hd    
 

العلاقات العربية الايرانية
الضرورات... والاشكاليات

أ‌. معن بشور

الامين العام السابق للمؤتمر القومي العربي
المنسق العام لتجمع اللجان والروابط الشعبية


العلاقات العربية الايرانية هي واحدة من اكثر المسائل حضوراً في حياة المنطقة، وربما في العالم، حيث يدرك كل المعنيين ان مصير هذه المنطقة يكاد يتقرر في ضوء الطريقة التي يتم فيها إدارة هذا الشأن سلباً وايجاباً.
ولعل المخططين الاستراتيجيين في واشنطن وتل ابيب هم الاكثر ادراكاً لهذه الحقيقة، وهم الاكثر تصميماً على ادارة هذه العلاقات على نحو سلبي، وعلى استنفار كل الطاقات والامكانات، واستنفار كل الجهود السياسية والامنية والثقافية، واثارة كل النعرات والعصبيات القومية والطائفية والمذهبية على ضفتي العلاقة بهدف منع تطور هذه العلاقات بالاتجاه السليم أولاً، ثم دفعها الى مهاوي الانهيار والتوتر والاحتراب ثانياً.
فالمخططون الاستراتيجيون في عاصمة المشروع الامبراطوري الامريكي، وفي عاصمة المشروع العنصري الصهيوني، يدركون تماماً ان نجاح العرب في اقامة علاقات تعاون وتكامل وتفاعل مع ابناء دائرتهم الحضارية لا سيما في ايران وتركيا، هو من اقصر الطرق الى نيل استقلالهم الكامل، والى انجازهم سلامهم الداخلي العميق، والى تحقيق مشروعهم الحضاري النهضوي، فيما فشلهم في ذلك يقود الى اخطر انواع التدمير الذاتي، والارتهان الخارجي، والانكفاء الحضاري.
ونظرة المخطط الصهيو امريكي الى هذه القضية لا تنفصل بالتأكيد عن نظرته الشاملة الى كامل قضايا المنطقة ، تماما مثلما تشكل اعاقة هذا المخطط للعلاقة العربية الايرانية، بنداً من بنود المشروع الصهيو امريكي الشامل، الذي تتغير اسماؤه بين عقد وآخر لكن مضمونه واحد أبداً، اذ يهدف الى تحقيق أمرين معاً أولهما الهيمنة الصهيو امريكية الكاملة على المنطقة وثانيهما التفتيت المستمر لكيانات المنطقة والتدمير الكامل لمكوناتها الثقافية والعقائدية والاجتماعية والاقتصادية والامنية، أي تكريس الهيمنة من خلال التفتيت وتعميم التفتيت عبر توسيع نطاق الهيمنة.
ولن نكرر هنا ما بات معروفاً حول مشاريع تمزيق المنطقة واطلاق مخططات التقسيم والفدرالية التي يجري الترويج لها من العراق الى السودان، مروراً بلبنان وهو البلد الذي لا تغيب عنه هذه المخططات مرة الاّ وتعود لتطل مرة جديدة وصولا الى اقامة كيانات انفصالية عديدة في المنطقة بات حكامها يدركون تماما الخرائط الجديدة للدويلات المرشحة للانبثاق عن دولهم الحالية، كذلك لن نستعيد اليوم المقولات التي بشّر بها برنارد لويس منذ اوائل الاربعينات، وهو المفكر البريطاني الصهيوني صاحب الحظوة المميّزة لدى اصحاب القرار في واشنطن ولندن وبعض عواصم الغرب، والتي ترى اعادة تقسيم "الشرق الاوسط" الذي بدأ مع الاتفاقية البريطانية الفرنسية: "سايكس بيكو" بعد الحرب العالمية الاولى، بمشروع التفتيت الصهيو امريكي باعتباره الضمانة الدائمة للحضور الاستعماري في المنطقة، وللوجود الصهيوني الاستيطاني الاحلالي في فلسطين.
