Heading  
 

 

راكبو المجان ومأساة العراق

 مصطفى العاني

شاركتُ في اجتماع رسمي عُقد في واشنطن العاصمة قبل سنوات عديدة، وكان هذا الاجتماع مُخصصاً لمناقشة قضية أمن الخليج والبحث عن السبل الكفيلة بضمان الاستمرار في تدفق إمدادات النفط من المنطقة.

وفي المناقشات التي جرت حول الموضوع، فاجأني أحد المسؤولين الأمريكيين بوصف موقف جمهورية الصين الشعبية تُجاه أمن منطقة الخليج بكون الصينيين ما هم إلاّ "فري رايدر". وقد أوضح هذا المسؤول أسباب استخدامه هذا المصطلح بأن الصين من الدول التي تستفيد من الاستقرار والأمن في منطقة الخليج العربي، وبخاصة في تأمين معظم احتياجاتها النفطية من هذه المنطقة الحيوية، في حين لا يوجد اهتمام من الصينيين بضمان أمن المنطقة، مع استفادتهم القصوى من الالتزام الأمريكي بإنجاز هذه المهمة دون مساهمة منهم في الكلفة العالية لذلك، وهم لا يدعمون الموقف الأمريكي في المنطقة عند ظهور الحاجة إلى ذلك، ولا يعترفون حتى بفضل الأمريكيين، ومن باب أحرى شكرهم على قيامهم بهذه المهمة.

ويُستخدم مصطلح "فري رايدر" Free - Rider في اللغة الإنجليزية للدلالة على حالة محددة، مفادها قيام شخص ما بركوب واسطة من وسائط النقل والوصول إلى هدفه ومقصده دون دفع أي كلفة أو تحمل أي عبء. وفي الحقيقة، ألفيتُ صعوبة في إيجاد ترجمة دقيقة للمصطلح المركب إلى اللغة العربية تعكس عمق المعنى وأبعاد الدلالة وفق الاستخدام الإنجليزي. وبدت الترجمة العربية القريبة دون الادعاء بدقتها "الراكب بالمجان". هنا، لا يهمنا الجدال الأمريكي ـ الصيني إن كان محقاً أو مبرراً أو غير مبرر، ما يهمنا من القصة السابقة هو مغزى دلالة مصطلح "الركوب بالمجان". والمفهوم الأمريكي العام للمصطلح يعتبر "الراكبين بالمجان" فئة غير شريفة تتصف بالانتهازية، حيث تمثل عادة من يقوم بسرقة جهود الآخرين وتضحياتهم دون مقابل، وحتى دون الاعتراف بأفضال الآخرين، فهم غشاشون ولا قيم أخلاقية لديهم.

ولم يدُرْ بخاطري أنه سيأتي يوم من الأيام لأستنجد بالذاكرة علها تسعفني بمصطلح ما لوصف الحالة السائدة الآن في العراق، وبالخصوص حال وواقع معظم عناصر القيادة السياسية التي تولت السلطة منذ سقوط النظام الديكتاتوري السابق على يد قوات الغزو والاحتلال الأمريكية. فالأسماء اللامعة اليوم في عالم السياسة العراقية هي في أغلبها نكرة، أو مجموعة نكرات، لم تكن معروفة بالنسبة للأغلبية العظمى من الشعب العراقي، هذا على الرغم من "نضالها" الطويل في واشنطن ولندن وطهران وباقي عواصم الترف والرفاهية الأخرى. ونضال هذه العناصر لإزالة النظام الديكتاتوري لم يكن مهمة تشغل إلا حيزاً ضئيلاً من وقت معظم هذه العناصر، حيث تصل مع بعضهم إلى حد تكون معه مجرد مهمة لملء الفراغ لا أكثر، لكون انشغالهم في الأعمال التجارية وكسب الأموال والبحث عن الأرباح الطائلة بطريقة مشروعة أو في الأغلب الأعم بالطرق غير المشروعة كان شغلهم الشاغل ومحور اهتماماتهم في الحياة، إلى جانب قضايا الفساد الأخلاقي، والصراع والتنافس داخل نطاق تشكيلاتهم المختلفة. وخلال فترة جاوزت العقدين من الزمن، لم يستطع أغلب تشكيلات هذه المعارضة إلحاق أي أذى بالنظام على الرغم من ضعفه وعزلته الداخلية والإقليمية والدولية الخانقة.

