head  
 

 عن الرؤية الأميركية للشرق الأوسط الجديد!

صبحي غندور*

 أصبح من الواضح أنّ إدارة الرئيس بوش تريد في عهدها الثاني التوظيف السياسي والأمني والاقتصادي لما قامت به الإدارة في المجال العسكري بعهدها الأوّل، والذي ما زال مستمرّاً على أرض الشرق الأوسط في بلدان عديدة.

 فالحرب على أفغانستان في نهاية العام 2001 ثمّ الحرب على العراق في مطلع العام 2003، وما رافق هاتين الحربين من انتشار عسكري أميركي في محيط دول الشرق الأوسط، وإقامة قواعد في بعضها، كانت وما زالت أعمالاً عسكرية من أجل خدمة رؤية سياسية لها مضامين أمنية واقتصادية.

 ولعلّ أبرز هذه المضامين، بالرؤية الأميركية للشرق الأوسط الجديد، ضمان التحكّم مستقبلاً في منابع النفط كأحد أهمّ مصادر الطاقة الدولية لعقود عديدة قادمة، خاصّة وأنّ المنافسين الجدد للقطب الدولي الأوحد الآن يعتمدون في نموّ اقتصادهم على نفط الشرق الأوسط.

 ولأنّ التواجد العسكري الأميركي في المنطقة لا يكفي وحده من أجل تحقيق الرؤية الأميركية المستقبلية للشرق الأوسط، فإنّ عناصر ثلاثة يتوجّب توفّرها بشكل متلازم مع  الوجودين العسكري والأمني:

 1-     تغيير التركيبة السياسية القائمة الآن في معظم دول العالم الإسلامي لتصبح مبنيّةً على مزيج من آليات ديمقراطية وفيدراليات إثنية أو طائفية.

 فالديمقراطية لو تحقّقت، دون التركيبة الفيدرالية (التي ستكون حصيلة تعزيز المشاعر الانقسامية في المجتمع الواحد)، يمكن أن توجد أنظمة وحكومات تختلف مع الإرادة أو الرؤية الأميركية، كما جرى مع بعض بلدان أوروبا الغربية أو مع الحكومة التركية بشأن العراق.

أيضاً، فإن إثارة الانقسامات الإثنية أو الطائفية، دون توافر سياق ديمقراطي ضابط لها في إطار من الصيغة الفيدرالية، يمكن أن يجعلها سبب صراعٍ مستمر يمنع الاستقرار السياسي والاقتصادي المنشود بالرؤية الأميركية، ويجعل القوات الأميركية المتواجدة بالمنطقة عرضةً للخطر الأمني المستمر في ظلّ حروب أهلية مفتوحة.

إضافةً إلى أنّ التركيبة الفيدرالية القائمة على آليات ديمقراطية ستسمح للولايات المتحدة بالتدخّل الدائم مع القطاعات المختلفة في داخل كلّ جزء من ناحية، وبين الأجزاء المتحدة فيدرالياً من ناحية أخرى.

 2-     التركيز على هوية شرق أوسطية كإطار جامع للفيدراليات المتعددة المنشودة في بلدان المنطقة العربية والعالم الإسلامي، إذ أنّ العمل تحت مظلّة "الجامعة العربية" أو "المؤتمر الإسلامي" يمكن أن يؤدّي مستقبلاً إلى ما ليس مرغوباً به أميركياً من نشوء تكتلات كبرى متجانسة ذات مضامين ثقافية متباينة مع الرؤية الأميركية، كما حدث ويحدث في تجربة الاتحاد الأوروبي، رغم وجود القواعد العسكرية الأميركية في أوروبا، ورغم وجود حلف الأطلسي والانتماء المشترك لحضارة غربية واحدة.

         لهذا يدخل العامل الإسرائيلي كعنصر مهم في الشرق الأوسط الكبير المنشود، إذ بحضوره الفاعل، تغيب الهويّتان العربية والإسلامية عن أيِّ تكتّل إقليمي محدود أو شامل.

