السقوط الانساني العربي المخجل

2005/01/05


عبد الباري عطوان


التعاطف العربي، الرسمي منه والشعبي، تجاه كارثة الزلزال الذي ضرب دول جنوب شرق آسيا جاء مخيبا للآمال بكل المقاييس، بل يبعث علي الخجل، فالمساعدات كانت شحيحة، والتجاوب الشعبي والاداء الحكومي كانا مؤسفين.
فمن كان يصدق ان دولة ثرية مثل المملكة العربية السعودية يدخل خزينتها مئة مليار دولار سنويا من العوائد النفطية ترصد عشرة ملايين دولار كمساعدات (رفعتها لاحقا الي ثلاثين مليونا وهو رقم صغير ايضا) ودولة مثل الكويت تملك استثمارات خارجية تفوق المئة مليار دولار، وعوائد نفطية سنوية في حدود الثلاثين مليار دولار، ولا تتبرع الا بمليون دولار فقط، اي خمس ما تبرعت به تايوان، واقل من البرتغال. وواحد علي مئة مما دفعته ايطاليا (مئة مليون دولار) وربما يفيد التذكير بان اميرها تبرع بمليوني دولار من اجل انقاذ حيوانات حديقة لندن. وما يقال عن الكويت يقال ايضا عن قطر (25 مليون دولار) والامارات (20 مليون دولار) مع الفارق في الارقام طبعا.
فهل يعقل ان دولة واحدة مثل النرويج بالكاد يصل عدد سكانها الي الخمسة ملايين نسمة، وليست لها اي علاقة بالعالم الثالث، تقدم مئة وواحدا وثمانين مليون دولار، اي ضعفي ما قدمته الدول العربية مجتمعة؟
وربما يفيد التذكير بان الغالبية الساحقة من ضحايا هذه الكارثة الانسانية هم من المسلمين، وخاصة من ابناء اندونيسيا، فأين كل هذه المعلقات التي ظللنا نسمعها من السعودية والكويت والدول العربية الاخري، التي تتغني بالتضامن الاسلامي والعمق الاسلامي والاخوة الاسلامية؟!
لو كانت الدول العربية والخليجية منها بالذات، فقيرة، لوجدنا لها العذر، ولكنها لا تعرف اين تذهب بأموالها، خاصة بعد ارتفاع اسعار النفط الي معدلات قياسية في العامين الماضيين بفضل المقاومة في العراق وفلسطين.
فاذا كانت هذه الدول لا تريد التبرع لدعم المقاومة العراقية او الفلسطينية، خشية اغضاب امريكا، ومواجهة الاتهامات بدعم الارهاب، فلتتبرع لدعم المنكوبين في هذه الكارثة البشرية، وليكن هذا التبرع كزكاة عن اموالها واستثماراتها.
وحتي لا نتهم بأننا نعادي الخليج والخليجيين، نقول بان وضع الدول العربية غير الخليجية تجاه هذه الكارثة لم يكن افضل حالا، فليبيا التي اهلكتنا بثوريتها واممية زعيمها، لم تتبرع الا بمليوني دولار، رغم ان عوائد النفط تدر عليها عشرين مليار دولار سنويا، ولم تقدم مساعدة لأي دولة عربية او اسلامية منذ عشر سنوات بحجة الحصار. والشيء نفسه يقال ايضا عن الجزائر التي قدمت مبلغا مماثلا!
رجال الاعمال والاثرياء في الغرب يتسابقون علي تقديم التبرعات، بينما لم نسمع عن مليونير او ملياردير عربي واحد تبرع بمبلغ ذي شأن لهؤلاء الضحايا. وكأنهم في عالم آخر، ليست لهم علاقة بعالمنا، يكنزون الاموال، ويفتقد معظمهم الي اي ضمير حي او ميت.