في هذا المخطط الفتنوي التفتيتي العام، تشكل العلاقة العربية الايرانية بكل اشكالياتها، احد الاغراءات الكبرى لجذب هذا المخطط، لأن تفاهماً عربياً ايرانياً حقيقياً وعميقاً مبنياً على قواعد الاحترام المتبادل، والتعاون الصادق، والتكافؤ الدقيق، يشكل رافعة رئيسية لنهوض الطرفين، ويعزز عوامل القوة لديهما، فيما يقود الاحتراب العربي الايراني الى اطلاق سلسلة من التداعيات المدّمرة ليس على صعيد العرب وايران فحسب، بل على مستوى الدائرة الحضارية الاسلامية بأسرها، ناهيك بأثرها على مستوى العالم كله.
وكلنا يذكر ما فعلته الحرب العراقية الايرانية التي رفضنا كقوميين عرب اندلاعها منذ اللحظة الاولى، ورفضنا بعد ذلك استمرارها ، ورأينا فيها فخاً استعمارياً وصهيونياً وقعنا فيه جميعاً، فخاً ما زالت تداعياته مستمرة حتى الان من اجل تدمير اثنين من اقوى دول المنطقة واهمها (العراق وايران)، بعد ان نجح الفخ ذاته في اخراج مصر الدولة القوية الكبرى- من حلبة الصراع مع العدو الصهيوني من خلال معاهدة "كمب ديفيد".
وليس من قبيل الصدف أبداً بأن تتوجه أنظار واشنطن وتل ابيب اليوم الى تدمير ايران، بذريعة الملف النووي الايراني، بعد ان نجح المخطط الصهيو امريكي بتدمير العراق قبل اعوام بذريعة اكذوبة اسلحة التدمير الشامل، ثم بدعاوى اقامة ديمقراطية المحاصصة الطائفية التي حلت مفرداتها مع حلول الاحتلال، وديمقراطية التقسيم المذهبي الذي يجري تشجيعه اليوم باسم الفدرالية، ناهيك عن ديمقراطية التعذيب والارهاب التي ينشرها المحتل وادواته علناً في معسكرات الاعتقال وسراً في عمليات التفجير الفتنوية والفرز الديموغرافي على امتداد العراق بهدف تدمير هذا البلد القوي وتشويه صورة مقاومته الجريئة والمجيدة ضد الاحتلال.
واذا كانت التهديدات اليومية الصهيو امريكية ضد ايران تذكرنا بتلك التهديدات التي مهدت لغزو العراق بعد حصار استمر 13 عاماً، فان اطرف ما يكشف صلة هذه التهديدات بمخطط تفتيت المنطقة هو ما كشفت عنه صحيفة هآرتس الاسرائيلية في 25/9/2006 على لسان كاتب اسرائيلي هو باروخ كيمرلينغ الذي قال:
" في الثاني والعشرين من ايلول 2006، كان من المفترض ان تهاجم ايران اسرائيل، وربما كل العالم الغربي، لماذا هذا الموعد بالذات؟ لانه يوافق السابع والعشرين من شهر رجب (حسب التقويم الاسلامي) من عام 1427 الذي هو موعد صعود النبي محمد الى السماء على ظهر جواده الاسطوري "البراق"، ولماذا الهجوم في هذا اليوم تحديداً؟ لان ذلك ما قاله المستشرق المعروف برنارد لويس البالغ من العمر 90 عاماً.
كان من الممكن الرد على هذه النبوءة بابتسامة عابرة غير مبالية لولا انها أثارت جدلاً واسعاً في اوساط مجموعة من المثقفين والصحف المعروفة (مثل وول ستريت جورنال) حيث نشرت بصورة بارزة، وتعامل معها السياسيون باعتبارها مقولة علمية تستوجب التفكير والتمحيص.
ها هو يطل علينا يظل بعد ان بلغ التسعين من العمر، فصاحب نظرية تفتيت المنطقة هو نفسه المروج للحرب ضد ايران.