 3-     العنصر الثالث المهم، في هذه الرؤية الأميركية للشرق الأوسط الجديد، يقوم على ضرورة إنهاء الصراع العربي/الإسرائيلي من خلال إعطاء الأولوية لتطبيع العلاقات العربية مع إسرائيل، وقبل تحقيق التسوية الشاملة التي تتطلّب حسب المنظور الأميركي سنوات عديدة. وتجد الإدارة الأميركية أنّ تطبيع العلاقات العربية الإسرائيلية سيدفع الأطراف كلّها إلى التسوية والقبول بحدود دنيا من المطالب والشروط، كما أنّه سيسهّل إنهاء الصراعات المسلّحة حتى من غير تسويات سياسية شاملة، وسيساعد على وقف أيّ أعمال مسلّحة في المنطقة، سواء أكانت تحت شعار مقاومة الاحتلال الإسرائيلي أم ضدّ التواجد العسكري الأميركي في المنطقة. فالرعاية الأميركية لإنهاء الصراع العربي/الإسرائيلي من شأنها أن تجعل التواجد العسكري الأميركي، ولو بأشكال محدودة، أمراً مطلوباً وليس فقط مقبولاً، كما هو الحال في الصيغ المطروحة لمستقبل الضفّة الغربية وغزّة.

***

إذن، كخلاصة لما يمكن أن تكون عليه الرؤية الأميركية للشرق الأوسط الكبير الجديد، فإنّ واشنطن تريد ديمقراطيات سياسية في المنطقة لكن ليس إلى حدّ الاستقلال عن القرار الأميركي. واشنطن تريد صراعات سياسية محلية قائمة على انقسامات إثنية أو طائفية، لكن ليس إلى حدّ الحروب الأهلية المفتوحة. واشنطن تريد صيغاً فيدرالية جامعة لأجزاء في كلّ وطن، لكن ليس إلى حدّ الانصهار الوطني الكامل. واشنطن تريد إنهاء الصراع العربي/الإسرائيلي، لكن ليس إلى حدّ التعامل مع القضايا النهائية الشائكة وتحقيق التسويات الشاملة الآن. واشنطن تريد التواجد العسكري والأمني في بلدان المنطقة، ولكن ليس إلى حدّ التورّط بأوضاع حروب داخلية استنزافية أو الاضطرار لإبقاء قوات كبيرة العدد إلى أمد مفتوح.

***

ولعلّ ملامح هذه الرؤية تفسّر المواقف الأميركية الآن من عدّة حكومات وقضايا عربية. فالعراق والسودان مثلاً يسيران على النموذج الديمقراطي/الفيدرالي المرغوب أميركياً. أمّا سوريا ولبنان، فإنّ هناك تطوّرات تحدث فيهما، قد تدفع باتجاه العناصر الثلاثة الكامنة في الرؤية الأميركية للشرق الأوسط.

وأعتقد أنّ واشنطن ستواصل ضغوطها الراهنة على الحكم السوري، إلى حين الانتهاء من مسألة الانسحاب الإسرائيلي من غزّة وتفاعلاته داخل إسرائيل، من أجل دراسة إمكان استئناف المفاوضات السورية/الإسرائيلية، التي ستقرّر لاحقاً واشنطن حدوثها أم عدمه تبعاً لمدى تجاوب الحكم السوري خلال الفترة الراهنة مع المطالب الأميركية الشاملة لجبهات عديدة، بما في ذلك الجبهة الداخلية السورية.

لكن من المهم الإشارة إلى أنّ الضغوط الأميركية على دول المنطقة العربية والعالم الإسلامي لا تحصل الآن من أجل تنفيذ مضامين الرؤية الأميركية دفعة واحدة في كلّ البلدان، أو بشكل أولويات واحدة يتمّ تطبيقها على الكلّ .. فهناك اختلاف في الظروف تتباين على أساسها الأولويات، بحيث تكون الضغوط الآن على بلد أو أكثر من أجل التطبيع مع إسرائيل (مثل الضغوط التي تمارس الآن على دول الخليج العربي)، بينما تكون الضغوط على بلدٍ آخر أو مجموعة أخرى من أجل المسألة الديمقراطية/الفيدرالية (كما يحدث حالياً مع الحكم في مصر)، أو الضغط على أطراف أخرى لتسهيل عملية إنهاء الصراع مع إسرائيل ووقف الأعمال المسلّحة (كحال الضغوط على إيران وسورية مثلاً).

