hd    
 

نشر حركة القوميين العرب 

حدود التحرك الشعبي العربي خلال العدوان الإسرائيلي

خالد غزال 

October 2006

شكل العدوان الإسرائيلي على لبنان خلال شهري تموز (يوليو) وآب (أغسطس) كاشفاً للوضع العربي، الرسمي منه والشعبي. ظل الوضع الرسمي محكوماً بنتائج الاتفاقات الموقعة بين إسرائيل ومصر والأردن، وبين الهدنة المستمرة مع سورية، فلم يجر تجاوزها إلى تضامن لو حصل قد كان له أن يغير من طبيعة المعركة الدائرة على الأرض اللبنانية. لكن الحرب على لبنان طرحت بشدة موقع الشعوب العربية وحدود تعبيراتها السياسية والشعبية أمام ما يتعرض له قطر عربي من اجتياح إسرائيلي يدمر بشره وحجره.
بين الخمسينات والسبعينات من القرن الماضي، كانت الاعتداءات الإسرائيلية على أي قطر عربي مبعث تظاهرات حاشدة تضم مئات الآلاف من الجماهير الغاضبة، وكان صداها يطال العالم العربي من المحيط إلى الخليج، ويهز الأنظمة القائمة ويؤثر على المجتمع الدولي. منذ ما قبل الاجتياح الإسرائيلي على لبنان عام 1982 وصولاً إلى العدوان الأخير عام 2006، تبدل المزاج العربي كثيراً وانخفضت وتيرة الاعتراض إلى أدنى مستواها. في العام 1982 صمدت المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية ثلاثة اشهر في مواجهة حصار العاصمة بيروت، لكن الشارع العربي ظل مسمّراً طوال هذه الفترة أمام شاشات التلفزة يتابع دورة الألعاب الرياضية (المونديال)، وحده الشارع الفلسطيني في الأراضي المحتلة تضامن مع لبنان وتظاهر أبناؤه. لم يتغير الوضع جوهرياً بعد 24 عاماً، فجاء العدوان الإسرائيلي هذا العام ليعيد تسليط الضوء مجدداً على الوضع الشعبي العربي في علاقته بالقضية القومية المركزية المتصلة بالصراع العربي - الإسرائيلي.
اختلفت ردات الفعل العربية الشعبية نسبياً خلال العدوان الأخير عن سابقه عام 1982. شهد بعض الأقطار العربية تحركات تمثلت باعتصامات ومذكرات وصولاً إلى تظاهرات. بدأت التحركات خجولة ومحدودة العدد، ثم اتسعت وتصاعدت مع اشتداد وحشية العدوان وارتكاب المجازر في أكثر من مكان ولإمعان في تدمير البنى اللبنانية.
قادت التحركات الأحزاب ذات الخلفية القومية والاشتراكية والأحزاب والتيارات الدينية. توحدت الشعارات تقريباً حول إدانة العدوان وتحميل المعسكر الأميركي والإسرائيلي المسؤولية عنه، ومطالبة الدول العربية دعم المقاومة ولو أدى الأمر إلى إلغاء أو تجميد الاتفاقات الموقعة مع إسرائيل. ذهب بعض القوى إلى الإعلان عن استعداده إرسال متطوعين إلى لبنان لنجدة المقاومة والقتال إلى جانبها. رفع المتظاهرون أعلام حزب الله وصور أمينه العام ودعوا إلى تأييد الحزب.
يثير التحرك الشعبي العربي المحدود بعض الملاحظات والتساؤلات. أظهر أولاً أن الشعب العربي ما يزال يحمل في وجدانه شعوراً معادياً لإسرائيل وينظر إليها بصفتها العدو القومي والديني، وذلك على رغم سياسة الأنظمة العربية المتصالحة معها أو الساعية إلى ذلك. استقبل الشارع العربي صمود حزب الله وقتاله البطولي وما ألحقه من خسائر بالجيش والداخل الإسرائيليين بالفرح والابتهاج. رأى هذا الشارع في الصمود انتصاراً افتقدته الجيوش العربية في حروبها مع إسرائيل، فكانت هذه الحرب انتقاماً وتنفيساً لاحتقان شعبي عربي مديد.
في المقابل، برزت ثانياً، حدود التحركات الشعبية العربية في مدى تأثيرها السياسي وإمكان تغيير وجهة بعض الأنظمة تجاه الصراع العربي - الإسرائيلي. لم تؤد التظاهرات التي شهدتها مصر والأردن إلى زحزحة النظامين عن موقفهما تجاه إسرائيل، سواء في سحب السفراء أو تجميد المعاهدات. كما لم تطرح التظاهرات الصاخبة في سورية شعار فتح جبهة الجولان، فاقتصر الدعم على التأييد الكلامي. اما التظاهرات الكبيرة في اليمن والمغرب، وهي تظاهرات مجازة ومدعومة من السلطة، فقد بدت كتعبير رومانسي، ساعد عليه بعد البلدين عن ساحة المعركة وانعدام كلفة أي تحرك.
بينت الشعارات التي رفعت، ثالثاً، والداعية إلى استمرار المقاومة في القتال المفتوح افتقاد هذه التحركات إلى رؤية المصالح الوطنية اللبنانية ومدى قدرة لبنان على تحمل كلفة حرب مفتوحة بكل ما تعنيه من قتل ودمار. وهو أمر يطرح سؤالاً ما إذا كان هذا الشارع العربي مسـعداً لتحمل كلفة مشابهة فيما لو أدت التطورات إلى أن يكون في حالة مشابهة للحالة اللبنانية.
وعكس التحرك، رابعاً، المآل الذي وصلت إليه حركة التحرر الوطني العربية من ضعف تجلى في وضعية الأحزاب ذات الخلفية القومية والاشتراكية وحدود فعلها الشعبي والسياسي. برزت بوضوح آثار هزائم برنامج هذه الأحزاب وفشله في تحقيق الأهداف التي شكلت عوامل نهضتها وصعودها في الميادين القومية والوطنية والاجتماعية. كما بدت جلية نتائج سياسة الاستبداد العربي الذي مارسته الأنظمة ضد قوى المعارضة اعتقالاً وكبتاً للحريات ومنعاً لحقن ممارسة العمل السياسي وتهجيراً وقتلاً للعديد من الكوادر، مما ولد إنهاكاً لهذه القوى. يضاف إلى هذه العوامل عجز هذه القوى نفسها عن القدرة على تجديد موقعها النضالي في الشارع ومراجعة برامجها السياسية ومفاهيمها الفكرية وإخضاع ممارساتها لعملية نقد ذاتي صريح.
وأظهرت التحركات، خامساً وأخيراً، تقدم التيارات الدينية ونشاطها الملموس واعتبار نفسها وريثة الحركة القومية في حمل أعباء الصراع العربي - الإسرائيلي، مستفيدة من الفراغ الذي ولد بعد الهزائم العربية المتتالية وانخراط الأنظمة في عملية التسوية مع إسرائيل.
بعيداً عن الأوهام التي تولدت لدى البعض عن ولادة حالة ثورية خلال العدوان، فقد ظلت حركة الشارع العربي محدودة الفعل والتأثير، بل ليس مبالغة وصفها بالآنية والظرفية التي سرعان ما تلاشت عند توقف المدافع.

 
 

 
  Back to top