بشور يدعو من حلب الى مراجعة شاملة لمحاور الفكر القومي العربي

ويغادر الى الجزائر تحضيرا للدورة الخامسة عشرة للمؤتمر القومي

         عاد السيد معن بشور امين عام المؤتمر القومي العربي من حلب بعد ان القى محاضرة بعنوان "الفكر القومي العربي... حاضرا ومستقبلا" في دار نقابة اطباء حلب بحضور امين فرع حزب البعث العربي الاشتراكي في حلب السيد عبد القادر المصري، ومحافظ حلب اللواء اسامة عدي، وعضو مجلس الشعب الدكتور ادوار خولي، ونقيب الاطباء الدكتور اكرم المصري، واعضاء مجلس النقابة ، وعضو اللجنة التنفيذية للمؤتمر القومي العربي الاستاذ محمد عبد المجيد منجونة واعضاء المؤتمر القومي وممثلو احزاب وقوى وطنية وقومية وتقدمية وحشد كبير من الاطباء والمثقفين والمهتمين.

        قدم للمحاضرة امين سر نقابة اطباء حلب الدكتور اسامة اديب، وشارك في الحوار شخصيات من مختلف الوان الطيف السياسي والفكري في حلب ومحافظتها.

        بشور تساءل في مقدمة محاضرته" اذا ما كان الامر يبدو ترفا ان نتحدث عن الفكر القومي العربي فيما الوجود القومي للامة بات مهددا، وفيما الوجود الوطني لكل كيان قطري يواجه تهديدات وتحديات بارزة".

        وبعد ان  استعرض الحملات المتلاحقة على العروبة  والقومية العربية  جنبا الى جنب مع الحرب على الاسلام، لاحظ ان البعض ينعي العروبة بعد كل نكسة او محنة تمر بها الامة متناسيا انه قد نعاها  في ظرف سابق، مشيرا الى مشروع الشرق الاوسط بكل صيغه سواء التي جاء بها شمعون بيريز في اوائل السبعينات من القرن الماضي او التي جاء بها بوش في اوائل هذا القرن ينطلق من وحدة المنطقة لكنه يسعى الى استبدال هويتها القومية والحضارية والروحية بهوية جغرافية مفتعلة ليصار الى دمج الكيان الصهيوني في نسيج المنطقة كممثل اقليمي للمركز الامبريالي الامريكي.

        وبعد ان عدد بشور اشكال الهجوم على القومية العربية وفكرها ورموزها لتفكيك احد ابرز الروابط الجامعة في الامة تمهيدا لتفتيتها، قال ان الفكر القومي العربي ذاته بحاجة الى مراجعة على عدة محاور من اجل ان يتمكن من معالجة التحديات الخارجية والداخلية، ويحرر نفسه من شوائب وممارسات علقت به في العقود الماضية.

        اول هذه المحاور حسب بشور يكمن من الخروج من الايديولوجيا  الى المشروع، فالايديولوجيا تحول الفكر القومي الى متراس، فيما مهمته ان يكون جامعا لكل القوى والتيارات التي تؤمن بمشروع حضاري يدعو الى وحدة الامة ونهوضها وتحررها بغض النظر عن خلفياتها الايديولوجية والعقائدية، من هنا جاءت تجربة المؤتمر القومي العربي فكان بين اعضاء المؤتمر وامانته العامة قوميون واسلاميون ويساريون وليبراليون اعلنوا استعدادهم للانضواء تحت لواء هذا المشروع والحوار في اطاره.

        المحور الثاني هو ان ينكب الفكر القومي العربي، واستطرادا المشروع القومي العربي على تطوير الرأسمال المعرفي في الامة خصوصا في اطار مكافحة الامية المنتشرة بين غالبية الناس ومعالجة ظاهرة هجرة الادمغة على مستوى النخب ومواجهة الحرب المستمرة على العلماء والاكاديميين والبنية العلمية للمجتمعات العربية كما شهدنا في العراق.

        المحور الثالث هو ما اسماه بشور بالادارة الرشيدة لموارد الامة وحل اشكالية التناقض القائم بين حجم التضحيات التي يقدمها ابناء الامة وحجم الانجازات.

        في هذا الاطار دعا بشور الى بذل جهد فكري حقيقي حول موضوعات من نوع "فكر الآليات والوسائل"، "فكر المؤسسات والبنى"، "فكر الاستراتيجيات والتكتيك"، وكلها مفاهيم ما زالت مغيبة عن المناقشات الفكرية العربية المنغمسة بما تعتبره قضايا نظرية اكثر اهمية.