الملياردير الامريكي تيرنر تبرع بنصف ثروته، اي حوالي مليار وربع المليار دولار للقضايا الانسانية، اما بيل غيتس فرصد مبلغا مماثلا، وخصص نسبة من ارباح شركته مايكروسوفت للمنظمات الانسانية، اعطوني اسم ملياردير عربي فعل الشيء نفسه او ما يشابهه، ومن منطلقات انسانية محضة، وليس من اجل الشهرة.
التفسير الوحيد هو ان معظم هؤلاء الاثرياء العرب بنوا امبراطورياتهم المالية من المال الحرام، ومن العمولات في صفقات مشبوهة، وغالبا من تجارة الاسلحة، او من خلال عملهم كواجهات لامراء او مسؤولين فاسدين. اي انهم لم يكونوا ثرواتهم بالطرق المشروعة، ونتيجة عصامية اقتصادية، مثلما هو حال معظم الاثرياء في العالم.
من المفترض ان يثبت العرب شعوبا وحكومات انهم قمة الكرم والانسانية، وان يظهروا أعلي درجات التعاطف مع هذه الشعوب المنكوبة بكل الطرق والوسائل، وان يكونوا في المقدمة، لان هذه الشعوب، علاوة علي كونها اسلامية، وقفت دائما الي جانب هذه الأمة وقضاياها، ولكنهم لم يفعلوا، او ما فعلوه جاء اقل من القليل.
المسلمون في الهند وباكستان وماليزيا واندونيسيا يتظاهرون بصفة دورية دعما لقضايانا، وضد الجرائم الامريكية في العراق والاسرائيلية في فلسطين، بينما لم نتعاطف مطلقا مع قضاياهم، وننظر اليهم نظرة عنصرية متعالية فيها الكثير من الغطرسة والاحتقار، ونعامل رعاياهم في بلادنا بطريقة فظة ظالمة، رغم ان هذه الدول حققت قفزات عريضة علي صعيد التقدم الاقتصادي والعلمي والسياسي، ولديهم الكثير مما يجعلهم اكثر فخراً مما هم عليه الان من اخلاق حميدة واحترام لنا.
فالهنود الذين نعاملهم بازدراء في الخليج العربي طوروا اسلحة نووية، واقاموا اكبر ديمقراطية في العالم، وقدموا مثلا رائعا في التعايش بين الاقليات العرقية والدينية، واسسوا قاعدة راسخة للتعدد الثقافي، وسيريلانكا التي باتت مرتبطة في اذهاننا بالخدم تعتبر من نمور آسيا الاقتصادية الواعدة، وتعيش تجربة ديمقراطية مشرفة، ويتم فيها انتقال السلطة بشكل سلمي، ومن خلال تعددية حزبية حقيقية.
ما يبعث علي الاسف ان سيريلانكا رفضت مساعدات وفرق اغاثة اسرائيلية رغم حاجتها الماسة لكل فلس، وكل قطرة دواء، احتراما لمشاعر العرب، وتضامنا معهم وقضاياهم، بينما لم يبادلها العرب، حكومات وشعوبا، الشعور نفسه، بل احرجوا حكومتها بتهافتهم علي التطبيع وتوقيع اتفاقات تجارية واقتصادية مع اسرائيل.
ان المرء بات يشعر بالخجل لكونه عربيا، فرجال الاعمال العرب، او بعضهم، او حتي بعض اتباعهم ينفقون الملايين في سهرات ماجنة، بينما لا يحركون ساكنا تجاه قضايا امتهم، ناهيك عن قضايا العالم الاخري. اما المسؤولون العرب فلا يترددون في انفاق المليارات علي شراء صفقات اسلحة، ليس لاستخدامها وانما من اجل عمولاتها.
لقد فشلنا كعرب في الحروب، مثلما فشلنا في السلام، وسقطنا في كل امتحانات الديمقراطية وحقوق الانسان، وها نحن نضيف فشلا جديدا، في القضايا الانسانية.. الف مبروك!



Top of the Page