ان اولوية ضرب العلاقات العربية الايرانية في المخطط الصهيو امريكي اذن لا تعود فقط الى حرمان العرب من عمق استراتيجي وشريك حضاري كايران فحسب، ولا الى محاصرة ايران بسور من الكراهية يحرمها من تحقيق مشروعها النهضوي والتنموي ومن وزنها الاقليمي فقط، بل هو ايضاً مرتبط بمسألتين بالغتي الاهمية:
المسألة الاولى: ان في العلاقة بين العرب والايرانيين من وحدة العقيدة، ومن اواصر الكفاح المشترك، ومن مكانة مميزة لقضية فلسطين عموماً، وللقدس خصوصاً، ما يجعل من التلاقي العربي الايراني مسألة جدية من جهة، وخطيرة من جهة اخرى على مجمل المشروع الصهيو امريكي في المنطقة.
المسألة الثانية: ان في هذه العلاقة ثغرات واشكالات والتباسات متعددة يمكن اللعب بها، والعزف على اوتارها، بما يحول هذه العلاقة من مسارها الايجابي لتتجه باتجاهات سلبية.
وبقدر ما تقتضي مصلحة العرب والايرانيين العمل بكل جهد لتطوير ما هو ايجابي في هذه العلاقة، تاريخاً وحاضراً ومستقبلاً انطلاقاً من القيمة الاستراتيجية الكبرى لهذه العلاقة، فان مصلحة الطرفين ايضاً تقتضي معالجة جريئة وصريحة وصادقة لكل المعوقات والمشكلات القائمة في وجه هذه العلاقة، والتي يسعى اصحاب المخطط الصهيو امريكي على تغذيتها وتعميقها مستفيدين من ثغرات وجهات وحساسيات قائمة على ضفتي هذه العلاقة.
فعلى صعيد المسألة الاولى يمكن ان نستعيد معاً صوراً مشرقة ومضيئة للعلاقة العربية الايرانية لا تكتفي بما نراه في الحاضر من مواقف ايرانية داعمة للمقاومة في فلسطين ولبنان، وللممانعة في سوريا، ولا بتلك الصورة الرائعة المحفورة في وجدان كل عربي يوم انتصار الثورة الاسلامية في ايران في 11 شباط 1979 حين كان اول اعمالها طرد السفارة الاسرائيلية من طهران الشريكة الرئيسية لنظام الشاه على امتداد سنوات، والمحّرض الرئيسي له ضد العرب لا سيما جمال عبد الناصر ، بل ان هناك صور من التاريخ ينبغي استعادتها دائماً.
ولقد لاحظ الاستاذ احمد لواساني رئيس منبر الآداب الشرقية في الجامعة اللبنانية في ندوة "العلاقات العربية الايرانية" التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية بالتعاون مع جامعة قطر عام 1996، كيف ان الاسلام قد انحسر عن الاندلس بعد سقوط الدولة العربية، فيما لم ينحسر عن بلاد فارس رغم عراقتها الحضارية وخصوصياتها القومية، مما يشير، حسب قول لواساني، الى وجود "قرب وانسجام باللاوعي بين روحية الأمتين العربية والايرانية نفتقده بين العرب وشعب ايبيريا في الأندلس".
وفي الاطار ذاته لاحظ لواساني ان جنود كسرى قبل الاسلام- نزلوا ارض اليمن وطردوا الاحباش منها وأعادوا اليها ملكها العربي سيف بن ذي يزن، وسكنوا فيها وأطلق عليهم اسم "الأبناء" وقد كانوا في طليعة الذين دافعوا عن الاسلام في فترة حروب الردة.
وليس دور الايرانيين في الذود عن بيت المقدس إبان الحروب الصليبية الاّ الشاهد على عمق الترابط المصيري والنضالي بين أمتين، وسيبقى اسم الشاعر الفارسي الكبير سعدي ابن مدينة شيراز عاصمة مقاطعة فارس الذي سقط أسيراً بيد الصليبيين في طرابلس الشام رمزاً لهذه المشاركة الايرانية في الدفاع عن عروبة المنطقة وعقيدتها ومقدساتها بوجه الهجمة الاجنبية.
