hd    
 

نشر حركة القوميين العربنشر حركة القوميين العرب

حقول ألغام : من محاضرة البابا.. إلى محاصرة حماس

الدكتور أحمد ماهر

أريد مختاراً بقدر ما أنا مضطر ـ أن أخوض اليوم في حقل ألغام.. مضطر لأني لا يمكن أن أترك موضوعات خطيرة وهامة تمر من دون أن أتعرض لها بكل الصراحة والأمانة، ومختار لأني أرى في تلك الموضوعات فرصة أود استغلالها للإعراب عن مواقف أراها جديرة بالتسجيل أو إعادة التسجيل، إزاء موجات من الجدل بعضه مبرر وبعضه الآخر مفتعل أو غير مبرر. 
والموضوع الأول هو بلا جدال موقف البابا بنديكت السادس عشر. فقد قرأت أكثر من مرة نص المحاضرة التي ألقاها في الجامعة الألمانية التي درس فيها والتي كان موضوعها الصلة بين العقل والإيمان. وعندما نقول محاضرة فإن المعنى الذي يتبادر إلى الذهن والمستند إلى المنطق هو أنها نتاج بحث متعمق ودراسة متأنية تبحث عن الحقائق وتدققها. ومن هنا فمن الغريب أن نجد في النص الذي ألقاه ونقله الموقع الرسمي للفاتيكان على شبكة الإنترنت فقرتين عن الإسلام يصعب من ناحية المنطق فهم سبب إيرادهما. ولست في حاجة إلى تكرار هاتين الفقرتين وما ورد بهما من أخطاء في الوقائع ومن إساءة تبدو متعمدة لأنها لا يمكن أن تخفى على أي قارئ حتى إذا لم يكن متخصصاً أو مدققاً، ويزداد الأمر خطورة مع وضوح عدم وجود داع منطقي في سياق موضوع المحاضرة للحديث عن الإسلام بالخير أو الشر، لأنه إذا كان المقصود مقارنة المسيحية بالأديان الأخرى فكان من الطبيعي إيراد مقارنة مع الدين اليهودي كذلك. ولست بحاجة إلى أن أقول إنه لو تعرض البابا بنفس الأسلوب إلى الدين اليهودي لانفتحت أبواب جهنم على البابا ولسارع إلى الاعتذار بجميع الألسنة واللغات بدلاً من أن يكتفي بالإعراب عن الأسف عن تفسير المسلمين لأقواله مع أنها لا تحتاج إلى تفسير. وليس من المنطق أن يتنصل البابا من نصوص نقلها عن كتب صفراء ترجع إلى قرون مضت من دون أن يوضح كما هو مفروض ـ رأيه فيها، مما يعني بالمنطق البسيط الموافقة عليها أو على الأقل عدم الاعتراض عليها. 
وأحمد الله أن معشر المسلمين قد قابلوا هذه الإساءة، التي لا شك فيها، بكثير من المنطق والتعقل مع غضب كظموا عنفه، وإن كان البعض للأسف لم يتحملوا الصبر ولم يكن هذا غريباً وإن كنت أرجو ألا يستمر حتى نثبت للبابا عمليا أن ادعاءاته واتهاماته حتى إذا كانت منقولة عن غيره، ولكنه يتحمل مسؤولية إحيائها بغير مقتضى، هي أكاذيب تبدو كما لو كان إيرادها يمثل إيذاء للمشاعر وإثارة الغضب لأسباب أربأ بالبابا أن تكون هي التي حركته. ومن المهم أن أشير هنا إلى أن الكثيرين من المسيحيين ومن الكاثوليك بالذات ـ مؤمنين وقساوسة ورهباناً ـ قد وجدوا أنه من الضروري في دفاعهم عن البابا ونواياه أن يعارضوا في الواقع ما أورده ويتحدثوا عن خطورة انفراده بكتابة خطاباته بنفسه من دون أن يجد وقتاً ـ وسط مشاغله الكثيرة ـ لكي يدقق في الأمور أو يترك غيره يدقق له فيها. 
مرة أخرى أرجو أن يستمر رد الفعل العقلاني على إساءة البابا ـ الذي من المفروض أن يدعو إلى التفاهم والمحبة ـ وألا يتورط بعض المسلمين في أفعال تصب في مؤامرات الإساءة إليهم وإلى دينهم، وفى نفس الوقت يصرون على صدور اعتذار واضح وصريح، مقروناً بحذف الفقرات المسيئة من النص الرسمي للمحاضرة فهي كلمات طائشة لا أعتقد انه يشرف الكنيسة الكاثوليكية أن تكون ضمن وثائقها الرسمية، فالبابا يخطئ مثل كل البشر، ولا ينطبق مبدأ عصمته من الخطأ إلا في أحوال محددة هي تعريف العقيدة المسيحية، أما في ما عدا ذلك فهو مطالب إذا أخطأ بأن يعترف بخطئه ويصححه، خاصة أن الدين المسيحي ـ مثله مثل كل دين ـ يدعو إلى التواضع والاعتراف بالخطأ من دون كبر أو عناد، ورحم الله البابا حنا بولس الثاني الذي كان يؤمن حقا بالحوار بين الحضارات والأديان في إطار