hd    
 

نشر حركة القوميين العرب

مناسبات ثلاث يحسن الاهتمام بها:


خمسون عاما على العدوان الثلاثي وخمسة وعشرون عاما على صدور القرار 497 بشأن الجولان 
وتسعون عاما على إعلان وعد بلفور 

الدكتور جورج جبور : عضو مجلس الشعب 

أصل هذا المقال تخطيط شخصي للاهتمام بمناسبات آري أنه يحسن الاهتمام بها، وليس سهلا عليّ القيام بها منفردا. التشارك في الاهتمام بها أجدى، إذ قد تنتج عن التشارك تفاعلات فكرية وسياسية ذات أثر. المناسبة الأولى تختص بالذكرى الخمسين للعدوان الثلاثي على مصر، ذلك العدوان الذي ابتدأ في 29/10/1956، واستمرت مفاعيله حتى تم الانسحاب الاسرائيلي من مصر في 8/3/1957، وتموضع قوات الطوارىء الدولية في سيناء. 
بالمختصر المفيد: لم يكن التصدي العربي العسكري للعدوان ناجحا بالمعنى الحرفي للكلمة، رغم أن الإعلام المصري حاول آنذاك تصوير الأمر على نحو آخر. ‏

يمكن للاهتمام بالمناسبة أن يتركز على المحاور التالية التي تقبل الزيادة: 
‏ 
1 ـ المقاومة الشعبية في بور سعيد وفي غيرها من مدن القنال، وهي مقاومة مجيدة والاستمرار في تمجيدها واجب.
2 ـ التجاوب الشعبي العربي العام مع المقاومة ومع مصر. أشعل العدوان المشاعر العربية إزاء العدوان. وكان من نتائج ذلك قيام سورية بقطع أنابيب النفط وما تبع ذلك من اثر مباشر على أوروبا أدى إلى عزل الحكومتين الأوروبيتين المعتديتين. وقد ساهم كل ذلك في النصر الدبلوماسي. ‏ 
3 ـ وتجلى النصر الدبلوماسي في إيقاف العدوان كما تجلى ـ وعلى نحو أهم ـ في الانسحاب الاسرائيلي من الأراضي المصرية المحتلة، رغم أن ذلك الانسحاب إنما أتى نتيجة قبول مصر بتموضع قوات الطوارىء الدولية في أراضيها. كان الانسحاب الاسرائيلي في آذار 1957 الأول من نوعه، وتم بفضل الضغط الأميركي خاصة والدولي عامة. ‏
4 ـ وفي فترة بدء العدوان وقعت مجزرة كفر قاسم، وهي مجزرة عنصرية بكل ما في الكلمة من معنى، قامت بها السلطة الإسرائيلية ضد رعاياها من الفلسطينيين وبدم بارد. وهي مجزرة تعترف بها إسرائيل إذ تبعتها محاكمة إسرائيلية معلنة للمجرمين رغم هشاشة الأحكام التي صدرت. وهي أيضا ذات اثر لا يمحى في أذهان الفلسطينيين الذين يحتفلون بها سنويا. وتفوق مجزرة كفر قاسم، في دلالاتها العنصرية مذبحة شاربفيل في جنوب أفريقيا التي أتت بعدها بأقل من أربع سنوات، والتي خلدها التاريخ بتسمية الأمم المتحدة يوم ارتكابها يوماً عالميا للقضاء على العنصرية.ومن المفيد دائما عق دمقارنات بين مجزرتي كفر قاسم وشاربفيل، لأن الأولي أحق من الثانية بان يسمى يوم ارتكابها يوما عالميا للقضاء على العنصرية والتمييز العنصري. وفي عقد المقارنات لا ينبغي أبدا أن نهمل الحساسية الأفريقية التي ترى أن الأفريقيين هم ضحايا العنصرية الأول في العالم، وهم كذلك فعلا. ولنلاحظ انه في وصف الصهيونية بالعنصرية لابد لنا دائما من التيقظ لكي يكون الأفريقيون إلى جانبنا. ‏ 
قلت أن المحاور السابقة تقبل الزيادة إلا أن الغرض الأساس من ذكر ما سبق انما هو إثارة الاهتمام. وأحب هنا أن أشيد بالصديق الدكتور حسين جمعة، رئيس اتحاد الكتاب العرب بدمشق، الذي خاطبته في آمر الفكرة، فسريعا ما خاطب بشأنها الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب ـ كما قال لي. ‏ 
المناسبة الثانية تختص بمرور /25/ عاما على صدور قرار مجلس الأمن رقم /497/ بشأن ضم الجولان. فكما هو معلوم قامت إسرائيل بإصدار قانون في 14/12/1981 يقضي بتطبيق القانون الاسرائيلي على الأراضي السورية التي احتلت نتيجة عدوان حزيران، وهو قانون يعادل فعليا ضم تلك الأراضي إلى إسرائيل. تلك كانت اخطر خطوة تتخذها إسرائيل في تعاملها مع الأراضي التي احتلتها في حزيران 1967 وهي بالطبع خرق فاضح للقانون الدولي في 19/12/1981 اصدر مجلس الأمن قراره رقم /497/ وبه يطلب إلى إسرائيل إلغاء قرارها المتخذ في 14/12/1981، لكن إسرائيل لاتزال تمانع في تنفيذ ذلك القرار. 
‏ يمكن للاهتمام بهذه المناسبة أن يتركز على المحاور التالية التي تقبل الزيادة: ‏

