HEAD    
 
هل من (ميثاق بغداد) جديد للشرق الاوسط؟

GMT 6:15:00 2005 السبت 25 يونيو

سيّار الجميل


رسالة اوجهها الى صناع القرار العراقيين والاتراك والايرانيين

 مقدمة: أهمية الموضوع
 في دراسة أعددتها (بالانكليزية) عن محاور الاستقرار في الشرق الاوسط سينشرها بطلب منه المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن، وفي دراسة أخرى عن جيو ستراتيجية العراق ومستقبله (بالعربية) سينشرها بطلب منه مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية في ابو ظبي توصّلت الى نتائج غاية في الاهمية واستنتاجات غاية في الخطورة خصوصا وان اغلب مشروعات المنطقة في القرن العشرين انبثقت من بغداد التي كانت اول عاصمة عربية تجلس في عصبة الامم في العام 1930، نظرا للدور الذي تحقق للعراق بجهود من نخبة سياسية عراقية بارزة اعتقد حان الوقت للكف بالتنديد بها والتشهير بالاساءة اليها.. والمعروف ان العراق له شخصيته المتميزة والعجيبة، فلقد توافق مع المجتمع الدولي وتصادم معه في عهود شتى من القرن العشرين، سلما وحربا، وهذه سمة لم يتمتع بها غير العراق، فلقد كان ساحة حرب ضروس على امتداد كل ايام الحرب العالمية الاولى 1914 1918، وكان محل جدل دولي في الحفاظ على كيانه التاريخي بجهود ابنائه البررة ابان العشرينيات من القرن العشرين، وكان ان اصطدم جيشه الفتي مع الحلفاء في العام 1941 في حرب باسم القومية العربية، وهي حرب لا معنى لها خسرها بطبيعة الحال امام الانكليز، وكان له دوره في حرب 1948 ضد اسرائيل، وبعد خمسين سنة بالضبط اخرجته قوى التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الامريكية من الكويت عام 1991 في حرب عاصفة الصحراء ومرورا بثعلب الصحراء في العام 1998 بعد ان غزا الكويت عام 1990 في حدث مأساوي لا معنى له جاء على اعقاب حرب كارثية بينه وبين ايران لمدة ثمان سنوات 1980- 1988.. وهو الذي افتتح متغيرات الشرق الاوسط في القرن الواحد والعشرين بدءا من متغيراته الصعبة التي لم يزل يعايشها بكل قوة وصلابة بالرغم من حجم الانقسامات الداخلية التي لا اخاف عليه الا منها، فهو قادر على تحّمل صدمات كل ما يحيط به من الخارج، ولكن لا يحتمل اي احتقانات اجتماعية داخلية كالتي يمرّ بها اليوم.. ولقد بدا لي ان هناك سوء فهم كبير لم يزل يشحن الضمائر والعقول والاذهان بصدد اهم وابرز مشروعين انطلقا من العراق في القرن العشرين، فاذا كان الاول قد انحرف من قبل الاخوة العرب عن مساره الحقيقي الذي اراده الساسة العراقيون، فان الثاني قد وأده الاخوة العرب في مهده تحت ذرائع لم يحسن العراق تسويقه لها، خصوصا وان كلا من المشروعين اتهما بالعمالة للاستعمار وصبغت بغداد بصبغة الرجعية العالمية. 

