hd    
 

إقليمية وقطرية حقبة العولمة... صهينة!

د. عادل سمارة

17/9/2006

"ملاحظة"طلبت مني الصديقة عرب لطفي أن أقول كلمة في نقاش حول القطرية الفلسطينية)

ليس من حقي الدهشة حينما اقرأ خطاباً إقليمياً في هذه المرحلة. ففي حقبة السقوط يكون للسقوط صداه. لا شيىء مادي يمر بلا أثر، ولا حدث مادي يذهب بلا مخلفات. ولمن يتجاهلون جوهر العولمة، لأنهم موظفوها وخدمها وسدنتها، نقول بأن من شروط العولمة الأولى تفكيك تذرير المحيط وتركيز المركز، تفكيك المحيط ليس بدعوى إعادة تركيبه قط. وهذا التفكيك والتذرير نتاج صراع مستمر تناقض تناحري بين المركز والمحيط، وأعمق التناقض مع الوطن العربي، وطن النفط والفقر والقمع والدم والدموع. 

لمن لا يعرفون، ويصدون عن المعرفة، فالعولمة مشروع وحش يسمن كل يوم على دماء بشر فقراء يصر على تذر يرهم الأبدي. من هنا، فالعولمة هي رفع "فرق تسد إلى درجة التفكيك والتذرير" التفكيك ليصبح كل شخص كياناً سياسياً مستقلا عن جاره وتابع للمركز. 

تقتضي العولمة، الفتك بسيادة بلدان المحيط، وتحويل كل مدينة إلى دولة مختلفة في الأساس، بل مختلفة فقط مع المدينة المجاورة لها وليس مع لندن أو واشنطن، بل محتمية بلندن وواشنطن، وهما اللتان خلقتاها لتحميانها، كما يربي سيد كلباً. 

لذلك يصر أهل العولمة على أن نرفع شعارات: الأردن أولا، لبنان أولا دبي أولا، فاس أولاً، كركوك أولاً، وفي النهاية، أنا أولاً، وتكون النتيجة كلهن أخيراً بل لا شيء. إن بلادا تابعة وغير صناعية وغير ديمقراطية وغير حرة وغير سيادية، هي أولاً في التبعية والفقر والدمار.

الإقليمية حالة ضعف، واستكانة للضعف، حالة تبعية وانتماء إلى التبعية. حينما تثار مسألة بين سوريا والعراق مثلاً، يستل القطريون سيوف المبارزة، وتبدأ خطب المفاضلة، وإذا ما طرح البعض إسرائيل أو أميركا يكون رد كليهما، هذا أكبر من طاقتنا. إذن فالقطرية قرار تبعية واستسلام مقتنع بما هو فيه، ويبرر التبعية بإطلاقها.

في ظروف الهزيمة وفي مناخ العولمة، أصبح للإقليمية أو القطرية مشروعها الثقافي، أصبحت مشروعا ثقافياً، هدفه النيل من الأمة العربية لتبقى التجزئة وتتعمق. ومن هنا يمكننا فهم لماذا يكتب البعض وخاصة من الجيل الشاب مقالات قطرية الهوى دون أن يشعر ويعي، ولا سيما من يكتبون بالإنجليزية، لأن المشروع التثقيفي الذي صممه المركز الرأسمالي الغربي لوطننا العربي وحملته أحصنة الانجزة (طروادة) هو" :ليست هناك أمة عربية ولا قومية عربية". 

من يقرأ مساقات التعليم في جامعات بريطانيا، يفهم كل شيء، وقد يتحول إلى قومي عربي متعصب. لأن المرء يسأل نفسه: لماذا هم مهتمون هكذا بنفي الأمة العربية؟ ولماذا هم مهتمون هكذا بوصف إسرائيل كأمة وقومية، وبتخزين كل يهود القوميات الأخرى في فلسطين وتسميتهم قوميين يهود. لماذا لا يعيرون القوميات الأخرى في العالم كل هذا الاهتمام؟ وأبعد من هذا، لماذا خلقوا من كرواتيا والبوسنة والهرسك وسلوفينيا...الخ، دولا وأمما وقوميات، ويمنعون ذاك عنا نحن العرب، مع أن المقارنة لصالحنا بلا مواربة. ولا أريد العودة بعيداً لجريمة ستالين الذي "ضنّ" على العرب بقوميتهم، ومنحها للمستوطنين اليهود الذين أقاموا دولة على الدين، وقبل بذلك وهو شيوعي. ولعل الأكثر مدعاة للخزي أن كثيراً من الشيوعيين العرب خانوا الستالينية واحتفظوا منها بالاعتراف بإسرائيل وكل إسرائيل جديدة مشابهة كما فعل بعض أعضاء التجمع في مصر حين زحفوا على بطونهم إلى كردستان العراق.