ولقد دعا المؤرخ العربي، والعروبي الكبير الدكتور عبد العزيز الدوري الى وعي التاريخ الحضاري بين الأمتين كخلفية ايجابية والى عدم "الغرق في جزئيات سلبية وسياسية" معلقاً بتساؤل جدي ومصيري " هل نرضخ لتراث من المرارة لم نكن طرفاً فاعلاً فيه، ام ننظر الى الظروف الاقليمية والدولية ونتطلع الى مستقبل افضل؟".
وليس التاريخ القريب للأمتين في مواجهة التحدي الصهيوني بمختلف عن التاريخ البعيد، فمساندة الشعب الايراني لثورات الشعب الفلسطيني المتعاقبة لم تتوقف، والمشاركة الايرانية في المؤتمر الاسلامي في القدس عام 1930، وبلجنة "البراق" التي انبثقت عنه، مشاركة فاعلة، ولقد تجلت الوحدة الاسلامية في ذلك المؤتمر بأقوى صورها حين صلى أعضاء المؤتمر الممثلون لجميع انحاء العالم الاسلامي مرتين بإمامة المجتهد الكبير حسين آل كاشف الغطاء فقال يومها الرئيس الشهيد رياض الصلح :" اليوم انبثق فجر الوحدة الاسلامية".
واثر قرار تقسيم فلسطين عام 1947 أصدر آية الله السيد ابو القاسم الكاشاني في 1/1/1948 بياناً أوضح فيه حجم المأساة، وقاد تحركات شعبية واسعة ضد بريطانيا دعماً للشعب الفلسطيني، وقد دعا المرجع الديني آية الله العظمى السيد البروجردي الى تأييد النضال الفلسطيني، فيما وجه آية الله العظمى الخوانساري رسالة الى رئيس وزراء ايران آنذاك دعاه فيها الى مساندة الشعب الفلسطيني ليعمد، بعد عامين، الى اعتبار اعتراف حكومة الشاه بالكيان الصهيوني 1950 خيانة للإسلام والمسلمين.
ولا يمكن فهم حركة الدكتور مصدق عام 1951 ومساندتها من قبل آية الله كاشاني، في احد جوانبها، الاّ حركة اعتراض على الموقف الرسمي الايراني آنذاك من قضية فلسطين، تماماً كما لا يمكن ان نعزل هذا العامل عن الاسباب التي أدت الى انتفاضة 5 حزيران 1963، والمعروفة بانتفاضة 15 خرداد 1342هـ، والتي أدت الى استشهاد الآلاف من الايرانيين والى ترحيل الامام الخميني سراً الى تركيا ثم الى النجف الاشرف ليلقى الترحيب من الحكومة العراقية التي كان يقودها آنذاك ائتلاف القوميين العرب من بعثيين وناصريين بعد حركة 14 رمضان (8 شباط 1963).
ان مثل هذه الحماسة الايرانية لقضية فلسطين لا تعبّر فقط عن تعاطف روحي وديني فحسب، بل تعود ايضاً الى ادراك مشترك لطبيعة التحديات الاستراتيجية والأمنية المشتركة التي تواجه العرب والايرانيين معاً.
ولقد لاحظ المغفور له بإذن الله الدكتور احمد صدقي الدجاني تلازم بروز قضية فلسطين في الربع الاخير من القرن التاسع عشر مع تصاعد تحدي الغزو الاستعماري الاوروبي لايران والعرب في موجته الكبيرة الثانية بعد الموجة الصليبية. فايران تعرضت لعدوان روسيا القيصرية في الشمال ولتحرشات بريطانيا في الجنوب ، وفقدت مقاطعات هامة منها في مطلع ذلك القرن في اطار خطة روسيا القيصرية للوصول الى الخليج حيث كان بطرس الاكبر يقول " من يسيطر على الخليج يسيطر على العالم"، وحيث كانت ايران هي بنظره "قناة السويس الروسية".
كذلك بدأ تعرض الوطن العربي للغزو الاستعماري منذ مطلع القرن التاسع عشر أيضاً، أي مع غزوة نابليون، ثم احتلال الجزائر وعدن وسواحل الجزيرة العربية والخليج ثم مع الموجات الاخرى من الغزو التي ما زالت مستمرة حتى اليوم، وآخرها دون شك الوجود العسكري الاجنبي في منطقة الخليج المستمر منذ نهاية الثمانينات والذي يهدد الامن القومي العربي كما يهدد الامن القومي الايراني.
