hd    
 

زيارة رايس وجدار المكسيك
ماذا بقي من العولمة و "الشرق الاوسط الكبير" او مأزق "الليبراليين الجدد"

معن بشور

3 October 2006

حين خرج علينا منظرو العولمة قبل حوالي العقدين من الزمن، حاملين وعوداً بعالم خال من الحدود، تنساب فيه المعلومات والرساميل والسلع والاشخاص بسيولة بالغة، متحولاً بفضل ثورة الاتصالات وتقنياتها المتطورة الى قرية الكترونية.
في هذا العالم "المعولم" لن يكون هناك بعد الان حسب نظريتهم- حاجة للحروب والاضطرابات بل انصياع لقطب واحد، لا منافس له، ليقودنا جميعاً ومرتكزاً في قيادته على مفاهيم الحرية وحقوق الانسان التي باتت ترقى الى مرتبة القانون الانساني الدولي الذي يجيز تدخل البشرية في أية دولة تنتهك هذه المبادئ او نظام يسعى الى تجاوزها.
ولم تمرّ سنوات عديدة إلا وبهذه العولمة تصبح، بفعل الحرب على ما يسمى بالارهاب، عولمة امنية حربية "تنساب " معها الاساطيل والجيوش الامريكية في كل مكان بدلاً من الرساميل والسلع والمعلومات، وتنطلق تشريعات تحّد من الحريات العامة والخاصة وتجافي بوضوح حقوق الانسان وتفتح المجال لابشع ممارسات التعذيب والاحتجاز غير القانوني والسجون المخابراتية السريّة في دول كانت "تفاخر" بديمقراطيتها واحترامها لحقوق الانسان.
وفيما كان العالم ينتظر تسهيلات في التبادل التجاري، تتحول العقوبات الاقتصادية ضد الدول والشعوب الى ما يشبه السلاح اليومي بيد واشنطن تشهره في وجه اية دولة ترفض الاذعان لاملاءاتها على نحو لا يشكل نكسة للنظرية الليبرالية في الاقتصاد (وهي جذر فكر العولمة)، بل تشكل ضربة قاصمة للاعلان العالمي لحقوق الانسان الذي يرفض فكرة العقوبات الجماعية ضد شعوب وامم بسبب الموقف من حكام وانظمة.
وفي المنطقة العربية والاسلامية، كان مشروع الشرق الاوسط الجديد الذي طرحه شمعون بيريز، في اوائل التسعينات، هو الترجمة الاقليمية لمشروع العولمة على المستوى الكوني، حيث ظن بيريز انه مع المفاهيم الدولية الجديدة، وفي ظل نتائج حرب الخليج الاولى التي دمرت العراق القوي المنيع عام 1991، وبعد اتفاق اوسلو الشهير مع القيادة الفلسطينية، فان الظروف باتت مهيأة لاطلاق فكرة السوق الشرق اوسطية المفتوحة التي تشكل فيها تل ابيب القيادة الاقليمية، تماماً كما تشكل واشنطن او نيويورك قيادتها العالمية.
فأين نحن اليوم من تلك الاحلام "الطوباوية" التي اطلقتها دول قوية، ونظّر لها مثقفون، ووقعت في حبائلها اوساط وجماعات وحركات؟
لقد اسقطت الانتفاضة الفلسطينية فكرة السوق المفتوحة، لتقيم حكومة تل ابيب بدلاً منها "جدارها العنصري الفاصل" حول كيانها الغاصب، فلا تتنازل بذلك عن طموح "السوق الشرق اوسطية" فحسب، بل لتصيب في العمق احدى الركائز العقائدية للمشروع الصهيوني الذي يعتبر ان "ارض اسرائيل تمتد من الفرات الى النيل".
اما فكرة العولمة ذاتها فاخذت تترنح تحت وطأة احتجاجات جماهيرية وتظاهرات كانت تلاحق انعقاد كل المؤتمرات المتصلة بها، بما في ذلك اجتماعات منظمة التجارة العالمية، من بلد الى اخر، واخذت تواجه تحديات من كل انحاء العالم لم يخفف من حدتها توصيفات الرئيس بوش لبعض الدول بانها "مارقة"، كما لم تنجح في لجمها حروب كبرى شنها البنتاغون في افغانستان والعراق ، لا بل ان هذه الحروب قد زادت من اوضاع الهيمنة الامريكية تعقيداً بفعل المقاومة البطلة في العراق التي جعلت الرئيس الامريكي يعترف قبل ايام ان "مستقبل الولايات المتحدة يتقرر في شوارع بغداد" بعد ان ظن قبل اربع سنوات ان مستقبل العراق والمنطقة بأسرها يتقرر في اروقة البيت الابيض .
