hd    
 

معاداة إسرائيل ليست أكثر من لعبة مفضوحة
الاستبداد العربي أكبر حليف لإسرائيل!

د. فيصل القاسم

لا يغرنكم العداء العربي الرسمي لإسرائيل، فهو عداء صوري للاستهلاك المحلي لا أكثر ولا أقل وغير مقصود للتطبيق على أرض الواقع في معظم الأحيان، لكن ليس بسبب الضعف العربي بل لأن الذين يتظاهرون بالعداء للأعداء لا يريدون تطبيقه أصلاً، والويل والثبور وعظائم الأمور لمن يحاول وضع ذلك العداء موضع التنفيذ فإنه سيلقى عقاباً مريراً. إنه مجرد حبوب لتخدير الجماهير أو تفريغ شحناتها النضالية في الهواء الطلق بدلاً من تحضيرها فعلاً لمعركة التحرير الحقيقية. وهناك الكثير من الإشارات لأولى الألباب على أن معاداة إسرائيل ليست أكثر من لعبة مفضوحة. فلو كانت الأنظمة العربية تعادي العدو فعلاً لعاملت شعوبها بطريقة مختلفة تماماً ولما وضعتها تحت الأحذية الثقيلة لعشرات السنين ولما نزعت منها كل قيم النخوة والمواجهة والتحدي والمقاومة. لاحظوا كيف أن الشعوب العربية الوحيدة التي أبلت بلاء حسناً ضد إسرائيل هي التي لا تحكمها أنظمة ولا تقودها حكومات. لقد أخصوا مجتمعاتنا وحولوها إلى زرائب للأغنام وحظائر للنعاج وأقنان للدجاج. وكل ما يستطيع الدجاج فعله هو الرضوخ لسكين الذبح أو في أحسن الأحوال إطلاق صيحات "البقبقيق". وما أدراك ما البقبقيق! ولا شك أن أعداءنا ممتنون جداً للمستبدين العرب على جميلهم الذي لا يقدر بثمن.

يقول الكاتب الإسرائيلي آلوف بن في مقال له معلقاً على فوز حماس في صحيفة (هآرتز) بعنوان: "موجة من الديمقراطية تضع إسرائيل في مواجهة الشارع العربي": "قامت سياسة إسرائيل الإقليمية على ترتيبات وعلى توازن للرعب مع الديكتاتوريين العرب. لقد نُظر إلى سلطتهم على أنها حاجز طبيعي يقي إسرائيل من غضب الرعاع في الشارع العربي. على هذا الأساس، تمت اتفاقية السلام مع مصر والأردن، ومع ياسر عرفات وورثته، وهكذا كان الأمر بالنسبة إلى قانون اللعبة مع البقية." ويحذر آلوف الولايات المتحدة من محاولة "نشر الديمقراطية دون رقيب"، مما أدى إلى وصول "حماس" إلى السلطة. أما أسوأ ما سيحدث لإسرائيل فهو أن تضرب موجة الديمقراطية الأردن، "حليف إسرائيل الاستراتيجي"، ومصر، "التي تملك قنابل أف - 16، ديمقراطية دون رقيب"! يا لها من كارثة! إسرائيل إذن، كما يجادل أسامة عجاج المهتار، مع الديكتاتورية للعالم العربي قلباً وقالباً. فإن كان لا بد من الديمقراطية فلا بأس، شرط أن تزور نتيجتها لصالحها سلفاً. أما أن تُعطى شعوب العالم العربي فرصة للتعبير عن رأيها بحرية فهذا "أسوأ" ما يمكن أن يحصل.

لقد بنى قادة إسرائيل كل استرتيجياتهم السياسية والعسكرية والاقتصادية للهيمنة على المنطقة والتحكم بها على دعم الخيار الديكتاتوري في العالم العربي، فهو الأنجع والأسلم بالنسبة للصهيونية والأكثر قدرة على تلبية حاجاتها واستتباب الأمن والهدوء لها، فهو يقايض فساده ووحشيته وتشبثه بالسلطة بتلبية المتطلبات الإسرائيلية المتمثلة أولاً وقبل كل شيء بكبح جماح الشارع ووضعه تحت النعال كي تنام إسرائيل قريرة العين، (إلا ما رحم ربي حيث دعمت بعض النظم العربية حركات المقاومة مثل حزب الله وحماس). وفي اللحظة التي يتعرض فيها هذا النظام الطغياني العربي لأي هزة ستهرع إسرائيل لإعادة الأمور إلى نصابها.