 ماذا علمنا البحث في مستقبليات المنطقة؟
 لقد علمنا الدرس في بحث مستقبليات المنطقة بأن مركزها هو العراق الذي يقع بين خمسة بحار منفتحة ومغلقة، فهو في القلب من محور بحر قزوين الخليج ومحور الخليج والبحر الاحمر ومحور البحرين الاحمر الاسود بتماس من البحر المتوسط.. هذا المربع الذي كنت قد اسميته قبل اكثر من عشر سنوات بـ " مربع الازمات " الذي لا يمكنه ان يهجع ابدا اذا لم يرتبط بوثاق سياسي واقتصادي له استراتيجيته وتكون بغداد مركزيته الجيو ستراتيجية.. لقد كان العراق قد خرج من الحرب العالمية الاولى مؤسسا دولته في العام 1921، وبدأ بحل مشكلاته في العشرينيات مع تركيا وايران وكانت مشكلات عويصة معهما، وتقّدم على الاخرين كلهم في المنطقة عندما دخل عضوا في عصبة الامم في العام 1930، ثم بدأ بتوثيق علاقاته الاقليمية القوية مع كل من ايران وتركيا وتكلل ذلك بحلف سعد آباد في العام 1937 مع ايران وهي تجسّد رؤية ملك العراق وقت ذاك فيصل الاول الذي وجد ان من ضرورات خط العراق الوطني التحالف الراسخ مع اكبر جيرانه اي مع تركيا وايران، ولكن خط الداخل كان يسير باتجاه آخر.. انه كان يسير باتجاه القومية العربية حتى اطلق على العراق في الثلاثينيات بـ (بروسيا العرب) كونه سيغدو قاعدة لتوحيد العرب من دون ان يدركوا واقعيا ومنطقيا جغرافية العراق وتضاريسه الاقليمية وتنوعاته السكانية ومشكلاته الداخلية ومعضلاته التاريخية.. لقد وصل الامر باصحاب الجمعيات والنوادي القومية التي تأسست في العراق الى حالة من التبلد الشوفيني حتى وصل الامر الى ان يطلق سامي شوكت احد الشوفينيين القوميين العراقيين (وهو من اصل تركي) صرخته القومية بـ " صناعة الموت " في كراسه الذي كّرسه عربيا متأثرا بالفاشية! لقد قاد ذلك الخط القومي بعد انفجار الحرب العالمية الثانية في العام 1939 الى صدام نزعتين او عقيدتين سياسيتين، هما: القومية العربية والوطنية العراقية في العام 1941، اذ لعب الحاج امين الحسيني دور المحرّض لكل من رشيد عالي الكيلاني والعقداء الاربعة والاحزاب القومية وهو الذي كانت الحكومة العراقية وقت ذاك قد استضافته على حسابها، ولما فشل مشروعهم السياسي في الوقوف مع المحور ازاء نوري السعيد الذي وقف مع الحلفاء ، بدأ نوري السعيد مباشرة يجّرب حظه مع مشروع الاتحاد العربي الكونفدرالي بعد ان كان مشروعه في تأسيس كتلة (الهلال الخصيب) قد باء بالفشل الذريع لوقوف السوريين ضده، فكان ان قدّم مشروعا جديدا اثر انتهاء الحرب العالمية الثانية من اجل اتحاد الدول العربية في اتحاد كونفيدرالي (للعلم رجاء: ان الاتحادية الكونفدرالية للدول والاتحادية الفيدرالية للاقاليم)، فوقف المصريون ضد مشروعه ونجم بعد مباحثات ست دول ان صدر بروتوكول الاسكندرية في العام 1945 بعد ان رضخ العراق لمشيئة مصر والدول الحليفة بها: السعودية والاردن ولبنان وسوريا، فكان ان انبثقت جامعة الدول العربية بديلا عن اتحاد كونفدرالي كان يطمح العراق اليه قبل اي كيان عربي آخر، فرضخ نوري السعيد للاجماع العربي، علما بأن فكرة جامعة الدول العربية قد تبلورت من قبله بموافقة الانكليز..