صدام وعبر مراقبته لطبيعة المعارضة العراقية في الخارج ونوعية الشخصيات العاملة فيها، أدرك أنها لا تستحق أدنى اهتمام، وأنه لا حاجة إلى التفكير بشأنها. وحتماً، لم يقض مضجعه تخمين عواقب نشاطاتها المضادة لنظامه. كان صدام يردد دائماً إيمانه بأن الشعب العراقي شعب ذكي، ويدرك في الوقت نفسه أن نظامه نظام فاسد لا يمتلك إلا شرعية الخوف والإرهاب، ويؤمن حقاً أو باطلاً بحقيقة أخرى مفادها أن الشعب العراقي أذكى من أن يقوم بتبديل نظام فاسد بنظام فاسد آخر. لذا، فإن معظم جماعات المعارضة الخارجية لا حظ لها في إسقاط نظامه الفاسد بوسائل الضغط الشعبي أو تعبئة الجماهير، والشعب الذكي ليس مستعداً للتضحية من أجل استبدال سيئ بما قد يكون أسوأ، ولاستبدال نظام ديكتاتوري بنظام مماثل. لذا، فإنه كلما ورد الحديث عن المعارضة كان صدام يمتثل في نفسه بيت جرير:

زعـم الفرزدق أن سيقتـل مربـعـاً أبشرْ بطول سلامـة يا مربـعُ!

ما لم يدركه صدام أن الشعب العراقي ربما كان ذكياً، ولكن صدام، وكعادته كان غبياً، أو أن أجهزة مخابراته كانت من الغباء أو من الجبن، بحيث لم تعلمه أو تجلب انتباهه لوجود مصطلح أمريكي خطير اسمه "الركوب المجان".

ودارت الأيام دورتها لتجتمع عوامل متعددة لا علاقة مباشرة لها بالوضع في العراق أو الوضع الإقليمي، بل لها علاقة بتطورات الوضع الداخلي في السياسة الأمريكية، وخصوصاً بعد تولي الرئيس بوش الابن زمام السلطة وسيطرة مجموعة مغامرة وذات نزعات عدوانية على زمام القرار في واشنطن، إلى جانب تأثيرات هزة اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر على الأراضي الأمريكية وغيرها من العوامل المساعدة والمشجعة. حينئذ، قرر صناع القرار في واشنطن تهيئة قطار التغيير للمسير نحو بغداد. وعلى إثر انتشار الخبر، بدأ "الراكبون بالمجان" من عناصر المعارضة العراقية في الخارج في التقاطر والاصطفاف وحتى التدافع للصعود إلى العربة واختلاس فرصة العمر. وكانت هناك مصلحة متبادلة بين الطرفين. فالجانب الأمريكي كان على إدراك ويقين كاملين بعدم شرعية أو قانونية حربه، لذلك، وجد الحاجة إلى الاستعانة "بالراكبين بالمجان" من عناصر المعارضة العراقية ودعوتهم للصعود إلى القطار للحصول على حصتهم من المكافأة في محاولة لإضفاء "الشرعية العراقية" على عملية إسقاط النظام بوسائل الغزو العسكري، وهي وسائل غير قانونية وتفتقر إلى أبسط متطلبات الشرعية الدولية. وفي محاولة لاستبدال الشرعية الدولية بالشرعية العراقية عبر صعود هذه العناصر إلى قطار التغيير الأمريكي، كان على الولايات المتحدة تقديم المكافآت والامتيازات لهذه العناصر اعترافاً بدورها النضالي في محاولة لإضفاء الشرعية على عمل غير شرعي.