واذا اضفنا الى هذه المخاطر ما ينطوي عليه المشروع الشرق اوسطي بتسمياته المتعددة لأدركنا كيف ان هذا المشروع الذي يشكل الامتداد الاقليمي للنظام الدولي الجديد يسعى الى تحقيق الهيمنة الصهيونية الاقتصادية على المنطقة عبر عزل ايران وتركيا وتهميش مصر وفصل المشرق العربي عن مغربه ناهيك عن تفتيت كل كيانات المنطقة وتمزيق مجتمعاتها.
هذه المخاطر الاستراتيجية والأمنية المشتركة لكل من ايران والعرب تشكل عنصراً آخر من العناصر الموجبة للتعاون العربي الايراني في اطار الدفاع عن السيادة كما عن المصالح الثابتة للطرفين.
بالاضافة الى الروابط الروحية والتحديات الاستراتيجية المتصلة بالأمن القومي بمعناه الشامل هناك مسألة أخرى تؤكد على أهمية تطوير العلاقات العربية الايرانية بهدف صيانتها، أي مسألة النفط، حيث التعاون العربي الايراني بات احد ابرز العناصر التي تهدد الهيمنة الامريكية على هذا القطاع الحيوي الذي تمسك منطقتنا العربية والاسلامية الجزء الرئيسي من انتاجه واحتياطه.
فالخوف الصهيو امريكي من كفاح عربي ايراني مشترك ضد المشروع الصهيوني، ومن تعاون نفطي بين الطرفين يؤدي الى زعزعة الهيمنة الامريكية على هذا القطاع، يشكلان دافعاً كبيراً لتركز هذا المخطط الصهيو امريكي على اعاقة العلاقة الامريكية العربية، بل تشجيعه الدائم لجهات على ضفتي العلاقة من اجل تسعير الخلافات، واثارة كل انواع النعرات، حتى بات احد وسائل التقّرب من واشنطن والغرب هو ان تقوم جهة عربية بالتحريض على ايران وجهة ايرانية بالتحريض على العرب.
أما المسألة الثانية، او ما يمكن تسميته بالمقلب الآخر من العلاقة فهو وجود جملة التباسات وحساسيات وثغرات في هذه العلاقة تسهل على اصحاب المخطط الصهيو امريكي مهمتهم، بل وتغريهم على المضي في خطتهم لاعاقة هذه العلاقة، بل للسعي الى تغيير طبيعتها من علاقة تعاون وتكامل وتفاعل الى علاقة تنافر وتناحر واحتراب.
هنا، علينا ان نعترف كعرب وكايرانيين ان هذا المخطط الصهيو امريكي، على قوته وخطورته والحاحيته، لا يستطيع ان يحقق اهدافه الا اذا فتحنا له الثغرات كي ينفذ منها، وان طريق اغلاق الثغرات هو مسؤولية عربية وايرانية، بل ايرانية بالدرجة الاولى لأن ايران هي دولة واحدة رغم تعدد التيارات فيها، وقرار واحد رغم تباين الاتجاهات، ومرجعية واحدة رغم تنوع الاجتهادات، ومشروع واحد، بل انها اليوم في مواجهة استهدافات خطيرة لها كدولة وكثورة وككيان، الامر الذي يحتم عليها ان تعتمد نهج تجميع القوى، وتوسيع الافق، ومد اليد الى الجميع وتجاوز الكثير من الحساسيات.