خمسون سنة من الجذب والطرد
 وبدأت تجربة العراق على مدى عشر سنوات قاسية جدا في علاقاته العربية خصوصا بعد ان حقق مناصفة الارباح مع الشركات النفطية الاجنبية في العام 1952 وبدء التوترات العربية ضده منذ العام 1954، بتأثير السياسة الامريكية في المنطقة وتطبيق مشروع روزفلت في الشرق الاوسط، وتكريس ظاهرة الانقلابات العسكرية.. فكان ان بدأ العراق يفكّر من جديد بمشروع يجمعه بتركيا وايران في العام 1955، وليفكر في استراتيجيته القديمة التي رسمها فيصل الاول ورضا بهلوي ومصطفى كمال اتاتورك حول امكانية بناء كتلة راسخة للشرق الاوسط بعيدا عن الشوفينيات القومية من اجل كسب ثقة المجتمع الدولي مقاربة الى الدول الغربية. لقد بقي العراق يؤمن بالقومية العربية ويعمل على حل مشكلاتها المستعصية ولا يتوانى عن ذلك ابدا ابان الحكم الملكي ام الجمهوري، وفي كل من: فلسطين والسويس وتونس والمغرب والجزائر والخليج ولبنان.. الخ، فكان ان تشبّث الداخل بمكونات نخبوية وشعبية بالعواطف القومية والتي اججتها خطابات الرئيس جمال عبد الناصر التي كانت تهّيج الجماهير وتستقطب الملايين.. وبقي العراقيون يؤمنون بالقومية العربية او بالنزعة الاسلامية السياسية او بالايديولوجيات الراديكالية.. من دون ان يفكروا حتى اليوم: ما الذي يجمعنا من مصالح عليا مع جارتين اساسيتين في المنطقة وهما تحّدان العراق بحدود طويلة ومعقدة من الشرق ومن الشمال اي بدءا بمنابع مياه العراق كلها وعبر مسافات شاسعة من الاراضي الجبلية المعقدة من سلاسل طوروس وانتي طوروس وزاكروس وصولا الى شط العرب وفوهة الخليج المشتركة؟؟ ولم يفكروا ابدا في خضم الصخب القومي بحلول وطنية حقيقية للمشكلة الكردية. لقد انبثق ميثاق بغداد تحت شعار محاربة الشيوعية في العام 1955، بعد ان وجد الساسة العراقيون بأن مصالح العراق العليا تقتضي منه ترسيخ علاقته بأقوى جارين مسلمين له من ناحية، وان التكتّل معهما سيقلب المعادلة لما فيه (نفع) الشرق الاوسط خصوصا وان العمل في اطار القومية العربية لم يجد نفعا نظرا لحالات الشك والريبة وانعدام الثقة التي تسيطر على علاقات العرب بعضهم بالبعض الاخر منذ ازمان موغلة في القدم! والذي عّبرت عنه مواقف العرب من سياسات العراق المتنوعة سواء في العهد الملكي ام في العهد الجمهوري وحتى اليوم، فلم تزل التدخلات واسعة في سياسات العراق في حين لم يتدخل العراقيون ابدا في سياسات غيرهم.