        ولاحظ بشور ان تعثر بناء المؤسسات الحديثة في الدولة والمجتمع بسبب غياب الفكر المؤسسي اساسا قد احيا النزوع نحو عصبيات تقليدية بكل ما تقود اليه هذه العصبيات من تصادم وتجاذب وانقسامات اهلية، فنجد انفسنا في حلقة مفرغة تبدأ بواقع التخلف وتعالجه بادوات التخلف ليعيد التخلف انتاج ذاته.

        في هذا المحور تبرز اهمية معالجات قضايا كالتنمية بمفهومها الشامل القائم على المشاركة الشعبية والامن القومي العربي الذي علقت به شوائب عدة فربطت بينه وبين امن النظام او امن المجموعة الحاكمة.

        وعن المحور الرابع تحدث بشور عن بلورة علاقة تكاملية بين العروبة والاسلام للخروج من تلك الثنائية الخاطئة القائمة على  اما الفصل الكامل بين العروبة والاسلام واما التماهي الكامل بينهما دون ادراك ان العروبة رابطة وهوية قومية تجمع مسلمين وغير مسلمين وان الاسلام عقيدة سماوية تجمع عربا وغير عرب.

        وبعد ان اشار الى مراحل مرت بها الحركة القومية المعاصرة في نظرتها الى العلاقة بين العروبة والاسلام اشار الى ان هذه الحركة منذ الاربعينات والخمسينات اكدت على التكامل بينهما في ادبيات البعث ميشيل عفلق في (محاضرة ذكرى الرسول العربي) و(عبد الناصر (في فلسفة الثورة) .

        بشور لاحظ ان هذه العلاقة ذات بعد وحدوي لاننا نعيش في منطقة توحد فيها العروبة بين شرائح متعددة من ابنائها فيما يوحد  الاسلام بين اقوام تعيش مع العرب وبينهم.

        ولاحظ بشور ايضا ان الاسلام يوفر للعروبة عمقا استراتيجيا في الدول والامم الاسلامية، كما يوفر لها بعدا انسانيا يحررها من شوائب الشوفينية والعنصرية، فيما تذكر العروبة بعض المدارس الحركية الاسلامية بوجود اخرين معهم في الخندق ذاته او في المواجهة نفسها سواء كانوا من اديان اخرى او من مذاهب اسلامية مختلفة.

        المحور الخامس الذي تنبغي مراجعته حسب بشور هو صلة العروبة بالديمقراطية في وجه المحاولات الضخمة التي تحاول ربط العروبة بالاستبداد رغم ان الاستبداد في منطقتنا وفي العالم لا ينحصر بفكر او بامة او بجهة، بل ان "الليبرالية الجديدة" في واشنطن تقود المجتمع الامريكي نفسه الى التخلي التدريجي عن حريات شخصية وعامة كانت  من صلب الدستور الامريكي.

        وقال بشور ان مستقبل العمل القومي العربي مرهون بقدرته على صوغ تلك العلاقة بين الديمقراطية والاهداف الاخرى للامة، دون أي مقايضة تجري على حساب الديمقراطية الذي شكل غيابها نقطة الضعف الرئيسية في العديد من تجاربنا القومية.

        اما المحور السادس  الذي ينبغي ان ينصب عليه الجهد الفكري العربي فهو ، كما قال بشور: "مواجهة العالمية وعالمية المواجهة" عبر دراسة معمقة لظاهرة العولمة بكل تجلياتها الايجابية والسلبية، داعيا الى تفكيك فكري لهذه الظاهرة عبر ادراك تناقضاتها الكامنة، كما تطوير علاقة الامة بالحركة العالمية المناهضة للعولمة المتوحشة وللهيمنة الاستعمارية الصهيونية داعيا الى تطوير الخطاب والممارسة العربية والاسلامية بما يتناسب مع رغبتنا بتوسيع الجبهة العالمية للمواجهة.

        بشور ختم بالدعوة الى ان يكون الفكر القومي جسرا بين ابناء الامة لا متراسا، قناة للتواصل لا وسيلة للتنابذ، وعاء للتفاعل لا اداة للانقسام، اطارا للتكامل لا مبررا لاقصاء الاخر او الغائه، مذكرا انه اذا كانت استراتيجية الاعداء تقوم على التفتيت ، ففكرنا الاستراتيجي ان يرتكز على التجميع والتوفيق والتوحيد.

                                8-2-2005



Top of the Page