* * *

حتى الآن، فإنّ المنطقة العربية تحديداً هي في حال الطرف المُسيَّر لا المُخيَّر، وهي بمجموعها المتشرذم وبأجزائها المنقسمة داخلياً، والمعطوبة سياسياً، فإنها عاجزة عن تقديم رؤية عربية بديلة لمستقبل المنطقة.

وفي ظلٍّ هذا الفراغ العربي، والأحادية القطبية الأميركية، تسير الرؤية الأميركية للمنطقة قُدُماً إلى الأمام ..!!

 

15/5/2005

                                        *مدير "مركز الحوار" في واشنطن

                                        alhewar@alhewar.com

 

                مجلة المنابر

 

        من الافكار الشائعة والتقديرات السائدة بعد انتهاء الفصل الاول من حرب الخليج الثانية ان العالم مشرف على نظام دولي جديد تقوده الولايات المتحدة الامريكية، وان هذا النظام كما يشيع المروجون له يقوم على احترام قواعد الشرعية الدولية في العلاقات والمنازعات بين الدول، وعلى تطبيق مبادئ حقوق الانسان في العلاقات بين الحاكم والمواطنين داخل الدولة نفسها...

        واذا كان لدينا الكثير مما نقوله حول عدالة مثل هذا النظام، وحول جدارة واشنطن السياسية والاقتصادية والاخلاقية بقيادته، لكننا سنحاول في هذه المقالة ان نركز على مناقشة هذه المسألة من زاوية اخرى تنطلق من السؤال البسيط التالي:

        هل تستطيع الادارة الامريكية فعلا، بل هل ترغب وهي المثقلة باعباء اقتصادية وعسكرية ضخمة ، وبالتزامات دولية وسياسية معروفة تجاه دول وحكام وانظمة، ان تقيم مثل هذا النظام وعلى القاعدتين الانفتي الذكر: التزام الشرعية الدولية، واحترام حقوق الانسان؟!

        واذا لم تستطع واشنطن ذلك، او لم ترغبه الدوائر المؤثرة في القرار الامريكي.. هل ستتنكر لهذا النظام علنا، وترتكب ما يناقضه بشكل فاضح.. ام ستجد نفسها، ومعها العالم بأسره، امام خيار آخر..

        ان مناقشة هذه الاسئلة تحتاج منا الى درجة من التمحص والتدقيق والمراجعة يبعدنا عن الوقوع في افخاخ الاستنتاجات الشائعة التي تعتبر ان المنطقة قد سقطت والى الابد، وان العالم بأسره قد سقط ايضا من خلالها سقوطها، في يد العملاق الامريكي المتحرك وحيدا في جهات الدنيا الاربع..

        كما ان مناقشة مثل هذه التساؤلات تحتاج منا ايضا الى  تجاوز تلك الصدمات النفسية والاعلامية والسياسية التي تعرضنا اليها طيلة الاسابيع الاخيرة الماضية، والتي لم يكن تعريضنا اليها على هذا النحو الا بهدف نشر الهزيمة في النفوس والعقول والارادات لان اعداء الامة يدركون ان انتصارهم الحقيقي لا يتحقق في ساحات المعارك العسكرية فقط، فهم يملكون من التفوق المادي الكاسح ما يضمن لهم مثل هذا الانتصار، ولا يتحقق ايضا في مجالات التنافس الاعلامي، فقدرتهم في هذا المجال لا تقاس كما ونوعا بقدرة غيرهم من الشعوب المقهورة، كما انه لا يتحقق ايضا في ميادين البراعة الديبلوماسية فامكاناتهم في تسخير المصالح، وتحريك النزعات، واثارة المخاوف لدى العديد من الدول والانظمة كفيلة بان تجعل انتصارهم سهلا وسريعا.

        لكن النصر الحقيقي لا يتحقق بالنسبة اليهم الا اذا استطاعوا ان ينفذوا الى عمق الارادة القومية للامة فيخضعوها للتفتيت، وان يتوغلوا في مسارب النفس العربية فيسعوا الى تحطيم مرتكزاتها، وان يخترقوا جدار الايمان الروحي لدى ابناء الامة فيعملوا على اضعافه وتحويله الى مظاهر فولكلورية او بدع خرافية...