هل من تنمية حقيقية لفكرة الدكتور الجعفري؟
 لقد تذكرت كل هذه " الاستنتاجات " وانا استمع قبل ايام لمناظرة سياسية مهمة كان يلقيها الاخ الدكتور ابراهيم الجعفري رئيس الوزراء العراقي امام اعضاء الجمعية الوطنية ببغداد مؤكدا حاجة العراق الاستراتيجية الى كل من تركيا وايران نظرا لتشابك مصالح العراق مع هذين الطرفين من نواح عدة بدءا بالامن والاستقرار والعلاقات الاستثنائية وتأمين المياه المتشاطئة وانتقالا الى التجارة والعلاقات التجارية والترانسيت ومرورا بالحدود المشتركة ووصولا الى الزيارات والسياحة المتنوعة. وكم تأملت لو تطورت العلاقات الثلاثية بين هذه الدول الثلاث وباكستان منذ خمسين سنة عندما وقّع على ميثاق بغداد (او كما يسمونه بحلف بغداد، وكان الراحل الدكتور فاضل الجمالي واقرانه يصّرون على تسميته بميثاق بغداد) لوجدنا اليوم تطورا في الاتصالات والمواصلات وسكك الحديد والتجارات الاقليمية والبينية والعلاقات الحضارية والمنافع الثقافية والمصالح المشتركة.. الخ وهنا لابد لي ان اقول: بأن اي ابتعاد للعراق عن كل من تركيا وايران وبأي اتجاه سيربك العراق داخليا واقليميا ودوليا، وسيضع العراق في موقع لا يحسد عليه ابدا. لم اتذكر سياسة نوري السعيد التي كان يستمدها من الخطوط العريضة التي رسمها الملك فيصل الاول للعراق وهو يكّون نفسه وتأهيل قدرته للعيش في القرن العشرين، بل لأن التجارب التي عشناها في العهد الجمهوري العسكري لعشر سنوات 1958 1968 ثم عهد البعثيين الشوفيني بمرحلتيه 1968- 2003 تعطينا أدلة تاريخية مريرة على حجم المأساة التي قدمتها لنا نحن العراقيين بالذات مع الدول العربية بدءا بالحرب السياسية والاعلامية الباردة ومحاصرة ثورة 14 تموز 1958، ثم الفتك بها اثر التدخلات السافرة لهذا الطرف او ذاك وانتقالا الى عهد الاخوين العارفيين وحالة الارتباك وسط انعدام معرفة قيمة العراق في ميزان (الامة العربية) وضعف العراق سياسيا اذ غدا العوبة بيد الاخت الكبرى ذات اليمين وذات الشمال، وانتقالا الى مرحلة احمد حسن البكر التعيسة التي ادخلت العراق في حمامات الدم والانشقاقات وشراء الذمم العربية والانفراد بالسلطة واخطاء كل من الشيوعيين والاكراد العراقيين على حساب ذبح الليبراليين والاسلاميين العراقيين والترويج للحزب القائد ومن ثم الحزب الواحد بعد الاجهاز على ما كان يسّمى بالجبهة القومية والتقدمية وللوحدة العربية وسط سياسات تهريجية لا تؤمن حقا بها وحالة الانشقاقات في العراق عن مصر وسوريا لخير دليل على ما اقول.. وصولا الى عهد صدام حسين بكل ما حفل به من اضطهادات واعدامات وكوارث ونكبات باشعاله للحروب وعدم تمتعه بأي حكمة في صون العراق وأمنه واستقلاله وتطوره ومصالحه العليا، بل بزجه سريعا في غمار اتون الحروب واللعبة الدولية والانتقال الى تزعم تافه لمجلس التعاون العربي الذي اثخن الجراح بين العراق وايران، ثم دوره في تمزيق المبادىء العربية بغزو الكويت ومحوها من الوجود من خلال مسبّبات تعود اصلا الى ما اثمرته الحرب البشعة بين ايران والعراق.. فما الذي كسبه العراق اذن من مكاسب تاريخية كالتي كان يرددها صدام حسين وجهاز اعلامه ابان حكمه.. لقد كان واجبا عليه وهو يبني استراتيجية العراق ان يحافظ على مصالح العراق ودماء العراقيين وان يتمتع بمنتهى الذكاء والحكمة والمقدرة وهو يتعامل مع احداث العام 1979 وتداعياتها.. ولكن ذلك لم يحصل، فقاد البلاد والعباد الى الدمار الذي لم نزل نحصد آثاره السقيمة وتدويل مشكلته حتى يومنا هذا.