لعل من المآسي التي خلفها وجود م ت ف هو اختلاق قطرية فلسطينية، حتى في غياب القطر، ولذا، كانت فلسطين حالة صراخ، وصوت دون محتوى مادي، وحيث عجز الكفاح المسلح عن التحرير انتهى من صاغوا سلام راس المال في أحضان عدوهم. فالوطن نفسه في أحضان العدو، وحين تعود القيادة تحت راية العدو فهي ليست في وطنها، هي تحت الاحتلال. 

تدهشني حقاً مفردات الخطاب القطري الفلسطيني، مثل الثقافة الفلسطينية والفكر الفلسطيني والوعي الفلسطيني، والتفكيكية الفلسطينية والابيقورية الفلسطينية والدادية الفلسطينية والماركسية الفلسطينية...الخ، والفلسطينيون الذين يثرثرون بهذا الخطاب، مجرد أناس أتوا بقرار الاحتلال ويقبعون في معدته الوسخة.

يحتاج كل كائن وسطاً يحميه ويقويه، وهذا أيضا شأن الكيانات السياسية. وعليه، حينما نتحدث عن الكيانية الفلسطينية بموجب أوسلو، وهي كيانية قطعت مع الوطن العربي، وتركز يوميا على أن العرب مقصرون وأنهم أساس النكبة...الخ وأن أوراق الحل بيد أميركا "مقولة السادات"، فإن هؤلاء إنما يؤكدون دون مواربة بأنهم يرون عمقهم في الصهيونية.

لذلك، فإن حقبة العولمة هي حقبة الكتل الكبرى، ونحن نحتاج كغيرنا إلى عمق، لذا، فكل تقطيع لأوصالنا العربية هو في الحقيقة غوص في برميل الغائط أي غوص في الخنوع للصهيونية، أي صهينة بدل العوربة.

ليست هذه المقالة استعراضا تاريخيا لموقف العرب من فلسطين. فقبل بضعة أيام وكنت متردداً في الكتابة في هذا الأمر، التقيت شخصاً كان تطوع في لبنان عام 1982، وخلال الحديث ذكر انه كان إلى جانب تونسيين ومغاربة وعراقيين ومصريين...الخ تذكرت حينها الشيخ عز الدين القسام من سوريا، وتذكرت الجنود العرب من مصر والأردن والعراق ولبنان وسوريا، ومتطوعين من مختلف الأصقاع العربية. وقلت، وما الذي يريده هؤلاء الإقليمين الفلسطينيون؟ وكي نتحلى بجرأة البشر (لا أقول الرجال لأن في هذا تقليل من شأن النساء) فحتى أنظمة عربية حاولت أن تفعل شيئاً، فما بالك بالشعب العربي؟ 

ليس خافياً أن ما يقلق الولايات المتحدة هو كيف تقتلع فلسطين من قلب الشعب العربي، كما نجحت الولايات المتحدة وإسرائيل والقطرية الفلسطينية في اقتلاع العروبة من قلب فلسطينيي التسوية والأمركة! هذه هي المعادلة الصعبة لأمريكا والصهيونية. أما معادلتنا الصعبة نحن فهي: كيف نخلص الشعب الفلسطيني ممن يجروه نحو الصهينة، إلى بطن حوت يونس.

قدم العرب تضحيات ومتطوعين، وحتى أرضا احتلت وهم يحاولون تحرير فلسطين. هذا ما استطاعوه، وحتى اليوم يمولون الفلسطينيين بأموال حتى لو حكومية ومتخلفة، فهي أطهر من أموال الأنجزة. ألا يلاحظ أعداء العروبة هنا أن كل تحرك قيادتهم هي في الوسط العربي؟ قد يقول قائل أنظمة سيئة تجرنا نحو التنازلات؟ لا بأس، لماذا تذهبون إليها؟ لماذا تجعلوها شماعة هزائمكم؟ إن أكثر مهاجمي العروبة هم أهل التسوية!