        وتكتيكهم في ذلك مزدوج، فهو من جهة يقوم على محاصرة أي نصر او عنصر ايجابي يبرز لدينا فيعمل على تشويهه وافراغه من مضامينه، كما انه من جهة ثانية يسعى الى توسيع نطاق اية هزيمة تلحق بنا، او تضخيم أي خطأ نقع فيه، ليصورهما وكأنهما الحقيقة الوحيدة في حياتنا، وفي صراعنا مع اعدائنا..

        ان الاشارة الى مثل هذه الاستدراكات تبدو ضرورية ونحن نناقش موضوع مقالنا هذا، خاصة وان هذه المناقشة تأتي بعد حرب كونية شهدناها على ارضنا، استخدمت كل ما في ترسانة "العالم المتحضر" من اسلحة، واستخدمت بشكل خاص سلسلة من الاخطاء وقعنا فيها جميعا. مما اظهرنا وكأننا على مشارف الانهيار او الانقياد الكامل لمشيئة رب البيت الابيض القابع بعيدا في واشنطن..

        واذا عدنا الى  السؤال الذي طرحناه في مطلع هذا المقال: هل تستطيع واشنطن، بل هل ترغب فعلا، في بناء نظام عالمي جديد يرتكز على قواعد الشرعية الدولية واحترام حقوق الانسان... لوجدنا انفسنا امام سؤال متفرع عنه، ومرتبط به:

        هل يعتبر المشرفون على السياسة الامريكية، وصناع القرار فيها، انهم قد نجحوا من خلال  حرب الخليج في تثبيت دعائم "النظام العالمي الجديد" الذي يحاولون تسويقه، ام انهم من خلال هذه الحرب، وتفاعلاتها وملابساتها ونتائجها التي لم تتضح ابعادها حتى اليوم، قد اثاروا حول هذا النظام الدولي، بل حول جدارة واشنطن بقيادته، العديد من علامات الاستفهام، بل التعجب، حين اكتشف العالم باسره حقيقة هذا النظام الوحيدة الثابتة والقائمة على انفراد امريكي بهذا الكون ، بمصالحه وسياساته، بحاضره ومستقبله؟!

        ان الاجابة على هذين السؤالين: الاصلي والفرعي، تتطلب عرضا لمجمل التحديات الفعلية التي ستواجهها الولايات المتحدة في المرحلة المقبلة، سواء على مستوى هذه المنطقة من العالم، او على مستوى العلاقة مع حلفاء واشنطن الغربيين، او على مستوى علاقتهم مع القطب الدولي الاخر، الذي كان ينازعها زعامة العالم أبان ما يسمى الحرب الباردة التي فصلت بين الحرب العالمية الثانية وحرب الخليج (التي عاملها الاعلام الغربي نفسه وكأنها الحرب العالمية الثالثة).

        1- فعلى مستوى التحدي الاول، أي مواجهة القضايا المتصلة بهذه المنطقة من العالم التي اصطلح على تسميتها (بالشرق الاوسط)، والتي تشمل بالاضافة الى الدول العربية كلا من الكيان الصهيوني وتركيا وايران وربما تصل الى بعض اجزاء القارة الهندية.

        في هذه المنطقة هناك قرارات تتصل بالشرعية الدولية التي تعتبرها واشنطن احدى ركيزتين يقوم عليها النظام العالمي الجديد  وهناك مصالح تتصل بالعلاقات بين امريكا وبين بعض هذه الدول وحكامها...

        فالقرارات الدولية تنص بصراحة على حلول معينة لبعض القضايا المطروحة لا سيما قضية فلسطين ومتفرعاتها (الجولان، جنوب لبنان، وقضية قبرص، وقضايا اخرى اقل اهمية), لكن  المصالح الامريكية "تنص" بالمقابل على مراعاة بعض الحلفاء الذين تتضرر مصالحهم من جراء تنفيذ هذه القرارات، بل ان مصالح واشنطن تقتضي احيانا ادامة الازمات لتتمكن بالتالي من ادارتها على نحو يخدم مصالحها السياسية والاقتصادية بل والعسكرية، خاصة تلك المتعلقة بابقاء بؤر نزاع متوترة في العالم ليصار الى تصدير السلاح الامريكي اليها (خاصة اذا علمنا ما للصناعة العسكرية الامريكية  من تأثير في القرار السياسي الامريكي).