لقد بدأ العراق تاريخا جديدا!
 اليوم ومن دون شك، يبدو ان العراق قد بدأ تاريخا جديدا قد انقطع في الظاهر على الاقل عن تاريخه القريب في القرن العشرين وهو يمر باصعب مرحلة من النقاهة وتصفية آثار قرابة خمسين سنة من ضياع مصالحه الاساسية في خضم الشرق الاوسط.. علما بأن الفوضى القيمية والاحتقانات الداخلية والمحاصصات غير الوطنية التي تزيدها التدخلات الخارجية والارادة الامريكية لم تزل مستمرة في كيفية تحديد مصيره الاتي. المهم ان على العراقيين ان ينتبهوا اليوم مهما كانت اتجاهاتهم السياسية - الى جملة من القيم والاسس التاريخية التي يمكنهم من خلالها ان يضعوا العراق على الطريق السوي الذي افتقده زمنا طويلا.. وان الوعي بها كالذي شعرت به من خلال كلمة الدكتور ابراهيم الجعفري، انما هو ملزم تماما للعراق في ان يغدو الطرف الثالث في المعادلة الجيوستراتيجية بشكل فعال واساسي وان يغدو لبغداد ثقلا في صناعة مصير الشرق الاوسط بعيدا عن تشنجات الاخوة العرب وهياجهم ومؤامرات بعضهم وسياسات اعلامياتهم.. انني ادرك ادراكا تاريخيا بأن العراق له ثقله في المنظومة العربية كما ان له مركزيته الحضارية، ولكن مطلوب من الاخوة العرب ان يؤمنوا أيضا - بأن للعراق مصالحه الوطنية وهو بحاجة اليوم الى نفسه بعد ان نحر نفسه طويلا في سبيل الامة العربية المجيدة.. وان اي صيغة لتعزيز المصالح بين العراق وتركيا وايران ستودي بالنفع العميم على المنظومة العربية قاطبة.
 ان المهمة الاساسية للعراقيين بعد ان يخرجوا العراق من المأزق الامني وتحييد الاخرين بالتدخل في شؤونه ومن ثم ترتيب علاقته بالمجتمع الدولي البدء بصياغة ميثاق بغداد للشرق الاوسط خصوصا وان ما يلاقيه من عطف دولي واسع النطاق ومن قبل الاسرة الدولية اكثر بكثير مما يلاقيه من الاسرة العربية التي تفانى في الدفاع عن مبادئها على امتداد القرن العشرين لهو امر يدعو الى التفكير البعيد.. فمصالحنا العليا ايها العراقيون نحن العراقيين قبل اية مصالح اخرى.. ألم تتعلموا كثيرا من تجارب القرن العشرين المأساوية؟ ولنكن شجعانا في ان نكون عراقيين ولو لمرة واحدة بدل التغنّي بالامجاد وسماع البكائيات على الاطلال العربية والخناجر العربية مزروعة في ظهورنا ولا يعرف اي عراقي متى يسقط وتقطّع اوصاله بفعل المفخخات في جنباتنا.. وهنا اناشد كل من يقف ضدي في هذا " الطرح " من الاخوة القوميين والعروبيين العراقيين ان ينظروا الى المسألة بمنظار عراقي بحت، فليس لهم بيتا يضمهم الا العراق.. وليدركوا بأنني لا ادعو الى فصل العراق عن منظومته العربية! كلا ابدا، وانما ان يلتفت العراقيون الى انفسهم اولا كي يلتئموا على قيمهم ومبادئهم الوطنية اولا، ومن ثم يعالجون مصالحهم الاولى مع من تكون ثانيا وان يصروا على ان يكونوا مبدعين في قلب الاسرة الدولية ثالثا.. وان لا يكونوا ملكيين اكثر من الملك نفسه في قضية فلسطين رابعا فالاخوة الفلسطينيون قد دخلوا مفاوضاتهم لحل مشكلتهم فلن تنفع العراق بعد اليوم اية شعارات وهمية ولا اي تدخلات بعيدة وليس له الا معرفة التصّرف مع جيرانه من موقع القوة.. اما الاخوة العرب فليدركوا ان عجلة التاريخ سوف لن ترجع الى الوراء ثانية، وان جميع رهاناتهم على العراق قد باءت بالفشل الذريع منذ خمسين سنة، اي منذ العام 1955 وحتى اليوم في العام 2005!