فمعظم هؤلاء مثلوا ورقة التوت التي كان من المفترض أن تقوم بستر العورة، وهم من جلسوا تحت شجرة المحتل، متظللين بظلها الوافر، فاتحين أيديهم انتظاراً لسقوط الثمرة، ولم يطل انتظارهم ولم يخب أملهم. لذا، فقد آن الأوان لأن يحاسَـبُوا على ارتباطاتهم الخارجية على امتداد سنوات طويلة، ويُمتحنوا بموضوع الإخلاص للعراق قبل الإخلاص للمصالح الذاتية التي يمنحها المنصب، وقبل الإخلاص للحزب أو للطائفة أو للسيد الخارجي. واليوم، أمسى من المطلوب أن نفتح سجلاتهم لنلقي نظرة متفحصة ومجردة على ماضي هذه القيادات وسمعتها الشخصية، ونقوم بالبحث والتقصي عن ممارساتها تُجاه الوطن والمواطن. فهذا المتطلب هو ظاهرة حضارية، صحيحة وصحية، فضلاً عن كونها متطلبات قانونية وشرعية، ذلك إن رغبنا حقاً في تأسيس دولة عصرية تنبذ الماضي المؤلم وتتجنب أخطاءه ومآسيه.

 نحن إن كنا نود بناء دولة ونظام حضاري وعادل فيجب ألاّ يدفع الوطن والمواطن ثمناً ونمنح مكافآت على "النضال" المفترض لبعض هذه القيادات. فالمناضل، إن كان مناضلاً حقيقياً، يناضل من أجل هدف أسمى وليس من أجل مكافأة. لا توجد مكافآت يستوجب دفعها من قبل الوطن والمواطن مقابل "نضال" من يدّعي النضال، فقد دفعنا فاتورة "النضال السلبي" لصدام حسين وبكلفة باهظة وعلى امتداد سنوات طويلة. واليوم، يبرز المئات إن لم يكن الآلاف من مدّعي النضال الذين استولوا على مواقع السلطة في الدولة واستحوذوا على مواردها، وبدأوا، في وضح النهار ودون خجل أو رادع، في توزيع الخيرات والمناصب على أقربائهم ومريديهم. وحتى انتخاب الشعب لهم في ظل الظروف الاستثنائية وغير الاعتيادية وحتى غير القانونية لا يُعد تزكية أو قبولاً بنسيان ماضيهم سلباً أو إيجاباً. فالمواطن قام بعملية الانتخاب مدفوعاً بعوامل متعددة، لم تكن السمعة الشخصية أو التاريخ السياسي والأخلاقي، أو معايير الإخلاص للوطن أو حتى الكفاءة والمؤهلات ضمن هذه الاعتبارات.

إن هؤلاء الأشخاص القياديين يجب أن يخضعوا مع صدام للمحاكمة نفسها إن لم يكن أشد. فصدام اليوم لا يمثل أكثر من الماضي الأسود والمؤلم، ولكنه ماضٍ مضى ورحل. هؤلاء الأشخاص يمثلون الحاضر والمستقبل، ومن يجتاز منهم الامتحان والحساب سيضعه الشعب على رأسه قبل أن يضعه على كرسي الحكم، وسينحت له التماثيل قبل أن يتحمل العناء ليقوم هو بنحتها لنفسه. ليس الغرض هنا التشهير أو الانتقام، ما نود أن نقوله إن هذا المطلب لا يعدو كونه ظاهرة حضارية تُمارَس في جميع الأنظمة الديمقراطية. والعراق بعد ما قاساه من مآسٍ ومعاناة على يد أزلام النظام السابق لا شك في أنه يعد حالة خاصة تستوجب مزيداً من الضمانات التي تبعث الطمأنينة في نفس المواطن العراقي. وإلاّ لماذا كل هذه التضحيات والمعاناة والدماء والدمار؟ نتمنى ألاّ نقول غداً: ما أشبه الليلة بالبارحة!

 


 

top of the page