        واذا اخذنا الوجه الاخر من المبادئ التي يرتكز عليها النظام الدولي الجديد، وهي احترام حقوق الانسان، لوجدنا ايضا ان واشنطن ستواجه تناقضا كبيرا بين الواقع المزري الذي يحيط بهذه القضية  في العديد من دول المنطقة (التي قد تختلف انظمتها في امور كثيرة، لكنها تلتقي على تجاهل هذه المسألة الحساسة المرتبطة بحرية المواطن وحقوقه الاساسية) وبين حرص واشنطن على صيانة الاوضاع والانظمة والمؤسسات والعلاقات المسؤولة عن هذا الواقع...

        لا بل ان الادارة الامريكية تدرك انه في اللحظة التي يتاح فيها للمواطن العربي والمسلم ان يمتلك حرياته الاساسية وحقوقه الانسانية البسيطة، فانه سيسعى بالضرورة الى طلب الوحدة مع اشقائه في الاقطار  العربية والاسلامية الاخرى، والى طلب الاستقلال السياسي والاقتصادي والعسكري الكامل، والى السعي لتغيير واقعه السياسي والاجتماعي والاقتصادي وكلها طلبات موجهة بشكل مباشر ضد المصالح الامريكية الاستراتيجية القائمة على تثبيت التجزئة وتكريس الهيمنة السياسية والاقتصادية والامنية لها.. وترسيخ الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي الراهن.

        فكيف ستوفق واشنطن اذن بين المبادئ التي ادعت انها ركائز النظام العالمي الجديد، وبين مصالحها وعلاقاتها وتحالفاتها المتناقضة بوضوح مع هذه المصالح والمبادئ.. هل ستتخلى عن مصالحها لصالح المبادئ؟! وهل ستتنكر بوضوح لهذه المبادئ للحفاظ على مصالحها؟! ام انها ستلجأ الى خيار ثالث يحافظ على المصالح ولا يبدو متنكرا للمبادئ؟!

        ما هو ذا الخيار، الذي يبدو ان واشطن قد اجادته قبل ازمة الخليج، وستطوره وتوسعه بعد حرب الخليج.

        انه خيار ابقاء هذه المنطقة في فوضى عارمة وايجاد ظروف واوضاع في هذه المنطقة تجعل من غير الممكن مطالبتها بتنفيذ التزاماتها (حروب اهلية نشهد طلائعها حاليا في العراق ، منازعات حدودية، تناقضات وتوترات داخل الانظمة نفسها لاضعافها اكثر، الخ). فهذا الخيار الذي يسمح لواشنطن ان تبقى  مصالحها محمية، وتحالفاتها مصانة، دون ان تكون مضطرة الى التخلي عن دعاواها المبدئية وتصريحات مسؤوليها اليومية المتحدثة عن الشرعية الدولية وحقوق الانسان بلا كلل ولا ملل.

        واذا احتاجت هذه الحالة الفوضوية العامة( المسيطر عليها امريكيا  والمنظمة بحدودها النهائية) الى بعض التجميل لارباك الراغبين في الحصول على رؤيا واضحة لطبيعة المرحلة، فلا بأس من بعض الخطوات "التجملية" في هذا الموقع او ذاك، وهي خطوات تحمل طابع "التخدير" اكثر مما تحمل طابع المعالجة الجراحية الجادة...

        لكن مثل هذه الفوضى الداخلية ستفسح في المجال ايضا  لنمو قوى، وبروز تكتلات، وحصول مداخلات اقليمية ودولية، يحولها الى نار محرقة ليس للدول والكيانات داخلها، بل حتى للوجود الامريكي نفسه، الذي يتأجج الحقد الشعبي ضده يوما بعد يوم.

        ولعل التجربة اللبنانية، على قسوتها ومرارتها، هي الاكثر تعبيرا عن هذا الواقع، فالفوضى التي عاشها لبنان طيلة سنوات الحرب الاهلية، كانت في نظر اللبنانيين مرتبطة بالسياسة الامريكية التي لا تريد لطرف محلي او اقليمي ان يحسم الصراع لمصلحته، بل كانت تشجع الجميع على ادامة الصراع، لكي تتمكن من الاستمرار في ادارة الازمة واخضاع الجميع لشروطها... ان انكشاف هذه السياسة قد ادى الى اجماع شعبي قلّ نظيره في لبنان، معاد للسياسة الامريكية، بل ومتحمس  لكل من يتصدى لواشنطن.