دروس ميثاق الامس
 لقد جمعتني قبل ايام المصادفة في حفل اقامه مجلس العمل العراقي الموقر مشكورا للترحيب بالشيخ فارس الياور سفيرنا في دولة الامارات العربية المتحدة، وقلت في كلمتي التي دعاني المجلس العراقي لالقائها في ذاك الحفل: بأن العراق الثري الغني لا يمكنه بعد اليوم ان يعيل دولا ومجتمعات كاملة وشعبه يتألم جوعا ويتمزق اربا على ايدي من كنا نطعمهم ونسقيهم!! نعم، لقد جمعتني تلك المناسبة بالاخ البروفيسور مأمون أمين زكي استاذ العلوم السياسية والفكر السياسي في جامعة منيسوتا بالولايات المتحدة الامريكية وتداولنا في امور شتى حول العراق، وبالرغم من تشاؤمه بصدد مستقبل العراق، فقد قلت له ان لدي بصيص من الامل سيكبر يوما بعد آخر اذا ما استطاع العراقيون ان يعتمدوا على الاذكياء منهم ولا يتركونهم وسط تيه نوعين من البشر: سفهاء وأغبياء.. ثم امتد حديثنا عن دور العراق في أمن الشرق الاوسط، فتبادلنا معلومات وثائقية مشتركة عن قيمة ودور اي ميثاق لبغداد في عقد اواصر المنطقة ليس بالنسبة لهذا الشرق الاوسط حسب، بل لكل من العالمين العربي والاسلامي، وستجد اسرائيل نفسها محجمّة ولقد اعلمني الاخ مأمون بأنه عثر على وثائق تقول بأن اسرائيل كانت وراء افشال ميثاق بغداد القديم الذي عقده العراق مع تركيا وايران والباكستان وبريطانيا في العام 1955! كما ان الوثائق التي بحوزتي انا الاخر، تشير بما لا يقبل مجالا للشك الى ان العرب لم يدركوا اللعبة عهد ذاك واعتبروا الحلف موجها ضدهم علما بأنه كان سينفع العراق اولا وسيخلصه من مشكلاته ومعضلاته المستعصية، ثم سينفع العرب ثانيا لأنه سيحّجم دور اسرائيل كثيرا عندما يجد العالم بأن الشرق الاوسط كتلة واحدة.. ولكن المشكلة كانت تكمن في الزعامة عندما يعترف المصريون أنفسهم بأن الرئيس جمال عبد الناصر كان مؤيدا للمشروع في بداية الامر اثر زيارة قام بها نوري السعيد الى مصر، ولكن ما ان عرف بأن " الميثاق" سيغدو مركزه العراق وسيسمى بميثاق بغداد، انقلب الرجل على المشروع انقلابا جذريا صاعقا وبدأ يكيل له كل الشتائم والاتهامات وبدأت اذاعة صوت العرب باذاعة اقذع السباب! ولنا ان نفكّر بما كان للمشروع القديم من سلبيات وايجابيات، ومن ثمّ نحكم عليه وانني ادعو كل من يخالفني الرأي من الاخوة الاسلاميين والقوميين والشيوعيين ان لا يستعجل الحكم ويطلق عاطفته المتشببّة ولسانه ضدي من دون ان يعيد فهمه من جديد ومن دون ان يقرأ الوثائق الرسمية، بل وينظر الى ما نتج في المنطقة من كوارث ومآس كانت المنطقة ستتجنبها حتما، ناهيكم ايها العراقيون بأن الذكاء يكمن في كيفية معالجتنا لبؤر الخطورة في بلادنا قبل اطلاق الشعارات والشتائم.. فحدودنا ومصالحنا وعلاقاتنا ومياهنا وتجارتنا واتصالاتنا وتواريخنا.. وكل ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا مرتبط اساسا مع اكبر جارين لنا، فلا يمكننا ان نعزف سيمنفونيتنا حول " رسالة الامة الخالدة " بمعزل عن مصالحنا الوطنية الحقيقية.

 ميثاق اليوم غير ميثاق الامس
 انني لست مع ميثاق الامس، فلقد خرج علينا مسّوغا مشروعيته بالوقوف ضد الشيوعية التي كان يخشاها كل من العراق وتركيا وايران.. وان ارتباط هذه الدول الثلاث بالغرب كان ارتباطا قويا واستراتيجيا.. ولكنني واثق تمام الثقة من ان هذه الدول كانت قد وصلت الى قناعة حقيقية بأن التكامل في المصالح الاقليمية هو السبب الحقيقي وراء انبثاق ذلك الميثاق ولكن ميثاق اليوم، فبالرغم من ان فجوة سياسية تفصل بين هذه الدول الثلاث، الا ان المصالح الاقليمية بينها تقتضي منها بناء جسور من الثقة والمصالح المشتركة وملاحقة الارهاب وتطوير البدائل.. ان الميثاق سيقوي دور العراق الجديد في مواجهة الازمات التي يتعّرض لها وتضعه على الطريق المستقيم في تطوير عمليته السياسية اولا من خلال فرض الامن والاستقرار ثانيا واعادة الاعمار فيه ثالثا.. وانني أجد بأن من مصلحة ايران ومستقبلها السياسي ان تطور علاقتها بكل من تركيا والعراق لكسب ثقة المجتمع الدولي بها، وتكون عنصرا فاعلا في امن المنطقة وخصوصا في الخليج العربي، كما وسيعمل الميثاق على ازالة كل أثار الحرب المأساوية وفتح صفحة جديدة من العلاقات والتفاوض بشأن اطفاء الديون المترتبة على العراق.
 ان اي ميثاق ينطلق من بغداد اليوم باتجاه تركيا وايران سيكون موضع قوة لا ضعف، وستجد الولايات المتحدة الامريكية نفسها ملزمة بالتعامل معه على اساس المصالح لا على اساس الهيمنة، خصوصا اذا ما علمنا بأن الشغل الشاغل للولايات المتحدة الامريكية اليوم هو الارهاب، وان ميثاقا كهذا سيضمن توفير الامن والاستقرار في المنطقة وسيستأصل الارهاب من جذوره خصوصا اذا ما فكر اي مراقب سياسي في الاجندة السياسية التي يمكن للميثاق ان يحتويها ويتضمنها ما دام هناك في السلطة لكل من الدول الثلاث: العراق وتركيا وايران اسلاميون يحكمون، فان الميثاق سيخلق توازنا بين الاسلاميين المحافظين والاصلاحيين الايرانيين، وبين الاسلاميين والعلمانيين الاتراك، وبين الاسلاميين والعلمانيين العراقيين.. بمعنى ان الميثاق سيعّزز فرص الديمقراطية في هذه البلدان الاساسية الثلاث في العالم الاسلامي الاسيوي التي يقع تكتلها في عموم الشرق الاوسط، وسيطور العمليات السياسية في بلدان اخرى وسيحمي دول الخليج وامنها من كل حجوم الارهاب ومخاطره.. وسيعمل على تحجيم دور اسرائيل ومخاطرها من خلال اعطاء جرعات تقوية لكافة البلدان العربية التي تبدو الان مشلولة عن الحركة بالرغم من تبلور حركات الاصلاح والتغيير في بنيوياتها السياسية القديمة.