الاحترام المتبادل وبروح من المحبة والحرص على المشاعر وعدم المساس بالمقدسات. وفي نفس الوقت فإنه يهمني أن أوجه نداء إلى المسلمين بأن يكونوا حريصين في تصرفاتهم وسلوكياتهم وأقوالهم، وأن يكونوا مخلصين لروح الدين وأن يتجنبوا تصرفات تعطي أعداءهم وأعداء دينهم الفرصة لينشروا الأكاذيب ويستغلوها في أغراض خبيثة تتفق مع مخططات لا تمت إلى الأديان بصلة ولكنها إحياء لأطماع استعمارية مثل تلك الأطماع التي ورثها المحافظون الجدد ـ الذين استولوا على الولايات المتحدة ـ عن عصور غابرة كنا نتصور أنها ولت إلى غير رجعة فإذا بها تبعث أكثر ضراوة وشراسة. ومرة أخرى فأنا أربأ بأي مسيحي، أيا كان مذهبه، أن يقبل مثل هذه الأساليب، وأرحب بموقف الكنيسة الأرثوذكسية حتى إذا كنت أرى أن رد فعلها فيه من الرقة واللين ما كنت أتمنى أن تتخلى عن بعضه في مواجهة هذا الأمر الذي قد يجرنا جميعا إلى مياه عاصفة. 
أما الحقل الثاني فقد سبق أن خضت فيه أكثر من مرة، ولكني لن أمل مخاطرة العودة إليه لأني مقتنع بمثل روماني قديم يقول: إني صديق لقيصر ولكني أكثر صداقة للحق، فأنا اقرب في مواقفي الأيديولوجية من فتح عن قربي لـحماس لأني ممن يرون أن خلط الدين بالسياسة قد يسيء إلى كليهما، ولكني كتبت أكثر من مرة منتقدا مواقف فتح بعد فوز حماس في انتخابات حرة ونزيهة وديمقراطية، وكانت هذه النتيجة نابعة من أخطاء ارتكبتها فتح في المجال الداخلي وفي مجال الإدارة، ونابعة أيضا من مواقف أميركية وإسرائيلية أدت إلى إفشال جهود السلطة الفلسطينية المخلصة من أجل التوصل إلى تسوية عادلة تعيد للفلسطينيين حقوقهم فتضمن بذلك الاستقرار والأمن للجميع. وكان من الصعب على فتح ابتلاع الهزيمة التي منيت بها على الجبهتين الداخلية والخارجية فكان أن تورط بعض أعضائها في مواقف أملتها المرارة وليس الحكمة، فكان أن رفضت فتح تشكيل حكومة وحدة وطنية، وكان أن اتخذت دول كثيرة قرارا ـ بإيعاز من إسرائيل أو نتيجة قراءة خاطئة للموقف ـ بوقف المعونات عن الشعب الفلسطيني الذي عوقب لأنه صدق الدعوات إلى الديمقراطية ولأنه عبر عن ضيقه بأوضاع تؤدي، في أي بلد، إلى تصويت الناخبين ضد الحكومة كتعبير ليس بالضرورة عن الاقتناع بأيديولوجية معينة، بل عن رغبة في توجيه إنذار للجميع بضرورة اتباع أساليب مختلفة. ولذلك كان فرض العقوبات ومحاولة إملاء شروط مسبقة خطأ سياسيا فاحشا وقع فيه البعض، ربما بحسن نية، وشجعه آخرون بسوء نية من لا يريدون حلا. ورغم ما ترتب على ذلك من معاناة للشعب الفلسطيني ومن اضطرابات وإضرابات، فإن استطلاع الرأي الأخير الذي أعلن عنه منذ أيام أوضح أن حماس لم تفقد شعبيتها لدى غالبية الشعب، في نفس الوقت الذي يحظى فيه أبو مازن أيضا بتأييد نسبة كبيرة، ويشير هذا بوضوح إلى رغبة شعبية في تشكيل حكومة وحدة وطنية ذهبت في ما يبدو المباحثات لتشكيلها إلى حد بعيد، وهو أمر محمود ولكنه يحتاج إلى أن تدرك الدول التي تسمح لإسرائيل بالمناورة والمداورة أنه من الخطر وأد الأمل الذي تمثله حكومة وحدة وطنية تقوم على حلول وسط وليس على إملاء شروط مسبقة. 
وأود هنا أن أضيف أنه من الضروري التخلي عن فكرة يتمسك بها البعض، وهي أن منظمة التحرير هي المكلفة بالتفاوض، وأن السلطة الوطنية، وهي مشكلة من الرئيس والحكومة، تبقى بعيدا عنها. ومهما كانت حرفية القانون في هذا الشأن فإن تعيين وزير خارجية فلسطيني يقيم بالخارج ويرفض أوسلو ليس من شأنه تسهيل الأمور، والمطلوب هو مواجهة الواقع والتخلي عن الشروط المسبقة حتي يمكن بدء مسيرة جديدة للسلام من دون مناورات ومزايدات ومحاولات وقيعة، تحقيقا للأمن للجميع في إطار عدالة قد تكون نسبية ولكنها ليست ظلما في ثياب عدالة مزيفة. 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي حركة القوميين العرب
23/9/2006

 
 

 
  Back to top