اما العرب، فهم انظمة في اغلبها متناقضة مع طموحات شعوبها، انظمة مستقوية بواشنطن وغير واشنطن على هذه الشعوب مقابل اذعان كامل او شبه كامل لمشيئة البيت الابيض، وهذه الانظمة ايضاً ممنوعة من التلاقي، الا من خلال واشنطن، رغم التقارب في نهج معظمها، اما الشعوب فمقهورة، مغلوب على امرها، مقيّدة بسلاسل حكامها الحديدية، وغارقة في عصبيات متناحرة، وفساد مستحكم، واستبداد مقيم، وهي اذا نجحت في الافلات يوماً من تلك القيود والسلاسل لتطلق مقاومات ضد اعدائها، كما هي حال المقاومة في فلسطين والعراق ولبنان، فانها سرعان ما تجد نفسها محاصرة بلقمة العيش والاقتتال كما في فلسطين، وبالفتنة والارهاب المتنوع الاشكال كما في العراق، وبالرهانات الخائبة والخوف من الانتصار كما في لبنان.
لذلك كله فان العلاقة العربية الايرانية لن تستقيم وتتطور وتتعزز، الا اذا سعينا جميعاً الى ارساء قاعدتين رئيسيتين لهذه العلاقة خصوصاً ان علاقة الجوار التي تحكم العرب وايران هي علاقة لا يمكن لأي طرف ان يلغيها، او يتجاهلها، او يتنكر لها، ان هاتين القاعدتين هما:
أولاً: فهم ايراني كامل لخصوصيات الواقع العربي بكل تعقيداته، ولاحترام مكوناته القومية والدينية والاجتماعية المتعددة، والتسليم بقدرة الامة العربية على مواجهة اشكالات العلاقات بين دولها وجماعاتها وشرائحها دون أي تدخل خارجي وبالتالي السعي لتجاوز كل الحساسيات والرواسب والجراح التي ما زالت تتحكم بهذه العلاقة.
ثانياً: ادراك عربي صادق للبعد الاستراتيجي والحضاري للعلاقة مع ايران، وللقوة الكبيرة التي يوفرها تفاهم عربي ايراني على كل المستويات السياسية والاقتصادية والامنية والدفاعية والثقافية والاجتماعية وبالتالي نبذ كل الدعوات الامريكية والصهيونية للايقاع بين العرب وايران بمسميات مختلفة.
ان التسليم بهاتين القاعدتين يشكل اليوم مدخلاً لكل الاشكالات والالتباسات القائمة، خصوصاً ان بين هذه الاشكالات تداخلاً وتشابكاً، حيث يؤدي بقاؤها الى تغذيتها وتعميقها، فيما تؤدي معالجة الواحدة منها الى معالجة بقية الاشكالات.
من هذه الاشكالات مثلاً، اشكالات ذات طابع مذهبي او قومي يسعى المخطط الصهيو امريكي الى تغذيتها في اطار حربه المستمرة على الاسلام وعلى العروبة وعلى ايران فيجد له آذاناً صاغية في بيئات التعصب والتخلف الواسع الانتشار في بلادنا كما لدى اصحاب المصالح الصغيرة المرتبطة بالهيمنة الغربية على المنطقة ، مستفيداً دون شك من ادبيات منغلقة، وشعارات هجينة، وحساسيات دفينة، وعقول محدودة.
ومن هذه الاشكالات ايضاً قضية جزر الامارات الثلاث التي تحتاج الى معالجة سياسية وسلمية تهدف الى احقاق الحق من جهة كي لا تبقى هذه القضية مثار استغلال خصوصاً من جهات وحكومات رأيناها كيف تفرط بحقوق الامة كلها.
ومن الاشكالات ايضا هواجس امنية، تغذيها واشنطن، وترى ان أية قوة تمتلكها ايران ستؤدي حتماً الى تهديد دول الجزيرة والخليج المطوقة أصلاً بالقواعد والاساطيل الاجنبية التي تحتل اراضينا وتملي قراراتها علينا، وتنهب مواردنا وخيراتنا، وتهدد بتقسيم كياناتنا وهو ما يحتاج الى قيام نظام امني اقليمي عربي ايراني مشترك في منطقة الخليج يوفر الامن القومي لكل دول المنطقة.
ومن الاشكاليات المطروحة ايضاً مواجهة هذه الحملة الظالمة على الجمهورية الاسلامية في ايران لدى بعض الاوساط اللبنانية، ومحاولة تحوير دعمها المشكور للمقاومة عن مقاصده الحقيقية، وهو ما يتطلب سياسة ايرانية نشطة لدعم الوحدة الوطنية في لبنان ولمساندته في الاعمار، ولطمأنة نفوس قلقة تحاول اوساط معروفة التلاعب بقلقها واستثماره للتحريض على ايران وعلى المقاومة.