 اشكاليات الموضوع: تباين الانظمة السياسية
 لا يختلف اثنان على ان ابرز مشكلة تواجه اي تحالف اقليمي لدول المنطقة انما يكمن في اختلاف الانظمة السياسية.. انه لأول مرة تجد دول الشرق الاوسط نفسها متشظية كثيرا عما كانت عليه في عهود مضت. وهنا لا اقول بأن على الانظمة ان تغّير نفسها، ولكن عليها ان تغّير من اساليبها مع ما يتفق ومصالح المنطقة وبما يلبي متطلبات المجتمع الدولي، فليس من المعقول ان تبقى المنطقة تعيش هواجس اسلحة الدمار الشامل او الاسلحة النووية. وليس من المنطق ان تفرغ المنطقة من اي مشروعات للتسلح وان تستثنى اسرائيل عن ذلك! وليس من الانصاف ان تعامل المنطقة وكأنها متهمة دوما كونها مصدّرة للارهاب من دون معالجة الاسباب الحقيقية التي خلقت هذه " الظاهرة " الخطيرة . وليس من العدل ان يغدو العراق ولبنان تحت بطش الارهاب وتصفية الحسابات الاقليمية والدولية، وهما قلب الشرق الاوسط ومفتاحه.
 ان الاسلاميين الذين يحكمون اليوم كل من العراق وتركيا وايران انما يختلفون في انماط تفكيرهم وسياساتهم عن بعضهم البعض الاخر، كما كان الليبراليون يحكمون هذه البلدان الثلاثة قبل خمسين سنة وكانوا يختلفون في خططهم وتوجهاتهم واساليبهم، ولكن الذي كان يجمعهم حقا هو الولاء للغرب كما كانوا يوصفون -، واليوم لا اعتقد ان احدا في هذا العالم يخالف الاستقطاب الدولي وهو في حل من كسب المجتمع الدولي.. هذه هي المعادلة التي يستوجب على ايران ان تدركها، وهي تدركها جيدا وخصوصا اذا ما وصل الاصلاحيون الى الحكم بعد الانتخابات الجارية، فالمسألة لا تدخل ضمن البقاء اسرى وراء جدران سامقة، بل لابد من تغيير الاساليب السياسية وتجديد العملية السياسية والانفتاح على كل التيارات السياسية لضمان استمرار الانظمة السياسية التي تلبس الاثواب الاسلاموية وهي تخالف بعضها بعضا..
 لعل النظام السياسي التركي اكثر تمدنا وشفافية بفعل طبيعة تاريخه في القرن العشرين، وقبول الاسلاميين الاتراك بالعلمنة، وربما كانت تجربة العراق الديمقراطية غير ناضجة بعد وهي في اول الطريق بعد، ولعل ايران التي تعيش من زمن ليس بالقصير حالة صراع داخلي بين التشبث بالقديم وبين التسّلح بالجديد.. سيفضي كله الى ان تستقر الاوضاع دستوريا وداخليا، ولكن ستبقى الحاجة ملحّة للدول الثلاث الى مراعاة مصالح الشرق الاوسط من خلال الاتفاق على مبادئ ميثاق تخدمها كلها، وتعزز اقتصادياتها ومصالحها المشتركة، وتعمل على فرض حالة من الامن القومي ويحمي الاستقرار المشترك.. ناهيكم عن دورها في تحجيم هذا الارهاب العاتي الذي بدأ يجتاح كل المنطقة. فاختلاف الانظمة السياسية ليس عائقا حقيقيا امام بناء استراتيجية مصالح اقليمية، ولدينا في اوربا امثلة حقيقية ومعاصرة في البقاء ضمن اطر استراتيجية مشتركة مع تباين الانظمة السياسية.