1 ـ تظل إسرائيل هي المنتهك الأول للقرارات الدولية. وإذا كان انتهاكها للقرارين الشهيرين /242/ و/338/ واضحا، فإن وضوح الانتهاك لذينك القرارين انما تحاول إسرائيل تمويهه بالقول أن القرار /242/ وهو القرار الأساس انما ينبغي تنفيذه بالتفاوض لأنه لابد من الاتفاق على الحدود الآمنة التي إليها يتم الانسحاب. وهذه الحجة باطلة بالطبع فالانسحاب ينبغي أن يكون كاملا على النحو الذي شرحت به الجمعية العامة هذا القرار في قرارات لها لاحقة. ومع ذلك فالقرار /242/ انما يخاطب كل أطراف الصراع العربي ـ الاسرائيلي. أما القرار /338/ فهو صيغة تنفيذية يخاطب أساسا القوتين الأعظم لدى صدوره وهما الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي. يمتاز القرار /497/ عن القرارين السابقين بأنه لا يخاطب إلا إسرائيل، ولا تقع على غيرإسرائيل أية مسؤولية في تنفيذه. إسرائيل وحدها ودون تفاوض هي المكلفة بالتنفيذ.
‏2 ـ ولاريب في أن الاهتمام بانتهاك إسرائيل للقرار /497/ انما يثير كل مسألة الجولان وما احتلته إسرائيل من سورية في عدوان حزيران 1967، وهو بالتالي يتضمن إعادة النظر باتفاقية فصل القوات بين سورية وإسرائيل تلك الاتفاقية التي عقدت في أيار 1974 والتي يتم تمديدها كل ستة أشهر، وبالطبع يسمح المناخ الدولي الذي ساد بعد تحرير جنوب لبنان صيف عام /2000/، والذي ساد بعد عدوان إسرائيل على لبنان في تموز وآب 2006، بمزيد من المعالجة الجدية لموضوع استمرار احتلال إسرائيل لأراض سورية، ولا سيما أن أصوات السوريين ترتفع مطالبة بعمل جاد من أجل التحرير.. وفي هذا الإطار ينبغي أن نشيد بخطوة هامة اتخذها مواطنون سوريون من الجولان أعلنوا منذ أشهر إنشاء الهيئة الشعبية السورية لمقاومة الاحتلال.
‏ 3 ـ حين نذكر العالم بعدم تنفيذ إسرائيل لقرار مجلس الأمن رقم /497/ فإننا في الحقيقة نقدم خدمة للسياسة السورية التي تتحفظ على القرار /1680/ والتي تتحفظ أيضاً على بعض التفسيرات المغرضة للقرارين /1559/ و /1701/. 
‏ ومن الأفكار المطروحة لإظهار الاهتمام عقد ندوة قانونية دولية تنظمها الرابطة السورية للأمم المتحدة بالتعاون مع الهيئة الشعبية لمقاومة الاحتلال، كما أن من الممكن التفكير بعقد ندوة عن القرار /497/ في إحدى قاعات مبنى الأمم المتحدة في نيويورك. وما يذكر هنا أن هيئات صهيونية استطاعت عام 1985 عقد ندوة في ذلك المبنى لبدء حملة هادفة إلى إلغاء قرار الجمعية العامة رقم /3379/ وبه تقرر اعتبار الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية والتمييز العنصري فإذا كانت الأمانة العامة للأمم المتحدة أعطت إذناً لاستعمال قاعة في المبنى لجهد هادف إلى إلغاء قرار، فلماذا لا يستطاع الاعتماد على تلك السابقة لكي تستعمل قاعة في المبنى لجهد هادف إلى الحث على تطبيق قرار اتخذه مجلس الأمن؟ ثم أن من الممكن التفكير في عقد ندوات مماثلة في مقري الأمم المتحدة في جنيف وفي فيينا، ومن المحتم عقد ندوات أخرى في مقر جامعة الدول العربية وفي مقر منظمة المؤتمر الإسلامي، وفي مقر حركة عدم الانحياز الذي كرس مؤخراً في هافانا بكوبا. 