مرة أخرى عن الأنظمة، من الذي مول مدينة زايد هناك، ومستشفى زايد في غزة، من يمكنه تعداد الأموال التي دفعتها السعودية وقطر والكويت والشارقة وليبيا وعراق صدام حسين...الخ وهؤلاء رغم انهم أنظمة لا يريدون سوى سكوتنا! قد يقول البعض هذا للتغطية على سمعتهم. لا بأس، ولكنكم تقبضون من الأنجزة وتنفذون أجندتها بالتطبيع ودعوة الناس لهجران قوميتهم وثقافتهم وتراثهم والتغربن، وهو المستحيل.

ولكن ماذا قدمنا نحن للعرب؟ ببساطة لا شيء. وهم لا يريدون منا شيئاً، هم يقولون، اصمدوا في مكانكم ريثما نتمكن من وصولكم. ومع ذلك يبرز هنا وهناك من يهاجم العرب. لا بل قدمنا للعرب، تنظيم عميل لهذا النظام وآخر لذاك، فوضى في لبنان، وعنجهية في الأردن، وأخيراً قدمنا للعرب اتفاقات أوسلو وطابا وواشنطن وواي ريفر وباريس...والقادم اخطر. قدمنا للعرب كتابات من فلسطينيين يقترحون وحدة فدرالية بين لبنان وسوريا والأردن والكيان. ولم تقترح الولايات المتحدة مشروعا ضد العروبة إلا وكان فلسطينيون من مسوقيه ومروجيه. أما أجهزة المخابرات العربية فتنضح عملاء فلسطينيين.

ما يسمى زوراً بِ القرار المستقل، هو قرار الغوص في بطن الاحتلال، قرار العداء لسوريا، وليس للنظام السوري، لأن رافعي هذا الشعار يريدون سلطة لهم، وعودة لهم وليس سلطة للشعب وعودة للشعب، لذلك حملوا هذا الشعار وهربوا إلى بطن الحوت. وفي أرقى طبعات هذا القرار، فهو صراع برجوازيات قطرية.

شطارة تطبيعية:

التقت مجموعة من المثقفين، وكنت من بينهم، وتحاورت في التطبيع وأصدرت بياناً ضد التطبيع، ووردت في بيانهم ربما جملة واحدة ذكرت القومية العربية. لكن أحد التطبيعيين والمطبعين لم يروقه الأمر، وبالطبع لم يجد لديه الجرأة على إعلان دفاعه عن التطبيع، فانتقى الجملة عن القومية العربية ليهاجم التيار القومي العربي والقومية العربية. وطالما تهرب من هدفه الرئيسي، فلا لزوم لذكر اسمه. لم أجد في مقاله ما يستحق الرد. وجدت أمامي نصا حاقدا على العرب بلغة صهيونية؟ ايها السيد، الكتابة ليست مجرد كلمات، للكلمة محمول، وورائه موقف، يتراوح بين الاستشهاد والخيانة.

ثرثر فلسطينيون وخلطوا قصداً بين الأنظمة والشعب العربي. فلا سلام عليك أيها الخبث المتصهين. طالما تحدثوا عن " الظلم العربي، والقمع العربي" . وتجاهلوا أنه ظلم الأنظمة، وأن هذا الظلم واقع على المواطن العربي قبل الفلسطيني. وهذا ما يحدد المعركة بوضوح. لكن من يتجاهلون هذه الحقيقة، إنما هم موظفون ضد الأمة العربية، موظفون عند أعدائها؟

لولا العمق العربي لكنا هنوداً حمراً، وفي أفضل الأحوال لجرى تهجيرنا إلى وطنهم. وهذا ما يحصل اليوم. تنبهوا مثلا: إن موطن الهنود الحمر الأساسي هو أمريكا الشمالية، فلماذا تمنح الولايات المتحدة وكندا تأشيرات السفر لكل فلسطيني هذه الأيام، ولماذا تقوم إسرائيل بطرد العرب الأميركيين من الضفة والقطاع؟ هذه الفقرة تحديداً موجهة للبسطاء ممن يعملون مع منظمات الانجزة التي تعلمهم كره العروبة والتعالي عليها، وتعلمهم أصول الاتكيت، والتحدث بالأعجمية، وتقبيل راحة يد المرأة زيفا، والقلق في حقوق المثليين...الخ

وكل هذا ليس سوى لعبة جرنا إلى مربعات صغيرة، وعزلنا عن القضايا الرئيسية التي هي تكويننا. وحينما تتفكك الأمور، يكون المشروع الصهيوني قد اصبح مركز الوطن العربي. ألسنا في حقبة صهينة العرب إذن!

 
 

 
  Back to top