 ان دولا كالعراق وتركيا وايران مطالبة اليوم اكثر من اي يوم مضى ان توّثق علاقاتها مع بعضها كدول مجاورة، ولا ينبغي، ان تمارس سياسات تآمرية لحكومات معينة في الدول الثلاث انطلاقا من نزعات واهواء وعصبيات ذاتية ومصالح خاصة مع او ضد بعضها البعض الاخر، وانما انطلاقا من استراتيجية مبادىء اقليمية مشتركة تسعى جميعا في البحث عن وسائل تحقيق الامن والاستقرار في كل المنطقة واستئصال الارهاب وكل انواعه ووسائل تبادل المنافع عن طريق تشجيع انتقال الرساميل والبضائع والخدمات والخبرات والاشخاص. وينبغي استخدام مبدأ السلم في الداخل والسلم في الخارج في ان لا تكون سياسة القطيعة والعنف والحروب والصدام هي الوسيلة لحل الخلافات والمشاكل العالقة بين هذه الدول الجارة، وانما ينبغي ان يكون الحوار والتفاوض والتحكيم واحترام الحقوق المشروعة لكل بلد هو السبيل لتحقيق التنمية والتطور والرخاء في كل البلدان.

 وأخيرا أقول: ان ميثاق بغداد سيجدد المنطقة
 وأخيرا اقول مجيبا على تساؤل قد يفترضه اي منتقد او معترض او معقّب لما اقول بأن كل من الدول الثلاث العراق وتركيا وايران بحاجة ماسة الى بعضها البعض الاخر، فايران سيعزز مثل هذا " الميثاق " من استعادة توازنها لصالح القوى الاصلاحية النشيطة فيها وسيقربها من تجربتي العراق وتركيا بعيدا عن الخندق الذي انزلت نفسها فيه، وانها ستجد نفسها الاقرب الى المجتمع الدولي بخطوتها في تعزيز فرص السلام والامن في الشرق الاوسط.. وان تركيا ستجد نفسها ملزمة بحل ما استعصي من مشكلات داخلية فيها، وانها ستعزز قواها السياسية وتجديد مضامينها على ضوء مصالح اقليمية مشتركة ستقربها من اوروبا وستعزز مكانتها لدى الاطلسي.. وان العراق، سيجد ان جملة مخاطر وتحديات يتّعرض لها قد تبددت، وانه سيغدو عقدا واصلا بين كل من تركيا وايران من طرف والمنظومة العربية من طرف آخر.. وستشعر اسرائيل بالضآلة في ان يكون لها دور قوي كما تحلم في اعماق الشرق الاوسط لأن هذا " الميثاق " سيقطع عليها الطريق ليس لاستفرادها وسط تحلل المنطقة، بل سينهي علاقاتها بدول آسيا الوسطى.. والسؤال الاول: هل يمتلك العراق القدرة من خلال الاستفادة من سياسييه ومثقفيه وكوادره العليا ان يدير هكذا عملية صعبة؟ والسؤال الثاني: هل ستقبل الولايات المتحدة ولادة هكذا " مشروع " جيو ستراتيجي في تجديد منطقة الشرق الاوسط من خلال مركزية بغداد؟ كما ان دول الخليج العربي ستكون اولى من يستفيد من تطور الاوضاع السياسية والاقتصادية لدول ميثاق الشرق الاوسط. فهل سيحدث كل هذا وذاك بسهولة نحلم بها؟ انني اشك ان المنطقة لا يمكنها ان تتجدد الا بتحقيق خطوة واحدة من الامنيات حتى تعقبها بقية الخطوات.

 
  Back to top