وفي الاطار ذاته لم تنجح محاولات انقلابية وتدخلات متعددة، كما جرى في فنزويلا، في ايقاف خط تراجع واشنطن في حديقتها الخلفية في امريكا اللاتينية، خصوصاً وقد تحولت هافانا، معقل الثورة الكوبية الصامدة بوجه حوالي نصف قرن من الحصار والتهديد، الى عاصمة لانبعاث حركة عدم الانحياز من جديد.
كذلك لم تنجح تهديدات ومداخلات في ثني كوريا الشمالية عن مشروعها النووي الحربي ولا في اجبار ايران على وقف مشروعها النووي السلمي.
ولقد وصلت ذروة هذا المأزق الفكري والعملي لمشروع "العولمة" هذا، مع تصميم الادارة الامريكية على بناء جدار فاصل مع جارتها المكسيك لمنع تسلل المكسيكيين الى الولايات المتحدة، وقد باتت عاجزة عن استيعاب مهاجرين جدد في ظل اقتصاد متعثر وقاصر عن حماية "دولاره" الذي خسر ما بين 30 -40% من قيمته، وعن وقف الارتفاع الصاروخي في الدين العام وصل حدود 4 تريليون دولار (اربعة الاف مليار دولار)، وعن الحيلولة دون التصاعد الملحوظ في عجز الموازنة وقد وصل الى حوالي 400 مليار دولار، الذي هو الرقم ذاته التي وصلت اليه النفقات العسكرية الامريكية السنوية وبينها 70 مليار دولار لتمويل العمليات العسكرية سنوياً في العراق وافغانستان.
وكما اعلن جدار "الفصل العنصري" في فلسطين المحتلة وصول المأزق العقائدي والعملي للسوق الشرق اوسطية المفتوحة وللمضمون التوسعي للمشروع الصهيوني الى ذروته الحادة، خصوصاً بعد ان تبين ان هذا الجدار لم يعد يشكل، بعد صواريخ المقاومة اللبنانية، أية ضمانة امنية لسكان المستعمرات والمدن الصهيونية، فان "الجدار الفاصل" مع المكسيك قد شكل ايذاناً باعلان صريح للمأزق الفكري والعملي لنظرية "العولمة" و "السوق العالمية المفتوحة" التي تربكها ايضاً الاجراءات المتشددة التي تتخذها الدول الصناعية الكبرى لمنع تدفق هجرة مواطني الدول الفقيرة لها في تناقض صريح مع احدي ابرز ركائز العولمة وهي تسهيل انتقال الاشخاص بين دول العالم.
لكن الامر لم يتوقف عند هذا الحد، فكما ارتبك مشروع بيريز للشرق الاوسط الجديد امام الانتفاضة الفلسطينية والمقاومة اللبنانية والمواجهة الشعبية العربية للتطبيع، بل وبات صاحبه من وجوه الصف الثاني او الثالث في الطبقة السياسية الاسرائيلية، فان مشروع بوش "للشرق الاوسط الكبير" بات هو الآخر في حال من الارتباك الشديد قبل ان يخبو نجم بوش نفسه، ومعه نجم "المحافظين الجدد" الذين رسموا هذا المشروع واوحوا لبوش انه سيصبح "رسولاً" جديدا للحرية في العالم.
لقد غطى بوش مقاصده الحقيقية من هذا المشروع القائم على الهيمنة الامريكية والسيطرة الصهيونية على دول المنطقة من خارجها وعلى التفتيت الاهلي داخلها، بشعارات جذابة كنشر الديمقراطية والاصلاح والتحديث والمعرفة وتمكين المرأة الخ، وباعتباره انظمة الاستبداد والتخلف والتعصب الديني في المنطقة العربية والاسلامية هي المصدر الرئيسي لما يسميه "بحركات الارهاب"، وبقناعته ان تجفيف المنابع الفكرية والمالية لهذه الحركات لا يتحقق الا بنشر مبادئ الشرق الاوسط الكبير .
وظن كثيرون ان تغييراً جذرياً قد وقع للسياسة الامريكية في المنطقة التي كانت تعتمد في نصف القرن الماضي على ركيزتين رئيسيتين اولهما، وبفارق كبير عن الثانية، الكيان الصهيوني، وثانيهما الانظمة الصديقة لواشنطن، فاذا بها في ظل سياسة المحافظين الجدد، تنحو باتجاه الاستغناء عن هذه الانظمة لتبقي الاعتماد الاساسي على تل ابيب التي سارعت الى استغلال هذا التحول الامريكي لتقوم بعملية ابتزاز ضخمة لتلك الانظمة، وتنتزع منها تنازلات كبرى لم يكن سهلاً انتزاعها في ظروف سابقة.