‏ أما المناسبة الثالثة ـ وهي الأكثر طموحاً ـ فتاريخها 2/11/2007 حين يبتدئ العقد العاشر لصدور وعد بلفور في 2/11/1917. فالمطالبة بإلغاء وعد بلفور قديمة ابتدأت منذ صدوره وتبلورت في أول مفاوضات شبه جدية بين الدول العربية وبريطانيا عام 1938، ولا تزال هذه المطالبة مستمرة وان كانت إلى تضاؤل، رغم شرعيتها في القانون الدولي وفي شرعة حقوق الإنسان، إلا أن ما أقترحه هنا ليس رفع شعار المطالبة بإلغاء الوعد، ففي يقيني أن الظروف الراهنة لا تتيح مجالاً لذلك، أقترح هنا أن يكون اهتمامنا بالمناسبة منصباً على الشرطين اللذين وضعا في صلب الوعد واللذين يتم انتهاكهما، الأول هو شرط عدم الإخلال بحقوق سكان فلسطين من غير اليهود ـ حسب الوصف المتجني الذي تبناه الوعد في إشارته للفلسطينيين من غير اليهود ـ والثاني هو شرط عدم التأثير على أحوال اليهود في الدول التي هم مواطنون فيها، أكتب هذين الشرطين من الذاكرة والعودة إلى النص الأصلي أفضل وهي سهلة في كل حال. ‏ 
يرتكز الاقتراح المقدم إذاً على ضرورة تطبيق الشرطين آنفي الذكر، ومن الواضح جداً ان إسرائيل انتهكت الشرط الأول وتستمر في هذا الانتهاك ومن الواضح أيضاً أن إسرائيل تستمر في انتهاك الشرط الثاني حين تصر على أن ولاء اليهود في العالم ينبغي أن يكون لها لا إلى الدول التي هم مواطنون فيها. التركيز على هذين الشرطين يضعف من صدقية التنفيذ العالمي لوعد بلفور، وهو الوعد الذي اكتسب ـ ويا للأسف ـ صدقية دولية بتبني عصبة الأمم ثم الأمم المتحدة له، رغم أنف قواعد القانون الدولي ومبادئ حقوق الإنسان. العودة إلى أصل نص الوعد والى الشرطين اللذين تضمنهما نبين بوضوح مدى مخالفة إسرائيل لأول صك دولي طالب بوجودها. والمحاور التي يمكن لاهتمامنا بالمناسبة أن تتركز عليها كثيرة، ولا فائدة كبرى لنا هنا في تعدادها. بل أكتفي بالقول إنها تضع كل قضية فلسطين أمام نظر دولي جديد في عالم قد لا يكون في حالة اقتراب من تطبيق قواعد القانون الدولي ومبادئ حقوق الإنسان، ولكنه يزداد إصراراً نظرياً على ضرورة ذلك التطبيق. والفكرة الأساس المرجوة من إثارة الاهتمام بوعد بلفور هي أنه لا يجوز ـ ولا بشكل من الأشكال ـ أن يبدأ ! العقد العاشر من الوعد دون أن تكون لدى المفكرين العرب المؤمنين بالحق الفلسطيني ولدى من يؤمن إيمانهم من المفكرين غير العرب خطة محددة للاهتمام تؤدي أو يمكن أن تؤدي إلى نتائج محسوسة في سبيل بلوغ ذلك الحق، كله أو جلّه أو بعضه.