من هنا فإن لإسرائيل والأنظمة مصلحة مشتركة في أن تبقى هذه الشعوب خانعة ومستلبة. إنه حلف الأحلاف الذي يحارب من أجله هؤلاء بالنواجذ والأنياب لبقائه على قيد الحياة.

إذن هي معادلة واتفاق شرف وجنتلمان، وإن كان غير معلن، بين هذه الأنظمة وإسرائيل والقاضية بمقايضة الاستبداد بالبقاء، وكلما أمعنت هذه الأنظمة في القمع والطغيان كلما حصلت على درجات عالية في تقييم الأداء السياسي، ورضا ممن يدير لعبة الشطرنج غير المتكافئة هذه، وبالتالي تفويضاً أطول للاستمرار. وكان أحد شروط هذه المعادلة زرع التخلف، وإنتاج الفقر، وتغريب المجتمعات وإضعاف القدرة على المقاومة وتقويض الأسس التي تقوم عليها الدول الحديثة ونشر الفساد على أوسع نطاق ، لكي تبقى إسرائيل الوحيدة القوية في الميدان. وهاهي تلك المعادلة تؤتي أكلها بأن أصبحت إسرائيل "سوبر بوار" في هذه المنطقة، بينما تداعت تلك الدول والأنظمة الفتاكة وأصبحت شراذم وكيانات ضعيفة مفككة وهشة تصارع من أجل البقاء. ومهما تفعل إسرائيل فلن تكون قادرة على أن تكافئ هذه الأنظمة على هذا الإنجاز "العظيم".

ولا تغترن بمدح تل أبيب للديمقراطيين والليبراليين العرب وتشجيعهم ومدهم بالدعم الإعلامي والمادي، فهي مجرد لعبة مكشوفة لابتزاز الأنظمة الاستبدادية كي تجود بالمزيد من التنازلات والخدمات لأمريكا وربيبتها. ومن السخف والسذاجة أن يعتقد الليبراليون العرب أن إسرائيل أو أمريكا تفضلهم على الديكتاتوريين، فهم ليسوا أكثر من أدوات ضغط لتحقيق غايات معينة، وفي اللحظة التي تتحقق فيها تلك الغايات سترميهم في سلة المهملات، فالحليف في المفهوم الغربي، كما هو معروف، كالمنديل الورقي حيث يكون في الجيب قريباً من القلب قبل الاستعمال ويـُرمى في الزبالة بعد الاستعمال . فآخر ما تبتغيه إسرائيل والغرب في منطقتنا هو انتشار الديمقراطية أو تشجيع الليبرالية. وقد رأينا كيف تستخدم واشنطن دعاة الديمقراطية والمجتمع المدني في مصر مثلاً كفزاعة لابتزاز النظام الحاكم ودفعه لمزيد من الرضوخ لا أكثر ولا أقل. ولو كان الأمريكيون والإسرائيليون يريدون الديمقراطية للمصريين لرأينا المعارضين الآن في الحكم حتى لو بالتزوير كما حدث في "العراق الجديد"، فكل الأمور تسير بالتزوير عندنا على عينك يا تاجر دون أي خجل أو وجل. لكن العكس قد حصل فقد تم ترتيب الانتخابات ونتائجها لبقاء النظام الحاكم.