2- وعلى مستوى التحدي الثاني أي التحدي النابع من داخل التحالف الغربي ذاته، فافضل ما يلخصه هو قول لرئيس وزراء ياباني سابق: النظام الدولي الجديد هو ان امريكا تأمر، واليابان والمانيا تدفعان.

كما يوضحه ايضا حديث بعض الذين رافقوا اجراء العقود لاعادة اعمار الكويت، كم كانت حصة الشركات الفرنسية والبريطانية والاوروبية عموما ضيئلة من هذه العقود... ولاحظوا انها جاءت حتى دون نسبة مشاركة هذه الدول في قوات التحالف الدولي.

فحكمة السياسي الياباني، وصورة الحصة الاوروبية من مليارات اعمار الكويت، تلخصان حجم التناقض المضمر بين واشنطن وبين حليفاتها في معسكر "النظام الاقتصادي الحر".

واذا كان الكثير من المحللين، رأى في كل ما جرى في الخليج محاولة امريكية للسيطرة على نفط هذه المنطقة، وللسيطرة من خلال ذلك على العالم بأسره، ولا سيما المانيا واليابان، فان هذه الحقيقة التي لم تتح لها ازمة الخليج، وما رافقها من التباسات وتفاعلات، ان تعبر عن نفسها، ستفرض نفسها ولو بالتدريج بشكل مقاومة اوروبية ويابانية متصاعدة للهيمنة الامريكية.

صحيح ان واشنطن ما زالت في موقع القادر على التحكم بهذا النوع من المعارضة او المقاومة في المدى المنظور، لكن الصحيح ايضا ان واشنطن لا تستطيع التحكم الى ما لا نهاية بكافة المتغيرات والتطورات وبالتالي بامكانية استغلالها من قبل بعض حلفائها لتعزيز مواقعهم على حساب الدور الامريكي المهيمن.

لذلك ستعمد واشنطن إما الى ان تشرك هذه القوى الحليفة معها في القرار والاستثمار على حد سواء ، ( وهو ما لا تستطيع ان تفعله واشنطن  نتيجة ضيق الهامش الاقتصادي والمالي الذي باتت تتحرك ضمنه وتزايد الاعباء الاقتصادية والتجارية على خزينتها وادائها الاقتصادي) او الى تجاهل هذه القوى وادارة الظهر لها ولمصالحها مما سيدفعها الى التكتل وايجاد تحالفات دولية جديدة لكي تحاصر النفوذ الامريكي المستشري..

ومن هنا فقد تلجأ واشنطن في علاقتها مع دول التحالف الى الخيار نفسه الذي اعتمدته في علاقاتها مع دول المنطقة العربية والاسلامية، (وهو خيار تشجيع الفوضى في علاقات هذه الدول بعضها مع بعض، وداخل كل دولة)، وتعميق الانقسامات الاوروبية وهو امر لا يساهم في خلق نظام جديد بل فوضى عالمية جديدة.

3- التحدي من خلال الخصم التاريخي السابق. لا شك ان الادارة الامريكية لدى حسابها الربح والخسارة في ازمة الخليج، تضع في رأس خسائرها التطورات التي جرت وما تزال داخل الاتحاد السوفياتي ، بدءا من استقالة وزير الخارجية السوفياتي شيفارنادزة (وربما اقالته) الى عودة التيار المتشدد الى الواجهة السياسية، الى هزيمة بعض دعاة التمرد والانفصال في جمهوريات البلطيق ، الى الحديث المتجدد عن احتمالات عودة الحرب الباردة.

وعلى الرغم من خطأ التسرع في الحديث عن تحول سوفياتي جدي عن الخط الذي كان منتهجا في السنوات القليلة الماضية، لكن من الخطأ ايضا عدم رؤية بعض المؤشرات الهامة داخل الاتحاد السوفياتي التي تشير الى تصاعد دور القوى المعارضة لذلك النهج، والى تزايد نفوذها وان لم يصل هذا النفوذ الى مرحلة حاسمة.