اما الاشكالية التي تبدو اليوم الاكبر والاخطر في علاقة ايران بالعرب، فهي تلك المتصلة بما يمكن تسميته بالقضية العراقية واستطراداً القضية الافغانية، وهنا اذكر جلسة لنا في مجلس ادارة مؤسسة القدس قبل ايام من الحرب الامريكية على افغانستان، وقبل سنتين من العدوان على العراق حيث لفتنا، سماحة المستشار فيصل مولوي وانا، سماحة السيد علي اكبر محتشمي نائب رئيس مجلس الامناء الى ضرورة تنبه القيادة الايرانية الى موقفها من الحرب ضد البلدين، لا لأن ايران ستصبح مطوقة بالقوة الامريكية والاطلسية فحسب، بل لأن أي موقف ملتبس سيساعد تجار الفتنة المذهبية في الامة العربية والعالم الاسلامي واسيادهم على التحريض على ايران.
يومها ابتسم السيد محتشمي، وتطلع الى الدكتور محمد مهتدي عضو مجلس امناء المؤسسة وقال له : سجل هذه الملاحظات.
واذا عدنا الى القضية العراقية، هناك اكثر من اشكالية بعضها يعود الى تداعيات الحرب العراقية الايرانية المؤسفة (1980-1988) والتي خلّفت آثاراً مدمرة ليس على العلاقة بين العراق وايران فحسب، بل على العلاقة الايرانية العربية برمتها، بالاضافة الى آثارها على العلاقة بين العروبة والفارسية، وبين المذاهب الاسلامية ذاتها.
ومن جهة ثانية فان بعض هذه الاشكاليات يتصل بالغزو الامريكي للعراق، وما تلاه من سياسات وممارسات سياسية وامنية ودموية ليس الآن مكان تعدادها، حيث اعتبرت شريحة واسعة من العراقيين ان ايران من خلال اجهزتها وادواتها وحلفائها تقف وراءها ليتعزز لديها شعور بأن ايران لم تتراجع عن مخطط قديم بالهيمنة على العراق، وتغليب فئة على فئة.
وأخطر ما في هذا الشعور، الذي ينبغي التدقيق به والسعي الى معالجة ايرانية لاسبابه وجذوره، انه بات اليوم تربة خصبة يزرع فيها كل اعداء العراق وايران، وفي مقدمها واشنطن وتل ابيب وحلفاؤهما داخل العراق وخارجها، كل سمومهم ومشاريعهم الفتنوية لكي يوصلوا فريقاً من العراقيين الى اعتبار النفوذ الايراني اخطر من الاحتلال الامريكي، تماماً، كما نجحت واشنطن في حمل بعض معارضي النظام السابق للاحتلال الى اعتبار ذلك النظام اشد خطراً من الاحتلال ذاته، بل الى اعتبار احتلال امريكا للعراق تحريراً، واستمرار هذا الاحتلال أمناً ومنعاً لحرب اهلية.
وكما ذكرنا فان هذا الشعور لم يعد محصوراً في العراق ذاته، بل تلقفته انظمة وحكومات ومدارس مذهبية واجهزة اعلام، من اجل استخدامه على امتداد الامة لتحقيق هدفين في آن معاً اولهما بناء سور من الكراهية بين العرب وايران، وثانيهما اشعال فتنة مذهبية تشمل الامة كلها.
واذا كانت دعوتنا للاخوة العراقيين المعترضين على السياسات والممارسات الايرانية في العراق هي ألا يفقدوا البوصلة الرئيسية، وان يبقى تركيزهم على مقاومة الاحتلال الامريكي في اول اولوياتهم باعتباره المسؤول الاول عن كل الشرور والسموم التي دخلت الى العراق، فان نجاح هذه الدعوة مرتبط اساساً بجملة مبادرات ايرانية تسعى لدراسة المشهد العراقي من داخله بعمق، وللتدقيق في صحة ما يتردد من شائعات او معلومات، فتجري معالجة ما هو واقعي منها بروح عالية من المسؤولية والتعالي عن الحساسيات، ويجري توضيح ما هو غير صحيح لكي لا ينساق أي عراقي او عربي او مسلم خلف هذه الشائعات غير الصحيحة.