‏ وأذكر في هذا الإطار أنني تداولت مع الدكتور أنيس صايغ، شيخ الباحثين في قضية فلسطين، أثناء زيارته الأخيرة إلى دمشق قبل أسابيع قليلة في أمر الاهتمام بالمناسبة فرحب. بل وقد تداولنا في اسم ثالث قد يهتم بها وهو الصحفي روبرت فيسك، البريطاني المقيم في بيروت والمتحمس للحق الفلسطيني. فما هو الشكل الذي يمكن أن يأخذه الاهتمام؟ ‏
من الممكن أن يأخذ الاهتمام شكل وثيقة بالعربية والإنكليزية والفرنسية تطلق يوم 2/11/2007، تتضمن نص وعد بلفور وتتضمن أيضاً الكيفية التي انتهكت بها إسرائيل الشرطين الواردين فيه. ومن واجب الوثيقة أن تشير إلى مسؤولية بريطانيا الخاصة في متابعة تنفيذ الشرطين، والى مسؤولية الدول الراسخة في التنظيم الدولي وفي السياسة الدولية، والى مسؤولية منظمة الأمم المتحدة التي ورثت الوعد عن عصبة الأمم ونفذته على النحو المعروف. ومن المتصور أن الوثيقة سوف تضم تواقيع أكبر مفكري العالم المهتمين بقضية فلسطين وبالقانون الدولي وبحقوق الإنسان، وما يجاور هذه الحقول. ومن المتصور أيضاً أن يكون في الوثيقة مكان لكل رأي مستقل قد يود أي من المفكرين التعبير عنه. مرة أخرى: لا نهاية للتصورات، والاقتراح مطروح للمناقشة. ولدينا الوقت الكافي لبدء عمل يمتد حتى نهاية العقد العاشر لصدور الوعد في 2/11/2017، والمغزى واضح: تتمتع إسرائيل بوجودها نتيجة استطاعة الصهاينة كسب عقول كبار أقطاب السياسة والفكر في العالم عبر عملية إقناع مستمرة لماذا لا نقوم بعمل مماثل ولدينا الكفاءة الفكرية ولدينا القدرات المادية والمعنوية؟ ولدينا في عملنا ما لم يكن لدى الصهاينة، وهو الحق الساطع؟
‏ أصل هذا المقال، كما ذكرت في أسطره الأولى، تخطيط شخصي للاهتمام بمناسبات أرى أنه يحسن الاهتمام بها، وأرى أنها متميزة. والمناسبات في كل حال كثيرة لا تحصى، ولا ريب أن لدى غيري قائمة مناسبات أخرى وقد يرى أنها تلامس همومنا العربية والإنسانية بأكثر مما تفعل المناسبات التي أدعو إلى الاهتمام بها. ويسرني أن أتحاور مع أي كان عن مناسباته المقترحة. وسيكون من الجميل أن تتوحد الجهود. فإن حصل تفاعل فبها ونعمت، كما يُقال، وإن لم يحصل فقد أفصحت عن مخططي الشخصي. ولن يكون صعباً عليّ أن أهتم منفرداً بالمناسبات الثلاث على الأقل عن طريق إلقاء محاضرات عنها في المركز الثقافي العربي في صافيتا، مدينتي التي أفتخر بأن مركزها كان منبراً ممتازاً لي أطلقت من خلاله عدداً من المبادرات التي رأيتها مفيدة. 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي حركة القوميين العرب

 
 

 
  Back to top