وأرجو لا يتنطع أحدهم ليقول إن إسرائيل هي التي شجعت أمريكا على التخلص من نظام صدام حسين في العراق بسبب ديكتاتوريته، فالنظام العراقي السابق لا يُعاقب على استبداده بحق العراقيين بل كان ضحية مخططات أمريكية كبرى لا علاقة لها لا من بعيد ولا من قريب بمسألة نشر الديمقراطية. ولعلنا نتذكر أن الغزو الأمريكي للعراق كان بسبب ما يسمى بأسلحة الدمار الشامل وليس لنشر الديمقراطية. وقد راح الأمريكيون يروجون للخيار الديمقراطي فقط بعد أن انفضحت أهداف غزوهم المتمثلة في السيطرة على منابع النفط. ومن سخرية القدر أن وزارة الدفاع الأمريكية حاولت لاحقاً أن تجمـّل غزوها للعراق بأن أسمته"عملية تحرير العراق Operation Iraq Liberation". لكن الأحرف الأولى من الكلمات الثلاث التي تتكون منها التسمية كما هو واضح شكلت كلمة تفضح كل المخطط الأمريكي في العراق. إنها كلمة "OIL" أي النفط، فتم استبدال التسمية على الفور. باختصار فإن التشدق بتحرير العراق من الظلم والاستبداد كذبة لا يتحملها التاريخ ولا شك أنه سيعاملها بالطريقة التي تستحقها ألا وهي الاحتقار والازدراء. فبدلاً من صدام واحد أصبح لدى العراقيين عشرات الصدامات وهو ما يصب في النهاية في صالح المخطط الإسرائيلي الأمريكي الداعم للديكتاتورية والاستبداد. وصدقوني لن تعمل إسرائيل على الإطاحة بأي نظام ديكتاتوري عربي إلا إذا وجدت بديلاً أكثر طغياناً وشمولية. فالديمقراطية خط أحمر!!

وكي نزيل الغشاوة عن عيون المنبهرين بالدعوات الأمريكية والإسرائيلية لدمقرطة المنطقة وتخليصها من ربقة الشمولية والاستبداد أود فقط أن أذكـّر بما قاله أحد السياسيين الإسرائيليين ذات مرة. فقد سئل عن دور إسرائيل بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وانتهاء مهمتها في مواجهة الشيوعية والمد الاشتراكي في المنطقة العربية فأجاب بكلمات تتطابق تماماً مع كلمات الكاتب الإسرائيلي آلوف بن المذكور آنفاً: " إن أحد أهم مهام إسرائيل في المستقبل هو حماية الأنظمة العربية من السقوط" أمام أي ثورات شعبية أو انقلابات جماهيرية. أي أن هناك تحالفاً عضوياً مفضوحاً بين الديكتاتورية والصهيونية في المنطقة العربية. لا تتعجبوا! فإن الشغل الشاغل لعدوتنا "الحبيبة" هو حماية طغاتنا وجلادينا وفاسدينا ومعذبينا وهادري ثرواتنا وكراماتنا. وكل من يقول لكم عكس ذلك يكذب عليكم. "قالوا الجمل طلع النخلة، قال هذا الجمل وهذي النخلة."

إن حالة العجز والهوان والاستكانة الشعبية في العالم العربي ليست سوى مؤشر على ما هو مطلوب إسرائيلياً وأمريكياً. لقد غصت سجوننا العربية الغراء بالمناضلين الحقيقيين ودعاة الديمقراطية والتحرر فقط من أجل عيون العدو. وإذا أراد أحدكم أن يقول لي انظر إلى الفلسطينيين الذين حققوا الديمقراطية رغماً عن أنف تل أبيب وواشنطن أرد بالقول: "وهل شاهدتم الرد الأمريكي والأوروبي والإسرائيلي على فوز ممثلي الشعب الحقيقيين في انتخابات فلسطين؟" لقد صنفوهم فوراً على أنهم إرهابيون غير جديرين لا بالحرية ولا بالديمقراطية.

ستظل إسرائيل وأمريكا تشجعان الديكتاتوريات في عالمنا العربي طالما بقيت الشعوب راضية بدوس كرامتها وتقليم أظافرها والانصياع لبساطير الطغاة وحجاجيهم. فلا تحلموا بتحقيق الديمقراطية الحقيقية أو تحرير الأرض إلا بعد أن تتحرروا من نير الطغيان والاستبداد ودفنهما إلى غير رجعة، فهما أكبر حام وضامن لإسرائيل. ولعلكم تتذكرون أن عنترة بن شداد لم يصبح بطلاً إلا بعد أن تخلص من عبوديته، فعندما طلب منه أبوه أن يقاتل قال قولته الشهيرة: "العبد لا يكر يا أبتي"، فقال له: "كر فأنت حر"، فانطلق يقاتل بشكل أسطوري. وقد صدقت زميلتي الكاتبة البارعة حياة الحويك عطية عندما عنونت إحدى مقالاتها الأخيرة:"لا يحررها إلا أحرارها". ومعاذ الله أن يكون طغاتنا أحراراً إلا في التنكيل بالشعوب والأوطان وجعلها لقمة سائغة في فم الأعداء والطامعين.

 

 
  Back to top