لقد ادت ازمة الخليج، وما رافقها من غطرسة امريكية وتجارب لكل انواع الاسلحة التي كانت معدة اصلا لمواجهة مع السوفيات في شرق اوروبا، بالاضافة الى انكشاف عجز ما يسمى بالمساعدات الاقتصادية الغربية عن انقاذ الاقتصاد السوفياتي، كما كان مأمولا، ناهيك عن التهديدات الاستراتيجية التي بات يتعرض لها لاتحاد السوفياتي سواء من الغرب، او من الجنوب (بعد التواجد الامريكي في الخليج)، الى ايجاد مناخ جديد نسبيا  داخل الاتحاد السوفياتي سمح بخروج مظاهرات تؤيد الجيش الاحمر وتتهم يلتسين (قائد تيار الانفتاح على الغرب) بانه خادم للصهيونية.. واذا اضفنا الى هذه العوامل، المشاعر الملتهبة للولايات المتحدة التي حركت ابناء الجمهوريات الاسلامية في الوسط السوفياتي والجنوب ( وهي التي باتت شديدة الاهمية والحساسية بالنسبة لمنطق الوحدة داخل الاتحاد السوفياتي بعد الاستفتاء الاخير) ادركنا ان فكرة النظام الدولي الجديد القائمة على الانفراد الامريكي بالهمينة، قد تهتز ايضا بفعل عودة غير بعيدة للاتحاد السوفياتي للعب دور على المستوى الدولي.

ومن هنا فان الادارة الامريكية ستلجا من جديد الى تحريك الفوضى داخل بلدان شرق اوروبا (لا سيما داخل الاتحاد السوفياتي) بهدف شل أي اتجاه يطمح الى استعادة السوفيات لدورهم العالمي.

*              *              *

في مواجهة هذه التحديات الثلاثة نجد ان الخيار الامريكي الحقيقي ليس بناء نظام عالمي جديد تسيطر عليه، ولكن  في قيام فوضى عالمية "منظمة" تحاول ان تمسك واشنطن باطرافها.. وان تظهر حاجة الجميع فيها الى مساعدتها، وان تمارس خلالها ارقع مستويات الابتزاز السياسي والاقتصادي. لكن اذا كان من السهل ان تعرف واشنطن متى وكيف تبدأ بالفوضى في هذه المنطقة  من العالم او تلك لكنها لا تعرف متى وكيف تنهيها، واذا عرفت اين تبدأ بها، فهي لا تعرف بالأكيد اين سيصل شررها ولهبها.

غير ان سلاح واشنطن الاقوى في كل هذا ، هو انها نجحت في ان تشيع في كل مكان انها سيدة العالم، وان الجميع بتصرفهم معها على اساس انها سيدة العالم بتوجونها بالفعل كسيدة للعالم.

ولقد جاءت حرب الخليج لتعطي واشنطن القدرة على الظهور بمظهر المهيمن فعلا على العالم، والمتمكن فعلا من تأديب أي متمرد... لكن حرب الخليج بالمقابل اظهرت، انه اذا نجحت واشنطن في الاستفادة من اخطاء وقعت بها القيادة العراقية، ومن ظروف شديدة التعقيد ومحاطة بالعديد من الملابسات التي رافقت تلك الحرب فحققت اجماعا دوليا ومشاركة عسكرية واسعة لها، فان مثل هذه الفرصة لن تتكرر دائما.. بل على العكس تماما ربما ستواجه  واشنطن في حروب مقبلة لفرض هيمنتها شروطا للمعركة اصعب، وجبهة من الدول متراصة يصعب عليها حينها الاستفراد بواحدة منها... وارهاب العالم باسره من خلال الانقضاض عليها.

واذا كان البعض يرى في ما جرى في الخليج تأكيدا على لا محدودية القوة الامريكية في مجالات السياسة والاعلام والعمليات العسكرية، فانني من الذين يعتقدون ان هذه الحرب كشفت محدودية هذه القدرة، وبالتالي كشفت ان شروط مواجهتها، اذا احسن تجهيزها سياسيا واعلاميا وعملياتيا، ليست مستحيلة الانجاز.

 



*  مقالة نشرت في  مجلة المنابر  العدد (60)  عام 1991

 

top of the page