hd

العقل العربي حين يحمل ماركسيته الى الليبرالية: معقل زهور عدي 

معقل زهور عدي

 
 

Courtesy of Syria Alghad Political news: 19 03 2006

 
 

في انتقاده للبكداشية في السبعينات لاحظ المفكر الياس مرقص كيف يعيد العقل المتخلف انتاج الماركسية على طريقته لتغدو ماركسية متخلفة، جوفاء، تشبه مجموعة من المزامير التي تقرأ على واقع ما انفك يبتعد عنها كل يوم.

مانراه اليوم لدى تيار من المثقفين في سورية وهو تحديدا اليسار الليبرالي هو في أحد مضامينه ترحيل لعقل ماركسي لم ينضج في أي وقت الى الليبرالية دون ان يكلف ذلك العقل نفسه النظر في ذاته كطريقة في التفكير.

المفارقة أن معتنقي الليبرالية الجدد من الماركسيين القدامى يتصرفون وكأنه لاعلاقة لهم بفكرهم القديم دون نقده، وحين يشرحون أفكارهم الجديدة لا يلاحظون انهم يعودون لاستخدام أدواتهم الفكرية القديمة التي تبرؤوا منها. النتيجة ليبرالية مؤدلجة تفتقد الكثير من الحساسية للواقع، فقد تم استبدال العنوان (اللصقة) بينما بقيت طريقة التفكير على حالها. من أجل ذلك يتم تقديم الليبرالية كعقيدة جديدة مكتشفة، ويصبح الحل في اعتناقها، اما الباقي فتفاصيل.

هكذا تبسط الليبرالية ليس بوصفها انتعاشا لقدر من التحرر في التفكير في المسلمات يحتاجه العقل ليشحذ سلاحه، ولكن بوصفها ايديولوجية بديلة متكاملة تمتد مملكتها من الفكر الى الاقتصاد الى السياسة... وحتى الفن (ربما). ومثل اية ايديولوجية محترمة لا يجوز الأخذ بجزء منها وترك الآخر، مثلا لا يجوز الأخذ بها في السياسة وتركها في الاقتصاد.

لنتأمل هذه العبارة (من يسيطر على وسائل الانتاج يسيطر على الانتاج، ومن يسيطر على الانتاج يسير العلاقات الانتاجية أي الاجتماعية .....لذا فالعمال هم آخر من يتمرد على الدولة الشمولية).

توضح العبارة السابقة كيف تستخدم الأدوات الماركسية بطريقة ايديولوجية للوصول الى استنتاجات متسرعة، لكن هذه المرة ليس في خدمة الفكرة الاشتراكية بل في خدمة الرأسمالية!

المسألة أعقد من ذلك فالعمال في سورية هم بين أكثر الفئات تضررا بالمسار الذي انحدرت فيه تجربة رأسمالية الدولة لتصبح محكومة أولا بالبيروقراطية الحزبية وتاليا ببيروقراطية النهب والفساد المستندة للاستبداد السياسي.

ولأن النهب يستند في احد مرتكزاته الأساسية الى سرقة عمل تلك الفئة باعطائها أجرا لا يتناسب مع قيمة عملها والمحافظة عليه بواسطة ادوات الهيمنة والقمع.

لكن مشكلة تلك الفئة الواسعة أنها مقيدة بقيدين ثقيلين، الاستبداد من جهة والفقر من جهة ثانية. لذا من الطبيعي ان يكون تحركها أكثر صعوبة. ولننظر الى عمال القطاع الخاص، هناك حوالي مليونان ونصف المليون من العمال لدى القطاع الخاص اليوم يتم استغلالهم بشتى الأشكال دون ان يستطيعوا الدفاع عن أنفسهم بسبب واقع الاستبداد السياسي الذي حرمهم من حق تكوين نقابات مستقلة (هم محرومون من التسجيل في التأمينات الاجتماعية، ودفع اجور أيام العطل الاسبوعية، والاجازات السنوية، وأيام العطل بمناسبة الأعياد).

