل الانظمة الوطنية والقومية التقدمية في احداث تنمية اقتصادية - اجتماعية حقيقية وفي مواجهة العدوان الاسرائيلي، الدرس الاساس في كل ذلك يتمثل في الارتباط الجدلي بين الديمقراطية والتنمية والحرية وقوة الدولة ككيان سياسي اقتصادي. اذ بالرغم من الانجازات الكبيرة التي حققتها التجارب الناصرية والبعثية والاشتراكية والقومية وغيرها في مجالات البناء الاقتصادي الاجتماعي وبناء جيوش قوية لمواجهة اسرائيل الا انه فرض انظمة استبدادية بحجة مواجهة اسرائيل وقضايا البناء الوطني، كما حدث في مصر والعراق وسوريا والجزائر واليمن وليبيا والسودان وغيرها، الا ان ذلك ساهم بفعالية في قتل روح الشعوب العربية وابعادها عن المشاركة في تقرير مصيرها وساهم بشكل خاص، في اضعاف هذه الانظمة وانهزامها امام اسرائيل والقوى الدولية المساندة لها. 

غياب الديمقراطية اذن هو الذي ادى الى الاخفاقات الكبرى والنكسات القاتلة التي تعرضت لها قوى التغيير والتقدم في المنطقة العربية بكافة تياراتها: الناصرية والبعثية والقومية والماركسية والوطنية وهذه الاخفاقات ظلت تشكل العامل الرئيس في نمو حركات الاسلام السياسي في المنطقة وفي مقدمتها حزب الله وحركة حماس وايا كان تقديرنا وموقفنا من هذه الحركات فانه لايمكن التخلف عن دعمها ومساندتها في مواجهتها الفعالة في المعركة الجارية الآن في فلسطين ولبنان ولكن يجب ان يتم ذلك بوعي كامل وعيون مفتوحة على تجاربنا السابقة ودروسها المهمة. 

وهنا يبدو ان اهم دروس التجارب السابقة يتمثل في عدم التخلي عن شرط تنمية الوعي الديمقراطي، بحكم ارتباط المواجهة مع اسرائيل بقضية النهضة العربية العامة وهذا يتطلب من قيادات حركات الاسلام السياسي وقوى التغيير والتقدم، على السواء، الالتزام بهذا الشرط وهنا لابد من الاشارة الي تطور ملموس في هذا الاتجاه وسط كافة هذه القيادات رغم بطئه ومحدوديته وخاصة وسط قيادات حركات الاسلام السياسي ومع ان حزب الله وحركة حماس قد ابديا تحركا ايجابيا بالمشاركة في الانتخابات اللبنانية والفلسطينية بعد ان كانا يرفضانها في الفترات السابقة فان واقع الحال يشير الى تردد وغموض يفتح الطريق للعودة السريعة من جديد لشعارات وسياسات ثبت فشلها وتصادمها مع حقائق الواقع وتطوراته العاصفة ومع كل ذلك يجب الانتباه الي الحقيقتين التاليتين، الاولى: ان حزب الله ظل يعمل خارج نطاق الدولة اللبنانية لاسباب تاريخية معروفة ومع تقديرنا لحقه كحركة مقاومة، في تحديد اشكال ومواقيت معاركه مع العدو الاسرائيلي، وان مشاركته في الحكومة اللبنانية المنتخبة وتطور العدوان الاسرائيلي الي عدوان شامل، كل ذلك يتطلب التنسيق والتعاون مع الحكومة اللبنانية والقوى السياسية الاخرى، خصوصا في مجالات العمل السياسي والدبلوماسي وفي مرحلة المفاوضات وبرنامج رئيس الوزراء اللبناني الذي طرحه في لقاء روما الاسبوع الماضي يشكل اساسا ملائما لتوحيد الجبهة الداخلية اللبنانية ولبناء جبهة عربية مساندة قوية. 

وتزداد اهمية هذا التوجه مع تراجع امريكا للبحث عن قرار دولي بوقف اطلاق النار تحت ضغط صمود المقاومة ووحدة الشعب اللبناني وضغوط الرأي العام العربي والعالمي حتى داخل اسرائيل وامريكا وبريطانيا. 

والحقيقة الثانية تتمثل في الدعم الواسع الذي يجده حزب الله من سوريا وايران وفي قاعدته الشيعية وارتباطه بنظرية (ولاية الفقيه) الخمينية التي تجعل من المرجع الديني الايراني السلطة الدينية والدنيوية العليا. وذلك بعكس غالبية شيعة العراق مثلا وقد ادى كل ذلك الى ظهور بوادر انقسام وصراع سني - شيعي كما هو واضح في مواقف الدول العربية الاساس ومراجعها السنية وتلك حقيقة لم تعد خافية ولذلك تتطلب حوارا صريحا وواضحا مع قيادة حزب الله يستهدف محاصرة هذا الانقسام وتوحيد الجبهة العربية والاسلامية وتطوير حركات الاسلام السياسي في اتجاه الديمقراطية. 

خلاصة ما تستهدفه هذه المداخلة تتركز في ضرورة دعم ومساندة حركة المقاومة اللبنانية والفلسطينية في معركتها الجارية الآن بكافة اشكال الدعم والمساندة وذلك جنبا لجنب مع التركيز على شرط تنمية الوعي الديمقراطي والمشاركة الشعبية الواسعة، بعيدا عن شعارات (لاصوت يعلو فوق صوت المعركة) اذ ان ذلك يعني عمليا تكرار تجارب ثبت فشلها ومنع المشاركة الواسعة في معركة ممتدة وشاملة مع كيان تسنده الحركة الصهيونية وقوى دولية كبرى، وبالتالي تكريس مناخ القمع والاستبداد وقفل الطريق امام نمو وتطور الوعي الديمقراطي في البلدان العربية وهي شعارات ترحب بها الانظمة الاستبدادية العربية، التقليدية منها والحديثة على السواء، وذلك لانه يتيح لها ركوب موجة الغضب الشعبي على العربدة الاسرائيلية المدعومة من امريكا، دون المساهمة الحقيقية في المعركة الجارية، كما فعلت في التجارب السابقة. وبذلك وحده تفتح الطريق لبروز استراتيجية عربية جديدة تستفيد من تجارب الخمسين عاماً الماضية، بايجابياتها وسلبياتها، وتتوافق مع المتغيرات الدولية والاقليمية العاصفة الجارية في عالم الالفية الثالثة. 

محمد علي جادين 

العدد رقم: 282 2006-08-

http://www.alsudani.info/index.php?type=3&id=2147508456

 
 

 
  Back to top