لكن هذا الاعتماد الوحيد الجانب على الكيان الصهيوني لم يكن ناجحاً، بل انه بات مكشوفاً ومترهلاً بعد الهزيمة الصهيونية في لبنان في الحرب العربية السادسة، مثلما بات هذا الكيان مكشوفاً ومترهلاً في فلسطين المحتلة على يد صمود الشعب الفلسطيني العظيم، رغم كل محاولات الحصار والفتنة الداخلية، وباتت الادارة الامريكية ذاتها مكشوفة ومترهلة في الداخل والخارج بفعل المقاومة العراقية الباسلة والمقاومة الافغانية المتصاعدة والازمات الداخلية المتفاقمة.
هنا وجد الرئيس بوش، العنيد في طبعه، انه لا بد من العودة الى الاستراتيجية الامريكية التقليدية في المنقطة، أي الى اعتماد رئيسي على تل ابيب، مع اعتماد ضئيل على الانظمة العربية التي كانت تحاصرها لسنوت واشنطن " ومحافظوها الجدد" بدعوات الاصلاح والتحديث.
ولقد وجدت وزيرة الخارجية الامريكية السيدة كونزاليسا رايس (المعروفة بخلافاتها مع رموز المحافظين الجدد: تشيني ورامسفيلد كما كشف بوب ودوارد في كتابه الاخير : حالة الانكارState Of Danial) ان فرصتها باتت سانحة لكي تعتمد على "دول الاعتدال" العربي في تنفيذ السياسة الامريكية في المنطقة وان تستخدمها في حربها على "المتطرفين"، مسقطة بذلك مطالب الاصلاح والتحديث ونشر الديمقراطية، وساعية في الوقت نفسه الى تجديد سياسة الاحلاف والمحاور في المنطقة لتجديد خطة الحروب الاهلية العربية والاسلامية، والتي وصلت الى ذروتها في الثمانينات مع الحرب العراقية الايرانية، وهي خطة مترافقة مع خطة اشعال حروب اهلية في الدول والمجتمعات التي لا تذعن لسياساتها، بما في ذلك فلسطين ولبنان والعراق.
وبهذا المعنى، فان الشعار الذي تجري في ظله زيارة رايس الى المنطقة "دعم قوى الاعتدال العربي" يشكل من الناحية الايديولوجية والسياسية تراجعاً كبيراً عن مشروع الشرق الاوسط الكبير، ويوحي فعلاً بالفرق بين ذلك المشروع الطموح الذي طرحه بوش بعد احتلال العراق وبين " الشرق الاوسط الجديد" الاكثر واقعية الذي لوحت رايس بولادته من "الآم المخاض اللبناني".
اذن نحن في المنطقة امام تراجع جديد عن واحدة من الافكار التي جرى الترويج لها في السنوات الاخيرة وتبشر بعصر من الديمقراطية واحترام حقوق الانسان، تماماً كما نحن على المستوى الدولي امام تراجع يصيب في الصميم مفهوم العولمة وما يرافقها من ليبرالية سياسية واقتصادية مطلقة.
فبين الجدران الفاصلة، وآخرها الجدار مع المكسيك، وبين التقييد المتواصل على حقوق الانسان والحريات العامة والشخصية، وآخرها القانون التي نجح بوش بتمريره مؤخراً في الكونغرس، وبين الافراط في استخدام العقوبات الاقتصادية ضد كل دولة ترفض الاذعان للاملاءات الامريكية، وآخره التلويح باستخدامها حتى ضد دول رئيسية كالصين وروسيا، (فيما يخص الملف النووي الايراني ) وبين مقايضة "الاصلاح والتحديث والديمقراطية" بالاعتدال في المنطقة العربية، نستطيع ان نلمح بداية اسدال الستار على مرحلة عقائدية وسياسية كبرى في الولايات المتحدة، وبهذا المعنى "فالليبراليون الجدد" الذين ملأو الدنيا بنظرياتهم الترويجية للعولمة، مدعوون، قبل غيرهم، الى مراجعة نقدية جريئة لكل افكارهم، والدخول في مرحلة ينبغي تفحص معالمها بدقة والتأكيد من طبيعتها الامريكية خصوصاً اذا كانت هجومية استباقية ام دفاعية تأخذ شكلاً هجومياً.

 
 

 
  Back to top