ولعل ابرز المبادرات الايرانية المطلوبة في هذا المجال هو ما سبق ان طالبت به شخصياً، والعديد من الوفود المشاركة، في المؤتمر العالمي الضخم لنصرة القدس الذي انعقد في طهران في شهر نيسان الماضي وهو دعم المقاومة العراقية للاحتلال بكل مكوناتها مع تمييز المقاومة، بالطبع عن الارهاب الموصوف الذي يتأكد يوماً بعد يوم وقوف المحتل وعملائه وراءه تحت عناوين ومسميات مختلفة.
وثاني المبادرات هو فتح حوار صريح وشامل مع كل شرائح المجتمع العراقي وقواه المناهضة للاحتلال، دون التوقف امام اية عوائق او حساسيات او رواسب تعيق الحوار مع هذه الفئة او تلك.
وفي هذا المجال، فان هناك العديد من الدول والهيئات القومية والاسلامية الصديقة لايران والداعمة للمقاومة العراقية يمكن ان تلعب دوراً في توفير اجواء حوار لا يستثنى الا من يستثني نفسه، من اجل ان تقوم علاقة راسخة متكافئة بين الايرانيين وبين هذه الشرائح العراقية تسهم في تحقيق المصالحة الوطنية داخل العراق، وفي توسيع نطاق المقاومة العراقية، وفي خروج الجميع من قيود الماضي وذكرياته الاليمة وهو ما ينعكس حتما على عموم الساحة العربية والاسلامية، وعلى مجموع قوى التحرر في العالم التي تريد مساندة ايران في معركتها الكبرى من اجل الدفاع عن حقها في امتلاك قدرات تكنولوجية نووية للأغراض السلمية، وترى في الوقت ذاته ان لمقاومة العراقيين للاحتلال التي انطلقت بعد ايام على احتلال بغداد نتائج باهرة على الاستراتيجية الامريكية الكونية، وعلى الوضع الامريكي الداخلي بالتحديد.
ان مثل هذا الحوار حول القضايا الشائكة التي تحيط بالعلاقة العربية الايرانية، وخصوصاً في القضية العراقية وصولاً الى الامن الاقليمي في دول الجزيرة والخليج هو الخطوة الاولى لتحصين هذه العلاقات، ولافشال المخطط الصهيو- امريكي الذي لم يتوقف لحظة عن اعاقة هذه العلاقات، كما لم يتوقف لحظة عن السعي للهيمنة على مقدرات هذه المنطقة، وضرب استقلالها، وتكريس الدور المركزي للكيان الصهيوني فيها عبر تفتيتها الى دويلات وكيانات باقية وطائفية ومذهبية.
ان حكومات عربية واسلامية كسوريا والجزائر والسودان وتركيا وماليزيا، وهيئات عاملة على المستوى العربي والاسلامي كالمؤتمر القومي العربي، والمؤتمر القومي / الاسلامي، ومؤتمر الاحزاب العربي، واحزاباً فاعلة كحزب الله الذي يتمتع بمكانة كبيرة لدى كل قوى الامة، وحركة امل ورئيسها، وحركة حماس، وحركة الاخوان المسلمين في مصر، والاتحاد العالمي للعلماء المسلمين، وكالقوى القومية والناصرية، وكمرجعيات كسماحة آية الله السيد محمد حسين فضل الله، والشيخ الدكتور يوسف القرضاوي، تستطيع ان تلعب دور الجسور لقيام مثل هذا الحوار ولتطويره وتوطيده. فهل نقدم على مثل هذه المبادرات؟ هل نستطيع ان نتجاوز جراحات الماضي وحساسياته؟ هل نفشل المخطط الصهيو امريكي؟
اسئلة تنتظر الاجابة.

 
 

 
  Back to top