من التبسيط ربط الاستبداد ربطا ميكانيكيا بعلاقات الانتاج المعممة فوق الزمان والمكان. كان فرانكو ديكتاتورا مخيفا حكم اسبانيا ثلاثين سنة وجاء للحكم فوق دماء اليسار الاسباني ومن أجل الانتصار للرأسمالية وكذلك بينوشية وغيرهم .

الليبرالية ليست نظرية متكاملة للحياة والتفكير والاقتصاد بحيث لا يمكن أخذها الا بوصفها كذلك أو تركها. هذا ببساطة اسقاط العقلية الايديولوجية على الفكرة الليبرالية.

اليسار الليبرالي لا يهتم بالواقع قدر اهتمامه بنسج شبكة من المفاهيم النظرية غير الناضجة حول فكرة الليبرالية للنفخ فيها لتصبح ايديولوجية.

في السياسة مثلا لا يريد ان يرى من السياسة الأمريكية جانب الهيمنة، بغض النظر عما تكتبه مراكز الدراسات الأمريكية ويصرح به المسؤولون وصناع القرار بل بغض النظر عن الممارسات الواقعية في أفغانستان والعراق التي تفقأ العين، هو لا يرى في السياسة الخارجية الأمريكية سوى ان أمريكا تجد مصلحتها في تعميم الديمقراطية في المنطقة العربية ويصدق ذلك وبذلك فهو يلتقي معها ونقطة أول السطر.

في الاقتصاد (لا توجد منطقة وسطى ما بين الجنة والنار) فاما الرأسمالية دون قيد اوشرط تطبيقا للعقيدة الليبرالية أي الراسمالية بصيغتها الأكثر تحررا (أكثر تحررا ربما من أمريكا ذاتها) أو الاشتراكية التي أصبح مجرد التفكير بها نزعة (رجعية).

لنتأمل هذا العمى الايديولوجي حين يتم اسقاط وازدراء كل التجارب الانسانية سواء منها التي نجحت اولا ثم اجهضت أو تلك التي ما زالت ماثلة للعيان في بلدان الاشتراكية الديمقراطية الأوربية والتي تمثل نموذجا مختلفا عن الرأسمالية الأمريكية أو حتى الصين، وكذا التوجهات الجديدة في أمريكا اللاتينية.

وفي المجتمع حين ينظر بازدراء للطبقات الشعبية فقط لكون الماركسية التي هرب منها تيار اليسار الليبرالي للشاطىء الآخر تهتم بتلك الطبقات لرفع الظلم عنها ولدورها في الصراع الاجتماعي.

أما في الثقافة فالمهمة الكبرى لليسار الليبرالي هي نسف كل المفاهيم (ما ـ قبل الليبرالية) وخارجها مثل القومية ، الاشتراكية ، الانتماء والهوية ، الوطنية، الاسلام ..الخ.

هكذا تصبح الفكرة الليبرالية آلة تحطيم غايتها الا تبقي حجرا على حجر داخل الفكر العربي ليستعيد تكوينه على أساس وحدانية العقيدة الليبرالية.

وفي حين تبرز الليبرالية الجديدة (اليسار الليبرالي) مقدرتها في التحطيم عبر الهجوم المستند لمنطق يعتمد التثاقف والسخرية، فهي تظهر فشلا وعجزا واضحين في النقد المتماسك وفي عرض بديل واضح ومقنع.

لكن ذلك لا يفعل سوى في دفع اليسار الليبرالي بعيدا في عزلته واغترابه عن روح الشعب وهموم المجتمع، ويبقيه تيارا ضحلا يصب فيه ما أفرزه الانتكاس في الواقع العربي من يأس وتخاذل، ورغبة لدى البعض في الالتحاق بالطرف الذي بدا لوقت ما انه المنتصر والأقوى وتبرير تلك النزعة تبريرا لا يرضى بأقل من ايديولوجية جديدة.

 
  Back to top